قد تبدو قضية تجسس ربات العائلات وأمهات الأطفال رتيبة وثانوية بالنسبة إلى القضايا السياسية ـ الاستخباراتية الأخرى. إلا ان السؤال يُطرح لماذا استخدمت الدول الكبرى هذا السلاح للحصول على المعلومات السرية العسكرية والسياسية خلال وبعد الحربين العالمية الأولى والثانية وما زالت تستخدمه حتى الآن دول عديدة؟ وهل المعلومات التي تم أو يتم الحصول عليها عبر هذه الطريقة كانت واستمرت مفيدة لأجهزة استخبارات هذه الدول وقادتها؟
جزء كبير من الجواب على هذا السؤال قد يعثر عليه القارئ في كتاب صدَرَ مؤخراً بعنوان «العميلة صونيا» للمؤلف البريطاني بن ماكنتاير، الذي ألّف كتباً عديدة في هذا المجال بينها كتاب عن الجاسوس كيم فيلبي بعنوان «جاسوس بين أصدقاء». وقد نال ماكنتاير جوائز عديدة على هذه الكتب بالإضافة إلى عمله كرئيس التحرير المشارك لصيحفة «التايمز» البريطانية.
«العميلة صونيا» يروي النشاطات الجاسوسية لأورسولا كوتشينسكي، التي أطلقت عليها الاستخبارات العسكرية السوفييتية لقب «العميلة صونيا» وعمليات تجسسها ضد النظام النازي بقيادة أدولف هتلر في ألمانيا في الثلاثينيات والأربعينيات وفي تحريض ودعم الثورات الشيوعية في آسيا واليابان والصين خلال نظام الرئيس الصيني السابق تشان كاي تشك وضد الأنظمة المناهضة للاتحاد السوفييتي في القارة الصفراء وفي مقاومة التغلغل الياباني العسكري والسياسي في منشوريا ومحاولة تنظيم عملية لاغتيال هتلر أثناء نشاطاتها في سويسرا. ولكن الأهم كانت علاقتها بالعالم الألماني الأصل كلاوس فوكس، الذي مرر من خلال لقاءاتها معه في لندن أسرار صناعة القنبلة النووية إلى الاتحاد السوفييتي (بقيادة جوزف ستالين) في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي. وفعلت أورسولا (صونيا) كل ذلك من دون أن يثنيها الأمر عن الارتباط بعلاقات زوجية أولها مع زوجها الأول رودي همبرغر ثم مع العميل السوفييتي الشهير ريتشارد سورج، وثالثها مع العميل السوفييتي الآخر يوهان باترا ورابعها مع زوجها الثاني لين بيرتون، وقد أثمرت هذه العلاقات إنجابها ثلاثة أطفال استمرت في رعايتهم طوال عملها التجسسي وتنقلها من بلد إلى آخر، فأنجبت طفلاً أسمته مايكل من زوجها الأول، ونينا من العميل باترا وبيتر من زوجها لين بيرتون. بيد أن الرفيق العاطفي الأقوى بالنسبة اليها (حسب ما ورد في الكتاب) كان سورج الذي لم تنجب منه، ولكنها أحبته حتى اليوم الأخير من حياتها. توفيت أورسولا في عام 2000 وكانت قد بلغت الثالثة والتسعين علماً أن الاستخبارات الروسية كرمتها قبل وفاتها.
ويقول ايان فليمنغ، المؤلف البريطاني لروايات جيمس بوند، أن شخصية سورج وشكله الخارجي توافقت تماماً مع شخصية وشكل العميل جيمس بوند في كتبه.
من الأمور اللافتة في كتاب ماكنتاير ما يورده بأن جميع أفراد عائلة أورسولا كانوا يتعاطفون مع الحزب الشيوعي الألماني المناوئ بشدة لهتلر وللنازية، وان والدها روبرت كان اختصاصياً في علم الديموغرافيا وشقيقها يورغن كان استاذاً في الفلسفة له مؤلفات عديدة والعائلة كانت من خلفية طبقية وسطى ـ عليا وتنتمي دينياً إلى اليهودية، ولكنها كانت متحمسة للشيوعية والاتحاد السوفييتي قبل أي ارتباط آخر. وهذا أمر يرِدُ في الكتاب عن انتماءات معظم الذين ارتبطت بهم وعملت معهم أورسولا في عملها وحياتها.

