ليس فينا من ينكر الصلة الحميمة الخاصة بين الشعر والرسم، وأنواع أخرى من الفنون التشكيلية؛ كالنحت، والنقش، والزخرفة، والحفر على المعادن، والخشب، والحجر. وقد لوحظ هذا منذ القديم جدا، ففي حوار أفلاطون وإيونIon شبَّه الفيلسوف الإغريقي كتابة الشعر، أو نظمه، بالرسم، وجعل منهما ضربيْن من المحاكاة، غير أن أرسطو نفى عن هذه المحاكاة الطابع الفوتغرافي المرآوي الذي عناه أفلاطون. وفي الكتاب الموسوم بلاوكون فرق الناقد الألماني الكلاسيكي لسنغ (1729- 1781) تفريقًا أجناسيًا بين الفنون البصرية كافة، وفنّ الشعر، مؤكدا أن الفنون البصرية تعتمد تثبيت اللحظة التي يجري فيها الفعل، مع استبعاد أي حركة يمكن أن تؤدي لتشويه الصورة، في حين أن الشعر يوظف الحركة، ولهذا فإنه يُنسبُ للزمن، في حين يُنسب النحتُ للمكان.
وفي ضوء ذلك قارَن بين صرخة لاوكون في التمثال المعروف بهذا الاسم، وصرخته في ملحمة الإنيادة لفرجيليوس مشيرًا للشكل الذي يبدو فيه لاوكون، وقد أحاطتْ به وبأبنائه الأفاعي، وبرزت عروقه النافرة من شدة الألم، وعيناه الجاحظتان، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ النحات عبَّر عن الألم من خلال الشيء الثابت المنظور على عكس فرجيليوس الذي عبر عنه من خلال الشيء الحركي المعبر عنه بالصوت المسموع ذي الإيقاع الخطي الذي له ابتداءٌ، وله انتهاءٌ، في النظم، وفي التلقي.
وثمة كتابٌ صدر في تونس لحمدي مخلف الحديثي عن دار بيرم (2014) يلتفتُ لهذه المسألة مجددًا، جامعًا بين فضاء القصيدة وفضاء اللوحة التشكيلية في شعر حميد سعيد. وقد اختار الحُدَيْثي لكتابه عنوان«القصيدة التشكيلية في شعر حميد سعيد«وهو عنوان يختلفُ قليلا عن العنوان الذي اختاره قيس كاظم الجنابي لكتابه الجديد «الرمزي والتشكيلي في شعر حميد سعيد«(دجلة للنشر والتوزيع، عمان، 2021) وهو كتابٌ يثير الاهتمام، ويلفت للنظر لسببين، الأول أنه الكتاب الثالث بعد كتاب عبد الغفار مكاوي«قصيدة وصورة ..«(الكويت: 1987) وكتاب الحديثي المذكور آنفا، مما ينبه على ندرة هذا اللون من الكتب، ويدعو لإغناء المكتبة العربية بالمزيد.. والسبب الثاني الذي يجعلنا مهتمين بالكتاب هو هواجسُ ساورتنا حول موضوع الكتابة عن اللوحات الشعرية في الأجزاء المتوافرة لدينا من الأعمال الكاملة لحميد سعيد.. يشجّعنا على ذلك ما ورد في حواراته عن شغفه بالرسم منذ طفولته، وعن علاقته الوطيدة به، حتى قيل لو لم يكن حميد سعيد شاعرًا لكان فنانا تشكيليًا، عدا عن عشرات الإشارات التي ترد في أعماله الشعرية لفنانين عراقيين بارزين، ولأعمال بعضهم المشهورة، غير أن المؤلف الحديثي، والجنابي، كليهما سبقانا إلى هذا، مما يحملنا على العدول عن هذه الهواجس طالما سبقنا إلىيها اثنان.
