اعتذر مقدما لأني سأتحدث عن نفسي الآن.. قد لا يهم ذلك أحدا، لكنني سأحاول أن أخرج من الخاص إلى العام بقدر ما أستطيع.
منذ أكثر من عامين أحسست بأن ركبتي اليمني تخذلني وأكاد أقع، ذهبت إلى أكبر طبيب كما يقال مختص بلاعبي الكرة، وقلت له عندي خشونة في الركبة. أنا الذي قلت له ذلك لأني سألت أكثر من صديق فقال لي ذلك. لن أحكي أكثر. مضى أكثر من عامين، ذهبت فيهما إلى أكثر من طبيب. وقعت فكُسرت ساقي مرة وخضعت للتجبيس وشفيت، وفي كل مرة أقول أعاني من خشونة في الركبة ويتم الكشف على أساس ذلك، والجميع يرى أن الخشونة بسيطة.
بدأت العلاج الطبيعي ولا فائدة. توقفت بعد عام يائسا كارها لكل الأدوية التي أخذتها. لقد صرت بعد أن كنت أمشي مستندا إلى عكاز واحد، أمشي مستندا إلى مشاية بعكازين ولدقائق قليلة لا تزيد عن خمس دقائق. وعلى عكس ما يفكر أحد توقفت عن زيارة الأطباء. ألفت البيت وصرت حبيس ثلاثة محابس، كورونا في الخارج، وعدم القدرة على الحركة، وضعف شبكة الإنترنت في المنطقة التي أعيش فيها. صارت جلسة الشرفة هي عالمي وزيارة كل شهر تقريبا إلى محل جروبي في وسط البلد، ومعي زوجتي وأقابل صديقا أو اثنين، وهيأت نفسي للحياة على هذا النحو. حرصت على أن أبدو على وسائل التواصل سليما معافي أكثر الوقت وربما كله، وازادت الأحداث حولي من اغترابي في هذا الزمن، وشعرت معظم الوقت بأنه ليس ما كنت أتمنى، وأن الرحيل عنه أفضل لكن ليس الأمر بيدي. فجأة قررت أن أعاود الكرّة. لا معنى لهذا الاستسلام. مللت الاستسلام أيضا بعد عامين منه! ذهبت إلى مركز علاج طبيعي أفضل، رغم اليأس مما حولي ومن عدم التقدم في العلاج. قابلت الطبيب المشرف على المركز واسمه بطرس جورج، واكتب اسمه من باب الامتنان. قال لي إن الأمر يحتاج إلى طبيب مخ وأعصاب ينسق مع العلاج الطبيعي.. ذهبت إلى طبيب مخ وأعصاب فطلب مني أشعة لصدري ولظهري وللحوض ولكل شيء وفعلتها. فنصحني بالذهاب إلى طبيب صدر، فذهبت وطلب هو أيضا أشعة أخرى أكثر دقة. ابني الأصغر إياد يطوف بي ومعنا زوجتي إلى مراكز الأشعة، وكلما قلت إنهم يطلبون أشعة كثيرة، يقول لي لا تفكر في شيء، لا تقلق، نريد أن نعرف الحقيقة. لقد دخل جسمي من الأشعة ما يمكن أن يكون قد دخل في أجساد ضحايا هيروشيما، فضلا عن التحاليل التي قمت بها للدم ووظائف الكلى والكبد وغيرها كثير.
انتهى الأمر إلى وجود ورم في إحدى فقرات العمود الفقري وحولها، وقد زاد بسبب العلاج الطبيعي الخاطئ في البداية، الذي كانت فيه تمارين للظهر كثيرة وامتنعت عنها في البيت، ليس لأني أدرك أن هناك ورما في الظهر، لكن لأنها صعبة، ومن باب اليأس من كل ما مضى. الآن أنا بصدد إجراء جراحة كبيرة أفكر مع أولادي وزوجتي من يقوم بها. ليس مهما أي شيء. ما يشغلني هو أن أقوم بجمع ما أستطيع من مقالاتي قبل العملية وإعطائها لدور النشر. جمعت مقالات «القدس العربي» وسأبدأ في جمع مقالات جريدة «الأخبار» المصرية وغيرها.
لقد صارت بيروت حاضرة الثقافة في جحيم بسبب الكتب والكتّاب. لكني كنت منذ حوالي العام، بعد أن انتهيت من روايتي المشار إليها والتائهة في البلاد، قد بدأت في رواية أخرى وعلى وشك أن أنهيها. تفرغت لها وأنهيتها قبل أن أكتب هذا المقال، لكنني لن أنشرها إلا بعد فترة.
