القاهرة ـ «القدس العربي»: رغم سرعة رد فعل الدولة المصرية، تجاه وباء كورونا وفعاليته في بعض الجوانب، فقد أظهرت الأزمة هشاشة البنية الصحية في مصر، من حيث محدودية عدد الأسِرَّة بالنسبة إلى السكان، وغياب نظم الرعاية الأولية لكشف المرض في وقت مبكر، ونقص أسرة الرعاية المركزة التي تعد ضرورة أساسية لمواجهة الحالات المتقدمة في الإصابة بكورونا، حسب ورقة بحثية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، صدرت الجمعة.
ورصدت المبادرة في ورقتها التي حملت عنوان «السياسات المصرية للحماية الاجتماعية في مواجهة كورونا ـ جهود كبيرة وتأثير محدود» سياسات الحماية الصحية، وسياسات العمل والأجور والتأمينات واستجابتها لتداعيات التباطؤ الاقتصادي الذي خلفه كورونا. كما ترصد الدراسة الإجراءات المالية والنقدية التي طبقتها الدولة، لتخفيف أعباء المعيشة عن الأفراد أو لتخفيف حدة الأزمة على مجتمع الأعمال.
وقالت المبادرة: لم تقم السياسات العاجلة التي تم استحداثها لمواجهة تداعيات كورونا على أسس واضحة لاستهداف الأقل دخلا وضمان توفير الخدمات لهم، كما توضح الورقة.
وحسب الورقة: أظهرت أزمة كورونا عجز الحكومة عن فرض سقف سعري لخدمات العلاج التي يقدمها القطاع الخاص، ما جعل من الأزمة فرصة لجني الأرباح، وخلق ضغوطا كبيرة على المصابين في ظل انتشار الوباء وعدم قدرة المستشفيات العامة تقديم خدماتها المحدودة، لكل من يحتاجون إليها.
تدهور أحوال سوق العمل
وتابعت، كما سلط الوباء الضوء على تدهور أحوال سوق العمل المصري، في ظل سيطرة الوظائف غير الرسمية، المحرومة من أدنى أشكال الحماية في ظروف الوباء، وهو الوضع الذي ساهم في فقدان العديد من الأسر لوظائفها أو تقليص دخلها، في ظل التباطؤ الاقتصادي.
وعلى مستوى العمالة الرسمية، لفتت الورقة، إلى أن الحكومة المصرية، لم تلزم القطاع الخاص بتحمل تكلفة التقليل من أعداد العاملين المتواجدين في مواقع الشغل منعا لنقل العدوى، أو توفير إجازات مدفوعة لبعض الحالات، مثل السيدات الحوامل، الأكثر عرضة لمخاطر الإصابة، أو الأمهات الراعيات لأطفال لا توجد بدائل للاعتناء بهم في ظل إغلاق دور الحضانة والمدارس بسبب الوباء. بينما ألزمت الدولة نفسها بتلك السياسات تجاه العاملين في القطاع الحكومي.
وقالت إن الانفاق العام الموجه لمواجهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لوباء كورونا اتسم بمحدودية الموارد المخصصة من جهة، وانحياز هذا الإنفاق لمساندة مجتمع الأعمال أكثر من البنية الصحية والفئات الهشة من الجهة الأخرى.
وزادت: في الوقت الذي خصصت فيه الدولة أكثر من 100 مليار جنيه، ضمن حزمة سياسات قالت إنها موجهة للحد من تداعيات كورونا، تم توجيه أكثر من نصف هذه النفقات إلى دعم مجتمع الأعمال والأنشطة الاقتصادية، بينما ظل ضعف أجور الأطباء مستمرا، واتسمت أشكال من المساعدة المباشرة للفقراء مثل معاشات تكافل وكرامة بالجمود النسبي في تلك الفترة.
وتناولت الورقة مجال السياسات التمويلية، وقالت: ركزت المساعدات الدولية على مساندة المشروعات المتوسطة والصغيرة وقطاع السياحة، وهي أوجه إيجابية نظرا إلى تميز هذه القطاعات بتشغيل العمالة الكثيفة. لكن لم يتم ربط هذه التمويلات بحماية حقوق العاملين في هذه المنشآت خلال الأزمة، وأخيرا، تم الاعتماد بشكل كبير خلال الأزمة على أدوات البنك المركزي، مثل مبادرات تأجيل سداد القروض الشخصية وتيسير التمويل العقاري، لكن يظل نطاق هذه السياسات محصورا في الفئات القادرة على التعامل مع القطاع المصرفي، كما توضح الورقة البحثية، ولا يمكن أن يكون بديلا لسد العجز في سياسات الحماية الاجتماعية.
وانتهت الورقة البحثية، إلى تقديم توصيات بعدد من السياسات والإجراءات التي من شأنها تعظيم موارد وقدرة الدولة على مواجهة أزمات صحية واجتماعية بهذا الحجم، بشكل أكثر شمولية، منها ضخ استثمارات أكبر في مجال الخدمات الصحية العامة، لتوفير خدمة أقل كلفة للفئات الأدنى دخلا، في مواجهة القطاع الخاص الذي تعجز الدولة عن وضع سقف سعري لخدماته في وقت الأزمات، على أن يركز الإنفاق الإضافي على تحسين أجور الأطباء بهدف سد العجز الموجود في العديد من الكوادر المهمة لمواجهة الأوبئة خاصة أطباء العناية المركزة كذلك التوسع في أسرة العناية في المستشفيات الحكومية. كما أوصت بضرورة التوسع في الإنفاق على الرعاية الأولية بهدف تحسين مؤشرات صحة المصريين في مجال انتشار الأمراض غير السارية وسوء التغذية لزيادة مناعتهم في مواجهة الأوبئة، وضرورة وضع تشريعات عمل جديدة تواكب ظروف الأوبئة، تُلزِم القطاع الخاص بتحمل تكاليف أجور العاملين والسماح لهم بالتغيب أو العمل من المنزل في أوقات تفشي الوباء، والعمل على الحد من تنامي سوق العمل غير الرسمي، وبناء شبكة معلومات أكثر تقدما عن العاملين بدون تعاقدات قانونية، لضمان توفير الحماية لهم في أوقات الأزمات.
كما طالبت، بوضع آلية واضحة تضمن زيادة الدعم النقدي (الموجه إلى معاشات تكافل وكرامة أو الدعم الغذائي) تساير الضغوط الاقتصادية التي تنتجها أحداث كبرى مثل الأوبئة، بالإضافة إلى معدلات التضخم السنوية، وإعلان بيانات أكثر تفصيلا عن مدى تطبيق تعويضات البطالة في سوق العمل المصري، وتوفير بيانات الإنفاق الاجتماعي في العموم بشكل أكثر شفافية، بالإضافة إلى تيسير إجراءات التقدم للحصول على تعويضات البطالة بما يتماشى مع ظروف العمل في مصر.
معدل الإصابات يواصل الارتفاع
إلى ذلك واصل معدل الإصابات بفيروس كورونا في الارتفاع، في ظل الموجة الرابعة من الوباء، وأعلنت وزارة الصحة المصرية، 865 حالة جديدة ثبتت إيجابية تحاليلها معمليا للفيروس، ضمن إجراءات الترصد والتقصي والفحوصات اللازمة التي تُجريها الوزارة وفقا لإرشادات منظمة الصحة العالمية، مشيرة إلى وفاة 40 حالة جديدة. وبذلك يصبح إجمالي العدد الذي تم تسجيله في مصر بفيروس كورونا حتى الخميس، هو 315842 من ضمنهم 266444 حالة تم شفاؤها، إضافة إلى 17486 حالة وفاة.