على جدران قصر الحمراء الغرناطي الأندلسي نُقشت أبيات من قصائد الشاعر ابن زمرك (1333- 1392)، وزير بني الأحمر وتلميذ لسان الدين الخطيب، وبينها هذه الأبيات:
تبيتُ له خَمْس الثريا معيذة/ ويصبح معتلّ النواسم راقيا
به القبّة الغراء قلّ نظيرها/ ترى الحسن فيها مُستكنًّاً وباديا
تمدّ لها الجوزاءُ كفَّ مصافحٍ/ ويدنو لها بدرُ السماء مناجيا
وتهوي النجومُ الزهر لو ثبتت بها/ ولم تك في أفق السماء جواريا
وبإشارة إلى شعر ابن زمرك تستهل إليزابيث درايسون كتابها «الفردوس المفقود: قصة غرناطة»، فتساهم بذلك في سلسلة أعمال غربية غير إسبانية عبّرت عن افتتان بالمدينة، درّة الأندلس، فبدأت من الطبيب الألماني هيرونيموس مونتزر في أواخر القرن الخامس عشر، ولم تنته عند رحلة الروائي الإنكليزي جورج بورو إلى الربوع الأندلسية في عشرينيات القرن التاسع عشر. كذلك فإن كتابها هذا يستكمل أعمالها العديدة حول إسبانيا من موقعها كأستاذة مرموقة لآداب وحضارة إسبانيا في جامعة كامبرج، وضمنها «موقف المغربي الأخير» و»كتب غرناطة الرائدة» و»الملك والبغيّ».
«غرناطة تتحدث إلينا من خلال الحواس، ولعلها لا تفعل ذلك أفضل مما تفعله عبر عمارتها. عند النظر إلى المدينة من علٍ فوق تلة ساكرومونتي المقدسة، فإن أول ما يخطف العين من بعيد هو الحصن العربي العظيم الحمراء، وفي الأسفل عند المدينة القديمة كاتدرائية عصر النهضة الإسباني». هكذا تكتب درايسون في وصف اثنين من مواقع القوة الثقافية والدينية، يشكلان رمزين ظاهرين «لالتقاء الحضارتين المسلمة والمسيحية في هذا المكان، مشددة على أن الجانب الأكثر إدهاشاً واعتياداً في تاريخ غرناطة هو ماضيها العربي كعاصمة لسلالات مسلمة حكمت من سنة 1237 وحتى 1492.
لكن أهمية غرناطة لا تنبع فقط من واقعها التاريخي والمادي والثقافي، بل كذلك لأنها «فكرة، وصورة، وحلم طوباوي سحر العديد من الشعوب» على مدى العصور. بل تذهب درايسون إلى درجة القول بأن أسلوب الحياة والعيش الذي أرساه حكام المدينة من المسلمين حوّلها إلى ما يشبه «الفردوس الأرضي»، ومن هنا تفسير عنوان كتابها والإشارة إلى الفردوس المفقود. وحتى بعد الفتح المسيحي في سنة 1492 توافد على غرناطة فنانون وموسيقيون وكتّاب وشعراء ورحالة، يبحثون في أرجائها عن إلهام تعايش الثقافات والفنون والأفكار، فتبعث في نفوسهم مشاعر الحنين إلى الماضي بكل تقلباته وتحولاته.
وتوضح المؤلفة أن كتابها يتوجه إلى القارئ العريض بصرف النظر عن عقائده الدينية أو السياسية، وهو مبني بطريقة تتيح تبيان المحطات الفاصلة في حياة المدينة وتاريخها، من دون أن نقحم على فصول الكتاب تقديراتنا اللاحقة أو الراهنة وبمعزل عن أي انحياز. والسبب الأول وراء هذا الخيار هو أن درايسون تؤمن بمكانة غرناطة كمدينة إسبانية أولى وبامتياز، ولهذا فإن كتابها ليس مرجعاً أكاديمياً لأنه لا يتخذ التسلسل التاريخي للوقائع بقدر ما يتوقف عند علائم كبرى في مسارات المدينة، خاصة حين تكون بمثابة دلائل بيّنة على موقع غرناطة في الهوية الإسبانية وفي الركائز التي شكلت تكوينها السياسي والديموغرافي والديني والثقافي.
وعلى سبيل المثال، حين تكرس أحد فصول الكتاب لمأساة اغتيال شاعر إسبانيا الكبير فدريكو غارسيا لوركا فإنها لا تكتفي بسرد تفاصيل مكثفة لعلاقته الشعرية والجمالية بالمدينة، وجوهر حقد الفاشية الملكية عليه وعلى قصائده ومسرحياته رغم أنه لم يكن ينتمي لأي مجموعة سياسية، بل تشرح بإسهاب تأثير المدينة العميق على شخصيته الأدبية سواء لجهة التأثر بأشكال الشعر العربي أو انحيازه إلى مجموعات الغجر، أو تعاونه مع المؤلف الموسيقي مانويل دي فالا لإحياء تراث «القصيدة العميقة» و»الأناشيد الغجرية» في الشعر كما في الموسيقى. ويحلو للمؤلفة أن تذكّرر بأن لوركا، خلال زيارته المشهودة إلى نيويورك سنة 1929، أطلق من قلب أمريكا تلك العبارة الشهيرة المعقدة: «أنا نموذج شديد الصفاء عن التَغَرْنُطية الغرناطية متغرنطةً».