ولا يخفي الجنابي في كتابه اعتقاده بتبعية الكتابة – شعرا ونثرا – للتشكيل الفني. فالشاعر حين يكتب يمنح الحروف والكلمات اهتماما خاصا لأنه يؤكد الصلة الوثيقة بين القصيدة المكتوبة وبين التشكيل الذي نجده نقوشا على الآجر حينا، وعلى الضروح والمباني، وعلى شواهد القبور، والمدافن، حينًا آخر. فكلاهما – النقْشُ والقصيدة – يؤكدان وحدة الحال بين الشاعر والفنان، بين الحفر في الحجر أو الطين، والحفر بالكلمات على متون الأوراق. فالكتابة سواءٌ لدى حميد سعيد أو غيره تقترن بتصور مرئي مسموع، وهذا التصور له تأثيره وسحره. ذلك لأن الكتابة الشعرية كالإنشاد فعل قلبي غايته الافتراضية هي إيقاع المتلقي تحت سحر النص وتأثيره. كما للكتابة – بهذا المعنى لها أيضًا – تأثيرها النفسيُّ، والروحيّ، مثلما للرسوم، واللوحات، أثرهما فيمن يشاهدهما بصفتهما كشفًا بالمحسوس عن غير المحسوس.
وهذا يفسر – في رأي الجنابي- تكرار فعل (الكتابة) في قصائد حميد سعيد، كأنه يحاول بهذا التكرار التأكيد على أن القصيدة بما فيها من ألفاظ ذات تأثير أيقوني، فضلا عن أنها ذات تأثير وجداني عقلاني. يقول الشاعر في إحدى قصائده مشيرا لعلاقة الكتابة ببَرْد اليقين:
أوروك تكتب لوح الطين
دمٌ في العجين
دمٌ في دفاتر رّيا
دمٌ في النشيد
وعلى الرغم من أن الأبيات قليلة العدد، إلا أن فيها الكثير : اللوح، والطين، والدم ، والدفاتر، والنشيد. وجل هذا من الكلمات التي جمع فيها اللون ومواد الكتابة والصوت متمثلا بالنشيد. ويضيف الجنابي إلى هذا شيئًا آخر وهو المظهر التشكيلي البصري الذي يتجلى في عدد من قصائد حميد منها على سبيل المثال لا الحصر (الفتى وصوت الأرض) ومنها (تفاصيل صورة السيدة) ومنها (الموت على حافة الموت) ففي هذه القصائد يجد القارئ أبعادًا بصرية للكتابة داخل النص ذي الطبيعة الشفوية، وهي تمثل في طبيعتها التشكيلية صورًا أيقونية لا تختلفُ عن صُور الحروف والكلمات:
استفاق من سطوته فجأة ً
فرأى .. عصافير الصباحْ
تلوّن الشجرْ
وما رآه..
٭ ٭ ٭
ملك البستان
يتنازل عن عرش الظل
يؤسِّس للنسيان
فالفراغاتُ- ها هنا – تنمّ عن أن في القصيدة شيئا ملغى أو مسكوتًا عنه. وهذا يتفق مع رؤية الشاعر التي توصل إليها في مرحلة مهمة من مساره الإبداعي. فقد كثرت هذه الطريقة في كتاباته محاولا عبر الفراغ الموشوم بالنقاط رسم صورة مكتملة لمحتوى النص، فتتجلى عبر هذا الترتيب لمحتويات الفراغ على النحو الذي يتكشَّفُ للقارئ في قصيدة«اللوحة الأخيرة» وقصيدة«قيامة جيّوس«حيث التتمة تتجلى بالإشارة للمحذوف:
إنّ في نطفة الريح جيلا
من الشجر المثمر … من كل جبل ٍ..
