بمجرد أن تنتهي من قراءة التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي الذي صدر منذ أيام، فإن السؤال الكبير الذي يخطر ببالك، ليس ما إذا كان التضخم يهدد العالم أم لا، ولكن إلى متى سيستمر هذا التضخم، وهل سيتمكن العالم بسرعة من وضعه تحت السيطرة بسهولة؟ ويقدر الصندوق أن التضخم قفز في العام الحالي إلى أربعة أمثال ما كان عليه في العام الماضي مسجلا 2.8 في المئة مقابل 0.7 في المئة، لكنه سيتراجع في العام المقبل إلى 2.3 في المئة، وهو ما يقرب من ضعف ما كان عليه في العام 2019. ومع ارتفاع التضخم فإن الصندوق يقدر ان أسعار الفائدة على الودائع الدولارية ستتضاعف من 0.2 في المئة في العام الحالي إلى 0.4 في المئة في العام المقبل، بينما تشهد السندات الحكومية فعلا ارتفاعا زاحفا في أسعار الفائدة. هذا التشخيص يهدد الاقتصاد العالمي بالانزلاق إلى هاوية ركود تضخمي، بينما هو ما يزال يحاول التعافي من تداعيات جائحة كورونا.
لقد ظلت السياسة الاقتصادية مصابة بهوس مكافحة التضخم ووضعه تحت السيطرة منذ منتصف سبعينات القرن الماضي حتى الآن. ووصلت في تشددها إلى درجة التضحية بالنمو مقابل ضبط التضخم تحت معدل 2 في المئة سنويا. وكانت المهمة الأساسية لصندوق النقد الدولي خلال العقود الأخيرة هي ضمان الانضباط المالي في العالم بما يحقق هدف تطويق غول التضخم من رقبته ولجمه ومنعه من الانطلاق. لكن ما حدث الآن، وطبقا للاستنتاجات الكبرى الواردة في التقرير يؤكد أن غول التضخم قد انطلق من عقاله، وأنه أصبح التهديد الأخطر للاقتصاد العالمي، وسط شبكة قاتمة من التهديدات ترتبط بجائحة كورونا وتغير المناخ والتحولات التكنولوجية الهائلة التي تجتاح العالم.
سياسات تصنيع الأزمة
ومع أن التقرير يأمل في أن ينحسر التضخم ويعود إلى نطاق السيطرة في العام القادم، إلا أن تحقيق ذلك سيتوقف على السياسات التي ستتبعها الحكومات والشركات. ومن ثم فإن توقعات صندوق النقد تظل مجرد «توقعات» قد لا تتحقق في المدى الزمني المرسوم، خصوصا بعد أن دمرت جائحة كورونا حجر الأساس للسياسة الاقتصادية السابقة للصندوق الذي كان يتمثل في تخفيض العجز المالي، وضبط الإنفاق الحكومي. إذ أن الارتباك الحاد الذي وصل تأثيره إلى حد الانهيار في سلاسل الإمدادات العالمية، واضطراب سوق العمل، وزيادة الحاجة إلى ضخ أموال هائلة في أنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية، هي جميعها عوامل قادت إلى اتساع نطاق عجز الميزانيات في الدول المتقدمة والنامية على السواء، وقللت قدرة صانعي السياسات النقدية والمالية على المناورة داخل هامش ضيق.
ثم جاء تعافي الاقتصاد في العام الحالي مصحوبا بعدد من المحركات التضخمية الرئيسية أهمها ارتفاع أسعار الطاقة، وأسعار السلع الزراعية، والأجور، واستمرار اضطرابات سلاسل الإنتاج بسبب عوامل اقتصادية وبيئية، والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. وقد ظهر أثر هذه الحرب بصورة صارخة في صناعة السيارات وصناعات الرقائق الإلكترونية الذكية. ومع أن تقرير صندوق النقد الدولي لم يتطرق إلى خطورة الدور الذي تلعبه الشركات العالمية العملاقة، خصوصا تلك العاملة في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والتجارة الإلكترونية، في «تصنيع» عوامل تقود إلى تحقيق أرباح استثنائية على حساب السوق والمستهلكين بشكل عام، فإنه يجب التنبيه على أن استمرار ما يمكن أن نطلق عليه «سياسات تصنيع الأزمة» بهدف تحقيق أرباح استثنائية سيؤدي إلى تعطيل جهود مكافحة التضخم، وإبطاء سرعة العودة إلى معدلات النمو والرفاهية التي كانت قبل الجائحة.
