يأتي الشِعر إلى العالم بالموهبة، ويعيش على مشاهد الحياة اليومية، واستقراء كلّ شيء من حولها، فهو بخلاف الرواية لا يمكن أن يظهر في كلّ وقت وبأشكال مختلفة، إذ أنّه قائم على رصد اللحظات العادية لتدوّن أحيانا ضِمن فلسفة اليومي بمنطق الشعر، في صور مكثفة، يمتزج فيها الواقع المضطَرب بآخر مصاب بلوثة الخيال. وهذا ما عبّر عنه ريكاردو بجيليا في كتابه «القارئ الأخير»، إذ يقول: «لا يُقرأ العمل الخيالي على أنه أكثر واقعية من الواقع، بل نقرأ الواقعَ المضطَرب، والواقع الذي لوّثه الخيال».
«يوميات رجل إفريقيّ يرتدي قميصاً مُزهراً ويُدخِّن L&M في زمن الثورة»، مجموعة الشاعر الجزائري خالد بن صالح، تنتمي إلى قصيدة النثر التي تؤرّخ لشعرية اليومي، إذ يقول في إحدى العبارات أنّ «العادات التي قد نختلف عليها أحياناً، ليستْ سوى شؤون يوميّة» إذًا هو ينطلق من اليومي ليعبّر عن هواجس وقلق الشاعر تجاه كل ما يحدث في الجزائر في الماضي والحاضر.
وقبل الحديث عمّا جاء بالكتاب، تجدر الإشارة إلى أنّ العنوان والغلاف يشكل هو الآخر سيميائية الصورة الشعرية، ممّا أعطى القارئ حريّة تصوُّر أفكاره، دون شرحها أو تقييدها. هنا أستذكرُ قول أورهان باموق الذي يرى أنّ «أغلفة الكُتب الناجحة تقوم بدور التوصيل، وتملؤنا بروح تبعدنا عن العالم العادي الذي نعيش فيه، وتُدخلنا إلى عالم الكتاب». وانطلاقاً من صورة بوب مارلي على الغلاف، والعنوان الذي جاء طويلًا جداً، ممّا يشكّل هو الآخر قصيدةً تثور على كلّ الصُوَر النمطية السائدة في اختيار العناوين، نجدُ أنفسنا نفكّ رمزياته داخل المتن رويداً رويداً، وتحديداً في هذه الفقرة التي كثّف فيها بن صالح المعنى: «هل كنت سأحدِّثكِ عن المظاهراتِ في بلادي؟ وكيف صارت الشوارعُ شرايينَ تمتدُّ داخل القصيدة، فتفجِّرُها بالهُتاف والشِعارات التي لم يفكّر فيها شاعرُ قصيدةِ نثرٍ تعوَّد التقاطَ الأشياء في صمتٍ، دون أن ينتبه إليه أحد».
هنا يتحدّث بن صالح عن ذاته الرافضة لكلّ أشكال العنف التّي مُورست على الجزائري، الذي خرج في تظاهرات من أجل إسقاط الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة وحكومته، مبيّناً أنّ الثورة يمكنُ أن تكون بالكلمة، وأنّ القصيدة هي الأخرى ثورة في وجه الظلم والتهميش الّذي لم تتغيّر أشكاله. ما تغيّر هو ضرباته، وأوجاعه، ما يُحيلني مرّةً أخرى إلى قول لريكاردو بيجليا: «ثمّة شيء سحْرِيّ في الكلمة، كأن بوسعها أن تستدعي العالم أو تُقصيه.»

يذهبُ بن صالح بعد المستوى العام إلى مستوى آخر وهو المكان، وعلاقته به، وحيث البدء كانت بوسعادة، هذه المدينة الراسخة في الذاكرة، عرّابة الشعراء والفنانين كإتيان ديني، لكن بن صالح يراها بخلاف اسمها إذ يقول: «بوسعادة، المدينةُ التي كَبِرنا في شَوارِعها الضيِّقة، لم تمنحنا السَّعادة»، لكنه يعود ليستذكرَ أجواءها الحميميّة بنوع من الحنين الذي يختلط بالحسرة: «اكتفينا بالجلوسِ في سيَّارة أجرة صامتيْن، وحولنا يدورُ موَّالٌ يقول: اتْحَوَّل يَا كَافْ كَرْدَادَة وارْحَلْ. تسقطُ أمطارٌ على أسطُحِ البيوت كما لو أنَّها تعيدُ رسم إحدى لوحاتِ إتيان دينييه في يوم غائم». هنا، هو لا يتنصّل لذاكرته، ولا للتربة التي شكّلت وعيَه الشعري. أما المستوى الثالث فهو بلدته الديس التّي راح يردّد اسمها في أكثر من موقف إذ يقول «الدِّيسُ لمن لا يعرفُها، هي بلادي. «جزائري» الصَّغيرة».
ويعود إليها مرة ثانية ليقول:
«لا أحد يعرفُ الدِّيس التي ستدمِّرُها سبَّابةُ إصبعٍ صغيرة لو ضغطت عليها في الخريطة.