وأيضا رغم أني في انتظار روايتي الأخيرة «الهروب من الذاكرة» لتصل من بيروت إلى القاهرة، ولم تصل رغم مرور شهرين، أضحك وأقول لنفسي يبدو أن القبطان الذي خرج بالسفينة من بيروت وبها الكتب، ذهب يكتشف طريق رأس الرجاء الصالح، ومن يدري ربما رأى مجنون في السفينة الكتب، فصار يلقي بها في البحر قائلا، ماذا فعلت القراءة بالبلاد. لقد صارت بيروت حاضرة الثقافة في جحيم بسبب الكتب والكتّاب. لكني كنت منذ حوالي العام، بعد أن انتهيت من روايتي المشار إليها والتائهة في البلاد، قد بدأت في رواية أخرى وعلى وشك أن أنهيها. تفرغت لها وأنهيتها قبل أن أكتب هذا المقال، لكنني لن أنشرها إلا بعد فترة. ربما أحتاج مراجعتها مرة أخيرة. سأعطيها لابني الأكبر زياد يحتفظ بها بعض الوقت، فالرواية السابقة لم تصل مصر بعد. هكذا وجدت نفسي مشغولا بلم شعثي قبل أقصى ما يمكن تصوره، وهو الرحيل الذي لا يزعجني أبداً، فأكثر من عرفتهم سبقوني إليه. ولأني محب للأفلام القديمة فصرت أنتبه هذه الأيام إلى أن كل من أراهم في هذه الأفلام قد رحلوا عن الدنيا. يمكن أن تحصي أعداد الأحياء لكن من الصعب إحصاء أعداد الراحلين. هذا هو التفاؤل الذي أحمد الله عليه. هذا الحرص على جمع ما أستطيع من مقالاتي يبهجني، وإن كنت أضحك حين يقفز السؤال، وما معنى نشر كتاب لك في غيابك؟ أتذكر دوستويفسكي في لحظاته الأخيرة حين طلب من زوجته أن تأتي بالقسيس يلقنه آخر كلماته ويباركه، ويقول لها لا تحزني فأنا ذاهب إلى أفضل مكان. يعطيني دوستويفسكي القوة. تؤكد لي رغم الحزن الكبير، أخبار الراحلين التي لا تنتهي على فيسبوك، إن هذا قانون الحياة الذي ننساه. أتذكر أبي حين اقترب من الخامسة والسبعين التي اقترب أنا منها، وكيف قبلها بعدة أشهر كنت نشرت قصة حصلت فيها على أجر عشرة جنيهات عام 1972 فأعطيتها له، ليشتري جلبابا جديدا من الصوف فهو أصله من الريف رغم حياته في الإسكندرية.
مرّت أسابيع وقابلني صديق في منطقة المكس يضحك ويقول لي إنه تقريبا يرى أبي كل عدة أيام يتغدى وحده في «مطعم زفير» للأسماك. ومطعم زفير هو المطعم الشهير الذي كان يرتاده الباشوات أيام الملكية، وفيه قاعة تسمى القاعة الملكية، كان الملك فاروق يتناول فيها أحيانا طعامه. قابلت أبي وسألته هل يذهب إلى مطعم زفير حقا، فقال لي يا إبراهيم أنا لديّ أكثر من جلباب جيد، ووجدت أنه من الأفضل أن استمتع بالعشر جنيهات عند زفير. ضحكنا. كانت أعظم وجبة أسماك وقتها لا تتجاوز الجنيه في أكبر المطاعم. أحاول أن أفعل كما فعل أبي. تمنعني قلة الحركة من الاستمتاع خارج البيت، لكني استمتع بما منحني الله، زوجتي تيسير سمك التي رغم ألامها لا تتركني لحظة. لقد وصل بيننا التخاطب الروحي أنني حين أريد كوبا من الشاي أجدها داخلة به إليّ في غرفة المكتب، وإذا جعت أجدها داخلة بالطعام، وإذا اشتقت إلى فنجان من القهوة أجدها تضعه أمامي، وإذا احتجت أن اسألها عن شيء أجدها تحدثني عنه. أستمتع الآن بجمع مقالاتي وتجهيز روايتي، وأشارك في الكتابة والتعليق على الميديا، كأني لا أعاني شيئا. لقد أخلصت للكتابة فصارت كتبي تصل إلى الأربعين، بينها أكثر من عشرين رواية أخذت بها متعة العالم، وأكثر من خمس مجموعات قصصية، فضلا عن كتب فكرية أو ترجمة. على قناعة أنا من زمان أن العالم يمضي إلى الأمام ولا يقف عند أحد، بعد متعة الكتابة التي أخذتها أشعر بالرضا والامتنان لله الذي خصني بالموهبة، وهل بعد أن خصك الله بأجمل شيء تقلق إذا ذهبت إليه؟
روائي مصري