على سبيل المثال فإن شركات الطاقة تعمدت تقليل المخزون، سواء من الغاز أو النفط، وهو ما أدى إلى اختلال العلاقة بين احتياجات نمو الطلب ومدى وفرة المخزون المتاح، وقد أكدت ذلك إحصاءات وكالة الطاقة الدولية. هذه السياسة كانت السبب الرئيسي في تشغيل محرك التضخم المدفوع بزيادة أسعار الطاقة. أما شركات التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية التي حققت أعظم أرباحها وأسرعها منذ نشأتها حتى الآن خلال جائحة كورونا، فإنها لم تمرر تخفيض تكاليف الإنتاج والوفورات، الناتجة عن استخدام تكنولوجيا متقدمة محل العمل البشري، إلى المستهلكين أو إلى الصناعات الأخرى، وإنما تعمدت الاستفادة منها، وكذلك من وضعها شبه الاحتكاري، لتحقيق أقصى أرباح ممكنة، وكانت أسعار أسهم هذه الشركات في البورصة هي المحرك الرئيسي لسياساتها التجارية. كما قامت شركات الشحن بتقليل العدد المتاح من ناقلات النفط والغاز وسفن الحاويات، بما يقود عمليا إلى زيادة أسعار الشحن، التي بلغت حاليا ومع اقتراب موسم الأعياد إلى حوالي 6 أضعاف ما كانت عليه قبل جائحة كورونا؛ فتكلفة نقل حاوية سعة 40 قدما من الصين إلى غرب أوروبا زادت من 3000 دولار إلى ما يتراوح بين 15 إلى 18 ألف دولار.
كذلك فإن شركات الأدوية وشركات الرعاية الصحية الخاصة بما فيها شركات التأمين، حققت أيضا أرباحا استثنائية من جائحة كورونا، في الوقت الذي فقد فيه العالم ما يقرب من 5 ملايين من الضحايا وتعرض أكثر من 240 مليون شخص للإصابة. ومن المعروف في صناعة اللقاحات أن تكلفة إنتاج جرعة اللقاح الواقي من فيروس كورونا لا تتجاوز ثلاثة دولارات حسب تصريح لرئيس شركة أسترازينيكا، وأن الشركات العاملة في الإنتاج حصلت على مساعدات ضخمة من أموال دافعي الضرائب لتطوير وإنتاج اللقاحات. ومع ذلك فإن حاجة البشرية إلى اللقاح والعلاج تحولت إلى فرصة لتحقيق أرباح استثنائية للشركات. وقد أصبح مبدأ «تحويل الأزمة إلى فرصة لتحقيق أرباح استثنائية» هو المبدأ الحاكم لسياسة الشركات العملاقة وشركات التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية في ظل جائحة كورونا. وإذا استمرت تلك الشركات في تكثيف سياساتها على أساس هذا المبدأ، فإن النتيجة ستكون استمرار قوة محركات التضخم، وإبطاء العودة إلى نمو اقتصادي صحي مع مستوى للتضخم داخل نطاق السيطرة. إن التخفيض الهامشي بنسبة 0.1 في المئة الذي أدخله الصندوق على معدل النمو المتوقع، لا يستحق أن يذكر، كما أنه تركز في تعديل توقعات النمو للدول الصناعية. وطبقا للتقرير فإن الصندوق يتوقع نموا بنسبة 5.9 في المئة هذا العام، و4.9 في المئة في العام المقبل.
التضخم في الشرق الأوسط
أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن توقعات النمو التي جاءت في تقرير الصندوق تترواح بين 4.5 في المئة للدول المصدرة للنفط و 3.6 في المئة للدول المستوردة بمتوسط يبلغ 4.1 في المئة للمجموعة ككل. وطبقا للصندوق ستحقق المملكة المغربية في العام الحالي أعلى معدلات النمو في العالم العربي بنسبة 5.7 في المئة يليها العراق ومصر بنسبة 3.6 و 3.3 في المئة على التوالي. بينما ستحقق إسرائيل أعلى معدلات النمو في المنطقة ككل بنسبة 7.1 في المئة، مع استمرار النمو القوي في العام القادم بمعدل 4.1 في المئة.
