تونس ـ «القدس العربي»: تباينت ردود الأفعال في تونس بشأن موجة الاستقالات الأخيرة التي شهدتها حركة النهضة، والتي لم تفاجئ كثيرا العارفين بخبايا الحركة وكواليس مؤتمرها الأخير الذي تأجلت فيه هذه الخلافات إلى المؤتمر اللاحق. ولعل ما ساهم في بروز هذه الخلافات مجددا على السطح، هو ما حصل يوم 25 تموز/يوليو، حيث حمل تيار نهضوي قسطا من المسؤولية لما طال الحركة إلى رئيسها والدائرة الضيقة المحيطة به والتي تستأثر بالقرار ولا ترغب بضخ دماء جديدة على مستوى القيادة.
وتطرح هذه الانشقاقات أسئلة عديدة تتعلق أساسا بظاهرة تفكك الأحزاب التي شهدتها تونس في مراحل عديدة وتفاقمت أكثر خلال العشرية الأخيرة، حيث ظهرت أحزاب عديدة ونمت بشكل صاروخي واكتسحت المشهد والحكم على غرار «حركة نداء تونس» ولكن سرعان ما تلاشت وانقسمت إلى أحزاب أخرى ثم غابت عن المشهد السياسي. والآن تلاحق لعنة الانقسام مجددا إحدى أكبر الأحزاب في تونس وهو حزب النهضة الذي تمكّن من تصدّر نتائج الانتخابات في أكثر من استحقاق هام، ولكن لم يحل ذلك دون تفككه شيئا فشيئا كما حصل مؤخرا مع موجة الاستقالات. فهل الأزمة الراهنة هي سحابة صيف عابرة أم مرحلة جديدة في مسيرة هذه الحركة ومستقبلها؟
انشقاقات طبيعية
وحول هذه الاستقالات يرى الصحافي والكاتب والمحلل السياسي كمال بن يونس في حديثه لـ«القدس العربي» ان هذا الانسحاب أو الانشقاق الجماعي لمجموعة كبيرة داخل حركة النهضة يوحي بأن المجموعة التي انشقت قامت بخطوة جماعية لتأسيس كيان جديد قد يكون جمعية أو حزبا مثلما ذكر القياديان عبد اللطيف المكي وسمير ديلو. واعتبر بن يونس ان هذه الانشقاقات هي ظاهرة طبيعية في الأحزاب السياسية التي تضم عشرات الآلاف من المنخرطين مثل حركة النهضة.
وأوضح محدثنا بالقول: «إن العقل التنظيمي والحزبي يفرض الانضباط والالتزام منذ التأسيس، لكن الانشقاقات يمكن أن تحصل مثل ما وقع في أحزاب أخرى، كما الحزب الدستوري الذي شهد انشقاقات كبيرة قبل الاستقلال وبعده، وهو أمر طبيعي في الحركات الجماهيرية والأحزاب التي كان لها حضور كبير. فقد تأسست حركة الديمقراطيين الاشتراكيين بقيادة أحمد المستيري وضمت الباجي قايد السبسي، على سبيل المثال، بعد أن انشق منتمون إلى الحزب الدستوري عن حزبهم الأم وعن الرئيس بورقيبة، وكذلك الشأن بالنسبة للحركات اليسارية والقومية التونسية التي شهدت بدورها انشقاقات وانقسامات في عديد المراحل. فهذه الانشقاقات طبيعية وتحصل في الأحزاب الهامة التي تشهد باستمرار معارك واصطفافات وتحسم فيها بعض الخلافات بطريقة لا يقبلها الآخرون فتتطور إلى انشقاقات.
وتجدر الإشارة إلى أن انشقاقات أخرى برزت في مسيرة وتاريخ حركة النهضة منذ تأسيسها قبل 50 عاما تحت مسمى حركة الاتجاه الإسلامي وهي أهم من هذه بكثير مثل انشقاق احميدة النيفر الذي كان نائبا لراشد الغنوشي، وانشقاق صلاح الدين الجورشي وغيرهم. وهناك أيضا عدد كبير من القيادات انسحبوا بسبب اختلافات فكرية وانسجاما مع مقولات الدكتور حسن حنفي، وأطلقت على هؤلاء تسمية اليسار الإسلامي أو الإسلاميين التقدميين أو التيار العقلاني».