السؤال لماذا اختارها المركز الاستخباري السوفييتي الأعلى للتعامل معها يمكن الجواب عنه من خلال أحداث الكتاب المشوقة التي تصلح لفيلم سينمائي. فقد مارست أورسولا عملها وهي جذابة لم تتجاوز الأربعين تظهر أمام المجتمع كأمرأة عادية متزوجة مع أطفال وتندمج اجتماعياً في جميع البلدان والمناطق التي تنتقل إليها ويصعب أن يتهمها أحد بانها عميلة استخبارات تزرع أجهزة لاسلكية للبث والاستقبال الإلكتروني أينما حلت وتزود معلميها بالمعلومات الاستخبارية المطلوبة عبر هذه الأجهزة وتوفر الأسلحة للثوار.
الأمر الآخر اللافت هو أن استقطاب شخصيات كأورسولا إلى عالم الاستخبارات يتم عبر نساء يتقربون منهم في البداية بدافع الصداقة والعلاقة الاجتماعية، ولكن الهدف يكون في النهاية الاستدراج نحو العمل الاستخباري، علماً أن الشخصية التي أستقطبت أورسولا إلى هذا النوع من العمل كانت كاتبة أمريكية (شيوعية الميول) اسمها آغنيس سميدلي، وهي التي عرفتها بريتشارد سورج، العميل الجذاب الذي أغراها لاقامة علاقة عاطفية معه على حساب زوجها رودي. وكل ذلك كان يتم بمعرفة الجهاز المركزي الاستخباري السوفييتي الأعلى الذي لم يكن يكترث بالفعل لحياة عملائه الشخصية، حسب قول المؤلف، المهم كان ان ينجزوا عملهم. ولم تدرك أورسولا هذه الحقيقة إلا بعد أن تجاوزت الأربعين من عمرها وبعدما سقط الاتحاد السوفييتي ومعه جدار برلين في أواخر الثمانينيات. فاتجهت في حياتها في برلين الشرقية في السبعينيات والثمانينيات نحو تأليف كتب للأطفال ثم كتبت مذكراتها بالألمانية عام 1977 التي ترجمتها ونشرتها بالانكليزية عام 1991 بعدما أُعيد السماح لها بزيارة لندن. وقد اعتمد المؤلف على وقائع وردت فيها ومصادر من أولادها في تحقيق كتابه.
الفصل السابع عشر يتحدث بالتفصيل عن علاقة العميلة صونيا بالعالم الألماني الأصل كلاوس فوكس، الذي سرّبَ المعلومات عن صناعة القنبلة الذرية عبرها وعبر السفارة السوفييتية في لندن إلى روسيا، وطلب أن توضع المعلومات على طاولة القائد السوفييتي آنذاك جوزف ستالين. وهكذا كان، فقد أنتج الاتحاد السوفييتي قنبلته النووية في وقت قريب جداً من وقت إنتاجها في بريطانيا وأمريكا. ولم يكن هدف فوكس سياسياً بقدر ما كان إنسانياً (حسب المؤلف) إذ انه أراد ألا ترجح كفة جهة في العالم ضد أخرى (يعني الجهة الغربية ضد الجهة الشيوعية أو عكس ذلك) فيحدث استئثار واجحاف في القرارات وتُصبح المواقف أحادية خصوصاً في الشؤون العسكرية وشن الحروب.
وقد تعرفت أورسولا إلى كلاوس فوكس بعدما دعاه شقيقها يورغن إلى شقته وأقام احتفالا على شرفه في نيسان (ابريل) 1941 في الشقة الواقعة في هامستد شمال لندن وكان يورغن يقوم بدور الوسيط بين كلاوس والسفارة السوفييتية في لندن، ولكن مركز الاستخبارات الروسي كان يثق بدرجة أكبر بما يصله من وثائق علمية سرية يمررها فوكس إلى أورسولا عبر لقاءاته معها في أماكن غير علنية في لندن. وقد استمر هذا الاتصال بين عامي 1941 و1943. كما أُرسل فوكس إلى الولايات المتحدة لأكمال أبحاثه، ولكنه لم يتوقف عن تزويد القادة السوفييت بالمعلومات فيما أعتبرت أورسولا أن عملها مع فوكس غير مخالف لولائها لبريطانيا (كونها تجنست بريطانية بعد هجرة عائلتها من ألمانيا بسبب هتلر والنازية) والمملكة المتحدة وروسيا كانتا حليفتين في الحرب العالمية الثانية. بيد أن الدولة البريطانية كانت تُحظر نقل أي معلومات عن تطور برنامجها النووي لأي دولة أخرى باستثناء الولايات المتحدة. بين عامي (1942 و1945) يقول المؤلف أنتجت موسكو عدداً من القنابل النووية لأنه، كما شاء فوكس، اهتم ستالين شخصياً بموضوع المعلومات الاستخبارية الواردة من العالم الألماني الأصل عبر أورسولا في لندن.