وسوف تتوقف قوة محركات التعافي والنمو في الناتج المحلي الإجمالي لدول الشرق الأوسط على عوامل صحية وبيئية ومالية ونقدية تتعلق بمدى زيادة نسبة الحاصلين على لقاح كورونا. وقد وضع الصندوق برنامجا لزيادة هذه النسبة إلى 40 في المئة على مستوى العالم بنهاية العام الحالي، ترتفع إلى 70 في المئة في منتصف العام المقبل. وتعود أهمية رفع نسبة المحصنين ضد الفيروس إلى أن ذلك يساعد على تقليل الآثار السلبية لتأثير الفيروس على الإنفاق الحكومي، وسلاسل الإنتاج، وعرض العمل، واستقرار السوق.
وتعتبر أخطار ارتفاع أسعار الطاقة، والسلع الغذائية، وارتباكات سوق العمل، إضافة إلى ارتباكات السياسات المالية والنقدية، خصوصا سياسة أسعار الصرف أهم محركات التضخم في منطقة الشرق الأوسط، نظرا لاعتمادها الكبير في سد احتياجاتها، وأهمها الغذاء، على الاستيراد من الخارج، ونظرا لوجود حالة من الفراغ التنظيمي للسياسات الاقتصادية وأدوات تنفيذها في خمس دول عربية هي اليمن ولبنان وسوريا والسودان وليبيا، فإن ذلك يغذي حالة عدم الاستقرار وإعاقة التعافي الاقتصادي. ويتوقع الصندوق أن يبلغ معدل التضخم في السودان هذا العام 194.6 في المئة. بينما يبلغ المتوسط المتوقع في المنطقة ككل 12.7 في المئة، ويرتفع في مجموعة الدول المستوردة للنفط إلى 13.2 في المئة، وفي الدول المصدرة للنفط ينخفض إلى 10.8 في المئة.
هذه التوقعات مبنية على أساس الإحصاءات الرسمية المقدمة من الحكومات. وبدون الدخول في تعقيدات الطرق الفنية لحساب معدلات التضخم في أسعار السلع المختلفة، فإننا نستطيع أن نقول بمجرد النظر أن معظم الأرقام التي تقدمها حكومات الدول النامية عموما، ودول الشرق الأوسط وأفريقيا على وجه الخصوص هي «أرقام مطبوخة» لا يقوم من يمثلون الصندوق في تلك الدول بتدقيقها، وأنها قليلة الصلة بالواقع أو عديمة الصلة به تماما. كما يصدق الشيء نفسه بقوة على إحصاءات العمل ومعدلات البطالة. وما يفعله الصندوق هو مجرد «تبييض» هذه الأرقام واعادتها إلينا في «ثوب دولي» لتحتفل بها الحكومات العربية بوصفها دليلا على مصداقية سياساتها الاقتصادية. وتستبعد إحصاءات التضخم الأساسية أسعار السلع ذات التقلبات الموسمية الحادة، ومنها السلع الغذائية بما فيها الخضروات واللحوم. ونظرا لأن هذه السلع تشكل ما يتراوح بين 40 في المئة إلى أكثر من 60 في المئة من سلة إنفاق المستهلكين على السلع المختلفة فإن معدلات التضخم المحسوبة لا تقدم صورة صحيحة، ويجب زيادتها على الأقل بنسبة 50% في المتوسط، حتى تقترب من الواقع الفعلي للتضخم في السوق. ويتوقع الصندوق تحسن معدلات التضخم في الدول العربية عموما في العام المقبل، حيث يقدر أنه سينخفض إلى 8.6 في المئة في المتوسط لدول الشرق الأوسط وشمال افريقيا، وهو معدل لا يجب الاحتفال به لأنه أكبر من ضعف معدل النمو المتوقع للناتج المحلي، واقترب من ثلاثة أمثال معدل التضخم المتوقع عالميا الذي يبلغ 2.8 في المئة.