ويتابع محدثنا: «لقد برزت انشقاقات أخرى أثناء المواجهات مع بورقيبة وبن علي في الأزمات السياسية خاصة في التسعينات ومطلع الألفية الجديدة شملت القيادي الثاني في الحركة صالح كركر، إضافة إلى قيادات تاريخية أسست التنظيم. وشملت الانشقاقات أيضا في بداية التسعينات القيادي عبد الفتاح مورو، وهو الرمز الثاني للحركة، وعددا من كبار القادة في الهيئة التأسيسية المصغرة في 2005 مثل بنعيسى الدمني وكذلك بعض القيادات الرمزية مثل فاضل البلدي وأشخاصا آخرين».
ويتابع الإعلامي التونسي حديثه مستعرضا الانشقاقات مشيرا إلى أن الأمر تواصل إلى ما بعد الثورة حيث شهدت سنتا 2013 و 2014 انشقاق حمادي الجبالي الأمين العام السابق للحركة وهو رئيس حكومة سابق. فهذه الانشقاقات في رأي كمال بن يونس مهمة وقد تؤدي إلى تأسيس كيانات أخرى كما أنها قد تفشل مثلما فشلت تجارب أخرى مثل التجربة التي أسسها رياض الشعيبي من خلال حزب البناء الذي تم حله لاحقا ليعود الشعيبي مع مجموعة من المؤسسين إلى الحركة الأم. وهناك، حسب محدثنا التجربة التي قادها محمد القوماني وآخرون وأسسوا من خلالها حزب العدالة والتنمية، والتي قاموا فيها لاحقا بحل الحزب والتحق بعضهم بحزب النهضة فيما التحق آخرون بأحزاب أخرى. فهؤلاء ينشقون ثم يعودون، وقد يختفون أو يواصلون مسيرتهم كنشطاء مستقلين أو كنشطاء في المجتمع المدني وغيره.
أية تأثيرات؟
أما بالنسبة لتأثير الانشقاقات على مستقبل الحركة يجيب محدثنا: «لحركة النهضة القدرة على الخروج من الأزمات وهو ما تؤكده التجربة في السنوات الأخيرة. فما يجري في تونس هو جزء من مسار سياسي كبير بدأ قبل أكثر من عشر سنوات بما سمي بالثورات العربية، ثم في 2013 و2014 حصلت المنعرجات الأمنية والعسكرية في مصر وليبيا واليمن وأدت إلى تغييرات في الأولويات والتحالفات. وحركة النهضة تجاوزت كل هذه التحولات وخصوصا الأزمة في سنة 2014 وذلك عبر التحالف مع رموز النظام القديم بقيادة الباجي قائد السبسي وحزب نداء تونس وجنبّت الحركة القطيعة. وأعادت نفس التجربة والتمشي بعد انتخابات 2019 فتحالفت مع نبيل القروي في إطار المصالحة مع رموز النظام القديم في مواجهة عبير موسي.

ورأى بن يونس أن الأزمة التي تعيشها تونس اليوم خطيرة وتساءل بالقول: «هل سينتصر التيار الاستئصالي مجددا في تونس والمنطقة وينتصر معه منطق المغالبة أم سيعود منطق الحوار؟». ويستطرد بالقول: «إن مصير هؤلاء ومصير حركة النهضة وبقية الأحزاب السياسية في تونس بما في ذلك العائلة الدستورية والأحزاب اليسارية والاتحاد العام التونسي للشغل مرتبط بالإجابة على هذا السؤال. فهل سينتصر في تونس منطق الاختلاف مع العمل المشترك، أو منطق الصدام والقطيعة ومحاولة تغيير الواقع بالقوة بما في ذلك قوة الشارع من قبل بعض القوى سواء من القوى المحسوبة على النهضة أو المعارضة لها بما في ذلك ما سمي بأنصار أو تنسيقيات الرئيس قيس سعيد؟».
النهضة
ومصير «نداء تونس»
وعما إذا كانت حركة النهضة ستلقى مصير نداء تونس أم لا؟ يجيب الكاتب والمحلل السياسي بن يونس بالقول: «إن الروابط الثقافية والفكرية لا تختفي بقرار سياسي أو أمني أو بتقلبات سياسية ظرفية. ونعلم ان التيار الإسلامي موجود منذ 100 سنة تقريبا أي منذ أيام النهضة العربية الإسلامية ثم انشق وتشكل في سياقات مختلفة بما في ذلك مدرسة تيار الإخوان المسلمين وغيرهم. التيار القومي أيضا موجود منذ ميشال عفلق ثم انشق إلى عدة مدارس لكن التيار الوحدوي موجود إلى الآن.