مجددا يكرر ذلك :
«الديس
لا أحد يعرفها،
البلْدةُ التي أخبِّئُها خلف بحَّةِ صوتي حين يُدَقُّ مِسمارٌ في عُنقِي. يُسمُّونَها غصَّة»
فيما يبدو، أنه يحمل داخله غصّة الشعر، وكآبة الشاعر، عندما يريد التعبير عن المدينة التي تعيشُ بوجدانه والتي يؤكد في أكثر من موضع أن لا أحد يعرفها ولكنها تعني له الكثير.
الذي يقرأ الكتاب يلحظ أنّ بن صالح قسّمه إلى مستويات أخرى، مبرزاً فيها تحوّل فكر الجزائريين، ففي السبعينات على حدّ تعبيره: «كان الناس مكتفين بشعورهم الطويلة، يطلقونَها لتبدو كخوذاتٍ لدرَّاجين يركبون الهواء وقد اختفت أقدامهم داخل بنطلونات الشارلستون». أما في الثمانينات فهم كانوا يتغنّون بالأمجاد والبطولات، أما في التسعينات يرى أنهم: «لم يفعلوا شيئاً. قُلبت الصورة وبدل الشَّعر الطويل، نمتْ لهم لحى، ولبسوا أشياء قصيرة تشبه قدميْ فيلٍ مبتورتين.»
من خلال هذه المقاربات قدم بن صالح في لُغة مكثّفة تميلُ إلى شِعر النّثر الّذي ينحاز لليومي قراءة للواقع الجزائري والتحولات التي طرأت عليه، وصولًا إلى الحراك الشعبي 2019.
لم يكتفِ بتصوير المشهد وتكثيفه على الصعيد العربي، بل قارَنه بشكلٍ غير مباشر بما يحدث في فرنسا: «ماذا كنتُ سأقولُ لكِ؟ وأنت تتجوَّلين حافيةً في ساحة سانتا كروز ترسمين برج إيفل في مربعاتٍ صغيرة بحجم كفِّ اليد، تبيعينها بـ 10 يورو للقطعة الواحدة؛ بينما أصحاب السترات الصفراء يشعلون المدينة في الجانب الآخر.»
مستذكراً أيضاً مآسي الحرّاقة، الذين ركبوا قوارب الموت، وكلّهم أمل بحياة أفضل تحفظ كرامتهم: «الهواءُ ملوَّثٌ، المآسي تتوالى كأمواجِ بحرٍ يلفظُ أنفاسه قِطعاً من لحمٍ بشريّ، المشهدُ المُتمايلُ ينتهي بغيومٍ سوداء ثقيلة».
واصفًا الحال الّذي آل إليه إنسان اليوم بالكائن المشوّه: «يومَ خرجنا ككائناتٍ مشوَّهة من لوحةٍ سريالية لـ دالي، ولم نكن، مثله، أرستقراطيين.»
هناك عبارة بالعمل تحملُ الكثير من الرمزيات، يقول فيها: «أنتِ الواقفة في نقطةٍ جغرافية لا تَلين، بيننا نساءٌ وأوطانٌ مدمَّرة وكراسٍ لا تتحرَّك من تحتها الرِّمال.» ميزة الشعر باعتقادي، أنه لا يحمل تصوراً جاهزاً، بل تكمن فرادته في انفتاحه على التأويل، كلّ يرى بعين فهمه، وكلّما كثُرت التأويلات كلّما وُلدت معانٍ جديدة منحتْ له حياة أخرى، فالشِعر بالأخير لا يخضع لمنطق الرياضيات بل إلى منطقه الخاص.
يؤرخ بن صالح لسيرته الذاتية من وجهة نظر شاعر أربعيني متشائم، بكل مافيها من حبّ وفقد: «كنتُ كشاعرٍ ينحدرُ من سلالة المُتشائمين عبر التاريخ، لا أثق في شيء، ولا حتى في المرآة التي أصطدمُ بها كلَّ صباحٍ وتمسح على وجهي كأمٍّ تعرف أنَّ ابنها يفقدُ ملامحه يوماً بعد يوم.»
نصوص بن صالح في كتابه هذا تنتمي إلى شعرية اليومي غير المألوف، الذي يضعك في قلب الحدث، شاهداً على الأحداث، مستمتعاً أحياناً، وأحياناً أخرى حزيناً، حاملًا هموم وهواجس بن صالح التي لن تسقط بالتقادم، بل وحده الشعر قادرٌ على مواجهتها، يوميات مكتوبة بنفَس شعري، قادمة من رحم الواقع، لترسّخ لفكرة أنّ الحرية قبل الحياة.
ومؤخراً قامت المترجمة القديرة يولاندة غواردي بترجمة «يوميات رجلٍ إفريقيّ يرتدي قميصاً مُزهراً ويُدخِّن L&M في زمن الثورة» إلى لغة دانتي، ما يفتح للشعر نافذة أخرى مطلّة على قارئ آخر، ليواصل الإفريقي ثورته في إيطاليا.
خالد بن صالح» «يوميات رجل إفريقيّ يرتدي قميصاً مُزهراً ويُدخِّن L&M في زمن الثورة»
منشورات المتوسط، ميلانو 2019
95 صفحة.