وتبدأ درايسون من نسب اسم المدينة إلى الرمّان، الذي تكثر أشجاره في ضواحي المدينة وأريافها، ولكنها تذهب أبعد في البحث عن دلالات الاسم لأنّ للرمانة مواقع مدهشة في أساطير المنطقة، خاصة وأنها تُزرع وتُستثمر منذ 5000 سنة قبل المسيح. لقد وُجدت رمانة في قبر الملكة الفرعونية حتشبسوت، وفي الأسطورة الإغريقية يتردد أن الرمّان نبت من دم أدونيس، وعليه تغذت بيرسيفوني إبنة زيوس، وأما الأهم فهو انتقالها إلى جنوب إسبانيا، فالأندلس وغرناطة، على يد الفينيقيين في مدينة قرطاجة، وهذا تفصيل هام يرد الحكاية الغرناطية إلى حوار الشرق والغرب.
وعلى امتداد 13 فصلاً، تسرد المؤلفة عشرات الأقاصيص والمحطات الفاصلة والحروب والصراعات والأمم والحضارات والممالك، حريصة في كل هذا على إبراز مكانة المدينة في الربط بين العناصر المختلفة التي قد تبدو متنافرة أو متباعدة، ولكنها تنتهي في المحتوى الأهمّ إلى تلك الوظيفة الفريدة التي تمتعت بها غرناطة لجهة إقامة الصلات وربط الجهات وإغناء الثقافات. وضمن منهجية صارمة اختطتها والتزمت بها، لا تقتفي المؤلفة تسلسلاً تاريخياً تقليدياً لتواريخ المدينة بقدر ما تعتمد على مفاصل حضارية وسياسية ودينية تقاطعت أو تكاملت، وتصارعت أو تحالفت، لتصنع خصوصية المدينة. وكما للمدينة حولياتها قبل المسيح، في أحقاب شتى، فإنّ ربوعها احتضنت وقائع اليهود والمسيحيين والمسلمين، مثلما شهدت تآلف عقائدهم حتى في أحلك الفترات حين صار الإجبار على اعتناق الديانة سياسة عليا.
وتكرس المؤلفة الفصل 9، تحت عنوان «فردوس للعقل: حكايات الرحّالة عن مدينة متبدلة»، للكتابات الكثيرة والمشاهدات المختلفة التي خلّفها رّحالة ورسامون كثر زاروا غرناطة وفُتنوا بجمالها الطبيعي وخصوصيتها المعمارية وبنهرها دارو الذي يعبر أرجاءها «مثل سوار من الفضة». ورغم أن الطابع السكاني للمدينة ظل متماثلاً خلال الـ 200 سنة الماضية، إلا أن طبائع الحياة اليومية وعادات العيش واللباس والطعام والعمل ظلت على الدوام في حالة من التبدل الحيوي، وهذا أيضاً كان عنصراً جاذباً للزوار والمراقبين.
وبين أقسام الكتاب التي تتصف بإمتاع خاص، وغنى معرفي وتاريخي، الفصل 11 الذي يحمل عنوان «نساء غرناطة» ويبحث في هيمنة المرأة على حكم المدينة وقيادتها سياسياً وعسكرياً، بدليل المدفن الواقع في شمال شرقي غرناطة والذي يعود إلى حقبة 400 إلى 350 قبل المسيح ويحتوي على هيكل ربّة/ أمّ تقود جنودها كما تشرف على شعائر تكريمهم. الفصل 13 مميز أيضاً لأنه خاتمة الكتاب من جهة أولى، ولكن أيضاً لأنه يطرح الأسئلة المحورية الناظمة لمعظم مواد الكتاب: هل غرناطة فردوس مفقود، أم مثال أعلى قابل للاستعادة؟ هل يجوز وضعها في مصاف دلمون المثالية كما تخيلها السومريون قدامى بلاد الرافدين، أو أركاديا المثالية أيضاً حسب تصوير فرجيل شاعر الرومان؟
«في أزمنتنا يتخذ الفردوس صفة أسطورة استهلاكية» تقول درايسون، مثالية للسياحة والاستجمام والعطلة والراحة، ولكن هذا يستبطن حقيقة بحث الإنسان عن مأوى وملجأ ومثوى يوفّر تعويضاً عن جنّة ما فُقدت بسبب تعقيدات الحياة المعاصرة. غير أن المذهل في حالة غرناطة أنها «لم تعد فردوساً متخيلاً بل حقيقة فعلية، بجمالها الطبيعي ومواردها الوفيرة ومياهها الدافقة ومناخها المثالي وأمجاد العمارة والبساتين المسلمة، فتآلفت كل هذه العناصر لتخلق أركاديا مرئية ملموسة».
ولا تتردد درايسون في اقتباس الشاعر المكسيكي فرنشيسكو إيكازا، من القرن التاسع عشر، الذي كتب قصيدة يخاطب فيها سيدة اقترب منها متسول أعمى:
أعطه صدقة أيتها السيدة الطيبة
فليس ثمة حزن في الحياة
يفوق أن يكون المرء أعمى في غرناطة!
Elizabeth Drayson : “Lost Paradise: The Story OF Granada”
Apollo, London 2021
480 pages.