ونفس الأمر بالنسبة إلى التيار اليساري والذي هو تيار اجتماعي برز ما بين الحربين، انقسم تنظيميا لكنه تيار فاعل وله تأثير في القرار السياسي لدول المنطقة بما في ذلك تونس. ولدينا تجربة تتعلق بما وقع في تونس من محاولة فاشلة لاستئصال قيادات النهضة في محاكمات عام 90 وفيما بعد لما جاءت الثورات العربية برزت هذه الظاهرة أيضا حيث تفكك حزب التجمع الدستوري على المستوى التنظيمي لكنه ما يزال موجودا وعاد بقوة في تيارات وأحزاب أخرى».
ويقول محدثنا إن المسألة في جوهرها مرتبطة بسؤال مركزي قديم وهو العمل المشترك الديمقراطي أو القطيعة. وهنا يوضح: «الديمقراطية في أوروبا تتواصل رغم الاختلافات الحزبية والسياسية الكبيرة. مثلا نلاحظ في ألمانيا هناك أحزاب متناقضة مثل الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاجتماعي أي اليمين والوسط واليسار ولكنهم يشكلون حكومة واحدة وتحالفات برلمانية ضمن مسار سياسي، وفي فرنسا نلاحظ الشيء نفسه. ولعل السؤال اليوم في تونس هل يتشكل تيار ثالث ينتصر لمنطق الحوار أو ينتصر طرف من الطرفين الاستئصاليين». ويبدو – بحسب محدثنا – أن بروز التيار الثالث صعب جدا لأن حسم الخلافات من المفترض ان يحصل عبر صناديق الاقتراع وليس من خلال القرارات السياسية الفوقية التي تكون عابرة ولدى التونسيين خبرة وتجربة في هذا المجال.
وبالتالي، وحسب الكاتب التونسي، فإن الظواهر السياسية والثقافية والفكرية لا يمكن القضاء عليها بقرار خارجي، والانشقاقات الحاصلة سيكون تأثيرها برأيه محدودا وظرفيا. وقد يتمكن سمير ديلو وعبد اللطيف المكي والآخرون، في رأي كمال بن يونس، من أن يشكلوا حزبا أقوى من النهضة مثلما فعل اردوغان وأنصاره عندما انشقوا عن حزب نجم الدين أربكان الذي كان يحصل على أقل من 10 في المئة من المقاعد فأصبح لاحقا حزب اردوغان يحصل على حوالي 50 في المئة من المقاعد.
تهرب من المراجعات
في المقابل يرى الناشط الحقوقي والسياسي صبري الثابتي في حديثه لـ «القدس العربي» أن «العدد الكبير من المستقيلين والذي فاق المئة وتضمن قيادات من الصف الأول وهي عبد اللطيف المكي ومحمد بن سالم وسمير ديلو، الذين انضموا إلى مستقيلين سابقين على غرار عبد الفتاح مورو ولطفي زيتون وعبد الحميد الجلاصي وزياد العذاري وغيرهم، يوحي بأن تغييرات هامة ستطال حركة النهضة خلال الفترة المقبلة». فالمستقيلون، برأي محدثنا، فيهم وزراء سابقون وقيادات جهوية ومحلية مؤثرة في العمل الميداني والتعبئة وإن قلل البعض من شأنهم اختيارا منه لسياسة النعام وهروبا إلى الأمام للتهرب من المراجعات التي وجب القيام بها.
ويؤكد الثابتي على أن المستقيلين السابقين من حركة النهضة، أي قبل زلزال 25 تموز/يوليو، على غرار مورو والجلاصي وزيتون والعذاري كانوا يحملون أفكارا تقدمية إصلاحية، ودقوا ناقوس الخطر باكرا محذرين الحركة من إمكانية أن تصل إلى ما وصلت إليه اليوم. لكن لا أحد على ما يبدو قد استمع إلى تحذيرات هؤلاء، وتم تجاهلهم بالكامل والتقليل من أهمية انتقاداتهم وتأثير خروجهم على تماسك الحركة رغم أنهم مفكرون ومؤثرون ولديهم أنصار ومريدون.