غابة …
والغيابْ
غضبٌ ونهارٌ قتيل
٭ ٭ ٭
وليس ثمة شك في أنّ هذا الفراغ يتصل، في رأي الجنابي، باللون، اتصالا مباشرا. لا عن طريق التصريح بوجود تلك الصلة، وإنما من التأثيرات الرمزية والمرئية التي تسهم في خلق البنية العضوية الحية للقصيدة خلقا يؤثر في البصيرة تأثيرا يتجاوز المجرد إلى المحسوس. فحميد سعيد باستخدامه الفراغ جنبا إلى جنب مع الإيحاء باللون، يجعل هذا الفراغ فراغا متصلا بالألوان:
من مسجد العناقيد يقطف
كلّ مساء
قرُنْفُلتين
يهديهما لفتىً
ظلَّ يبحث عمَّن … يشاركهُ
بياضَ القرنفل ِ
كانتْ تحاولُ …
فذكره العناقيد، والعسْجد، والظل، والقرنفل، أشياء أثث بها الشاعر ما بين كلمات القصيدة والحذوف والفراغات مما يضفي على لحظة التذكر شيئا من الدفء، والحنان، والشعور بالألم، مصدره هذا الإحساس بأن ما بين الكلمات والكلمات لا يعدو كونه أيقوناتٍ، وموجوداتٍ، متصلة اتصالا وثيقا بالتلقي البصري فضلا عن الذهني. وفي فصل بعنوان القصيدة واللون يتناول نموذجين من شعر حميد هما«الجورنيكا«و» المرور في شوارع سلفادور دالي«(1904- 1989). الأولى عنوان لوحة مشهورة جدا للفنان بابلو بيكاسو(1881 – 1973) والثانية تقترن باسم الفنان الإسباني السوريالي الذي ارتبطت أعماله، وشخصيته الغرائبية، بالجنون الذي يتضافر مع العبقرية في آن. وفيهما يتضح اهتمام الشاعر باللون وبالحواس. مع المزج بين البصري والشعري، فالحنجرة سوداء والصوت أبيض. وفي الرجوع إلى غرناطة يذكر الشاعر ألفاظا توحي جميعها بدلالات الارتباط باللون؛ كالثلج، والرماد، والزعفران، والكحل، والورد. وفي ديوان مملكة عبدالله يتتبع الجنابي قصائد لونية إذا جاز التعبير، ومنها قصيدة العُصفور الأبيض، ورملٌ وحنّاء، و عند اقتراب الفجر، و ليلة الصيادين، وهي قصائد تمهد في رأي المؤلف لعالم اللون، ومما تضمَّنته قصيدتُه«كتابة موشح أندلسي عن السيدة«:
هل تنزل الوردة للشارع
أم يصعد الشارع صوب الوردة
وهل يصدر القمر الأبيض
طاووسًا من فضة
يلعب بالأغنية.. الفضة
علاوةً على ذلك تتوافر الإشارات الآتية: نثيث للؤلؤ ، وورد الرمان، ورقم الطين، وسواد العينين، وباقة الريحان.. يقول في القصيدة الموسومة بـ«العصفور الأبيض«ما يأتي:
سطوح المنازل خُضْرٌ
يظهر بين العصافير أبيض كالقطن
أبيض..
يقترب الطفل منه .. يطير
تظل العصافير صفراءَ.. سوداءَ
صفراءَ .. سوداءَ
وصفوة القول هي أن حميدًا في شعره لا يهتم باللوحة من حيث هي قطعة فنية نادرة تعلق على الحائط أو في معرض، مع أنه في شعره يعدّد أسماء الفنانين، وعناوين أعمالهم، من أمثال بيكاسو، ودالي، وجواد سليم، وفائق حسن، ونجيب يونس، و علاء بشير، وسعدي الكعبي، إنما فوق ذلك يتغلغل تأثير هذا الفن في تفاصيل القصيدة، فيشغل فيها حيزا على مستوى الشكل، وحيزا آخر على مستوى المضمون، ولو أنَّ الحيزين لا ينفصلان. وهذا أتاح له – في مطلق الأحوال – أن يُقحم قارئه العادي في فردوس الألوان، دون أن يقتصر على القارئ الفنان، أو القارئ المتمرس الخبير بالأضواء والظلال. وهذا الكتاب علاوة على ما سبق، إلى جانب كتاب حمدي مخلف الحديثي، يلقيان الضوء الكاشف على الملامح التشكيلية في شعر حميد سعيد الذي لو لم يكن شاعرًا لكان فنانا تشكيليًا بلا ريب.
كاتب وأكاديمي أردني