واجهت أورسولا صدمة كبيرة عندما تم شنق حبيبها الأول (والأوحد) ريتشارد سورج أثناء عمله ضد اليابانيين في آسيا. ولم يستمع ستالين إلى نصائحه حول إمكان حدوث هجوم ألماني ضد روسيا، علماً أنه حدث بالفعل ودفعت ألمانيا ثمنه، ولكن سورج كان قد فقد غطائه السوفييتي الستاليني واعتقل واُعدم.
بعد شنق سورج وبعد شن السوفييت هجوماً على فنلندا، فقدت أورسولا حماستها لعملها الاستخباري وجمدته ولكن سبب توقفها كان (حسب المؤلف) معارضتها للإجراءات المتشددة التي نفذها ستالين ضد خصومه داخل القيادة السوفييتية الشيوعية وإعدامه قياديين كانت عملت تحت أمرتهم وتعاطت معهم اجتماعياً.
وكل ذلك لم يمنع من استمرار علاقة طبيعية بينها وبين القيادة السوفييتية خلال حياتها الطويلة هي وأولادها في ألمانيا الشرقية تحت قيادة أريك هونيكر (حليف السوفييت) وجهاز استخباراته «الستازي» (حسب ما ورد في الكتاب) فقد اعتبرها النظام الشيوعي عموماً عميلة فوق العادة وفوق النقد نظراً للإنجازات الكبيرة التي قامت بها.
وكانت الاستخبارات البريطانية حصلت على اعتراف من كلاوس فوكس بما قام به خلال إستجوابه في شباط (فبراير) 1950. وأكد فوكس للمحقق أنه قام بعمله لأسباب إنسانية مبدأية، فلم يُحكم عليه بالإعدام، ونال حكماً مخففاً. ثم أُفرج عنه في عملية تبادل مع ألمانيا الشرقية حيث أمضى باقي حياته وبقي فوكس وفياً لعلاقته بصونيا إذ لم يقدم أي أسرار عن دورها في نقل المعلومات للمحقق البريطاني مما أتاح لها الخروج نهائياً من بريطانيا في أواخر شباط (فبراير) عام 1950 هي وعائلتها ولم تعد إلى لندن إلا بعد 41 عاماً.
وكانت قد أصبحت مؤلفة عام 1956 تحت أسم روث فيريز، وكتبت حوالي 14 كتاباً معظمها للأطفال ولكن الكثير من الأحداث فيها مستوحى من خبراتها. بيد أنها «بقت البحصة» في كتاب مذكراتها الصادر بالألمانية عام 1977 والذي تُرجم إلى الإنكليزية عام 1991 ونال رواجاً كبيراً.
ويذكر ان الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين كرمها بتقليدها «وشاح الصداقة» من أجل خدماتها الكبيرة لروسيا في المجال العسكري وذلك في نهاية حياتها وفي الفترة الأولى لمنصبه القيادي في روسيا الاتحادية. وهذا وسام رفيع جداً يصفها بالعميلة الخارقة في خدمتها للاستخبارات العسكرية الروسية.
هذه السيدة التي ظهرت وكأنها ربة منزل عادية ولكنها كانت بالفعل خبيرة فريدة من نوعها في زرع أجهزة الاتصال اللاسلكية للتواصل مع قادتها وفي إنتاج مواد يمكن للثوار الذين تتعامل معهم استخدامها في عمليات التفجير، كانت على دراية في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي (حسب هذا الكتاب) بأن مادة نيترات الأمونيوم مفيدة جداً في عمليات التفجير ضد النظام الصيني المعادي للشيوعية (أي نظام تشان كاي تشيك). في الصفحة 113 يقول المؤلف «أورسولا ذهبت للتبضع بالقنابل من أجل تزويدها للمدعو تشو، الثائر ضد النظام وكانت قد تدربت على صناعة القنابل والمتفجرات من مواد منزلية عادية عن طريق خلطها ببعضها. ومن هذه المواد نيترات الأمونيوم. وقد اشترت عشرة أرطال من هذه المادة وبعض مواد الرش الزراعي عالمة بانها تصبح متفجرة إذا خُلطت ببودرة الألومنيوم أو زيت المحركات. وبعد عملية الخلط هذه بالإمكان إنتاج قنبلة متفجرة وزنها مئة رطل».
هذا يعني أن نيترات الأمونيوم خطرة جداً إذا خُزنت بكميات ضخمة في أماكن آهلة إلى جانب مواد كيميائية أخرى. وهذا أمر أدركت مخاطره أورسولا منذ ثمانين عاماً ولم يدركها آخرون مؤخراً في لبنان!
Ben Macintyre:
Agent Sonya»
Penguin Books, London 2021
376 pages.