ويضيف محدثنا قائلا: «إن المستقلين الجدد أساؤوا إلى حركتهم بفعلتهم تلك، وكان عليهم أن لا يتخلوا عنها في هذا الوضع الاستثنائي والصعب، باعتبار أن استقالاتهم لا تجوز من الناحية الأخلاقية لأنهم، وخلافا للفريق الأول، الذي استقال قبل الكارثة، كانوا شركاء في كل الأخطاء التي ارتكبت. وبالتالي كان عليهم أن لا ينسحبوا من المسؤولية ويحملوها فقط إلى رئيس الحركة والمقربين منه على غرار نور الدين البحيري والسيد الفرجاني وعبد الكريم الهاروني ورفيق عبد السلام غيرهم».
على يمين النهضة
ويضيف الثابتي: «في رأيي المتواضع كما كثير من التونسيين أن المستقيلين الجدد من حركة النهضة قد يشكلون حزبا جديدا محافظا يتموقع على يمين حركة النهضة باعتبار أن بعض الفاعلين في هؤلاء ومنهم عبد اللطيف المكي ومحمد بن سالم، هم أقل انفتاحا من رئيس الحركة والمقربين منه. فالتشدد وتصلب المواقف هو سمة البعض من هؤلاء المستقيلين ولا يمكنهم التحول إلى تيار إصلاحي حقيقي يساهم في توعية أبناء الحركة وعموم التونسيين وخصوصا أبناء التيارات المحافظة».
ويرى صبري الثابتي أنه رغم تشبيه البعض المنشقين الجدد من حركة النهضة بالتيار الذي انشق عن الحزب الدستوري والرئيس بورقيبة بداية سبعينات القرن العشرين، إلا أن التشبيه لا يستقيم باعتبار أن المنشقين عن بورقيبة في عنفوانه وذروة مجده كانوا مصلحين بكل ما للكلمة من معنى. فقد أسسوا صحافة حرة ومنظمات حقوقية وحزبا سياسيا هو حركة الديمقراطيين الاشتراكيين وساهموا في نشر الوعي الديمقراطي لدى جماهير ونخب الشعب التونسي وكان من بين هؤلاء المنشقين الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي.
بينما المنشقون الجدد عن حركة النهضة هم فصيل متشدد داخل الحركة قد يؤسسون، حسب محدثنا، لحزب متكلس فكريا وعقائديا يتصادم مع دولته ونخبه ليستقر في أقصى اليمين بالنظر لما عرف من مواقف سابقة لعبد اللطيف المكي ومحمد بن سالم من مختلف القضايا متسمة بالتشدد. فهم أشبه بالفصيل الدستوري الذي أسس الحزب الدستوري الحر الذي تقوده عبير موسي والذي جمع صقور العائلة الدستورية التي تشتتت في أحزاب عديدة بعد حل التجمع الدستوري منها حزب عبير موسي، ولا يشبهون الفصيل الدستوري المعتدل الذي قاده أحمد المستيري.
الرغبة في الزعامة
ويضيف محدثنا قائلا: «لو أن لطفي زيتون وعبد الحميد الجلاصي هما من سيؤسسان هذا الحزب الجديد لاستبشرنا خيرا بالنظر إلى النفس التقدمي الإصلاحي لدى هذين القياديين، أما أن يتعلق الأمر بالمكي وبن سالم فالأمر يدعو إلى الحيطة والحذر باعتبار حتى ألد أعداء الحركة الإسلامية التونسية لا يستسيغون هذا الثنائي ويفضلون التعامل مع راشد الغنوشي الذي هو أكثر انفتاحا من هذا الثنائي الذي انشق رغبة في الزعامة ورئاسة الحركة وليس بسبب قناعة راسخة بضرورة الإصلاح والقيام بالمراجعات».
وفي ظل هذه الانشقاقات الأخيرة التي شهدتها حركة النهضة يبدو بأن هناك بروزا لجيل جديد من القيادات يقوم بمراجعات حقيقية داخل الحركة تقتضيها المرحلة. كما قد تظهر أحزاب أخرى منبثقة عن الحركة بعضها يتموقع على يمين الحركة والبعض الآخر على يسارها، مقتربا أكثر من القوى الوسطية في البلاد ومن النخب التي بقيت تقاطع حركة النهضة طيلة كل هذه السنوات.
فحركة النهضة اليوم على موعد مع استحقاقات كبرى ستحدد مسيرتها ومستقبلها في ظل التحولات الدائرة محليا وعربيا وإقليميا.