مما لا شك فيه، أن اللغويات العربية اليوم تختلف كثيرا عن تلك التي ورثناها عن الأسلاف، ففي كتابه «في اتجاهات البحث اللساني الحديث- الرياض» يؤكد المغربي حافظ إسماعيلي العلوي أن الأوائل، مع تقديرنا لمؤلفاتهم، ومصنفاتهم، لم يقولوا كل ما يمكن قوله في اللغة، لذا وجد المحدثون، ولاسيما الذين درسوا منهم في الجامعات الغربية في لندن، وباريس، ما يمكن أن يضاف لما ذكره المتقدمون، وألفوه، ولما استقرأوه وقعَّدوه. وقد جمع المؤلف هؤلاء الرواد تحت مسمى «الوصفيون» ونسب إليهم النظر في التراث اللغوي ونقده، والدعوة لتجديده، غير مبالين بأولئك الذين وقفت دراساتهم- أو أرادت الوقوف – حجر عثرة في طريق التجديد، كالذي صنف كتابا سماه «الألسنية المعاصرة والعربية» حمل فيه حملة شعواء على كل رأي جديد، زاعما أن كل ما تأتي به الألسنية لا يلائم العربية، التي هي في غير حاجة لذلك، ما دامت تستند لتراث عظيم مدون ومحفوظ.
أما الذين أنعم عليهم بصفة «وصفيون» ففي مقدمتهم إبراهيم أنيس وعبد الرحمن أيوب وتمام حسان ومحمود السعران وكمال بشر. وتحضرنا هنا ملاحظة قد تكون شكلية عديمة الأهمية، وهي أنّ هؤلاء جميعا مصريون، والمؤلف يتجاهل الوصفيين في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، ولعل ذلك نابع من تأثير المركزية المصرية التي اعتاد الملتزمون بها على إفراد الشقيقة مصر بريادة الشعر تارة، وريادة المسرح تارة، والرواية تارة، والقصة القصيرة تارة أخرى، في ما يُغيّب المبدعون من البلاد الأخرى عن دائرة الضوء. ومع ذلك نجده يتجاهل اثنين من كبار اللسانيين في مصر، أحدهما مؤلف «إحياء النحو» إبراهيم مصطفى، والثاني علي عبد الواحد وافي مؤلف كتاب «علم اللغة» وكتاب «اللغة والمجتمع».
ولهؤلاء قصب السبق في إثارة بعض القضايا الخاصة بالنظام اللغوي. فإبراهيم أنيس أثار إشكالية الصوت اللغوي في كتابيه «الصوت اللغوي» و»الأصوات اللغوية» طارحا آراء جديدة عن العربية أفاد فيها مما ثقفه في لندن. فهو، فيهما، لا يكتفي بتكرار ما قاله الخليل، أو سيبويه، أو ابن جني، بل جاء بوصف جديد لجهاز النطق، ولمخارج الأصوات، وصفاتها، موضحا بعض المفاهيم الملتبسة لدى المتقدمين، كالجهر، والهمس، والقلقلة والمماثلة. وفي كتابهِ من «أسرار اللغة» يجد الدارس نظرة جديدة للصرف، إذ لم يكتف فيه بتكرار أقوال القدماء. وفي «دلالة الألفاظ» نجده يضع القارئ في أجواء التطور الذي شهده علم الدلالة الوصفي، وعرض الكثير من المشكلات التي يعاني منها مستعملو المعجم العربي، داعيا لإعادة النظر في تأليف المعجم، وصناعته على نهج يخضع للتخطيط اللغوي الذي يقوم به فريق من المعجميين من ذوي الاختصاص.
ويبدو أن عبد الرحمن أيوب توغل في التجديد، إذ نجده علاوة على جديده في الصوتيات، يتحدث عن الصرفيم، وهو يعني به المورفيم morpheme المقيد، الذي يظهر في الصيغ المشتقة من الجذور لإفادة دلالات جديدة. وآراؤه – ما كان منها متعلقا بالصرف، أو بالنحو – آراءٌ تسلكه في عداد المدرسة الوصفية الشكلية، بيد أنه لا يبتعد عن القديم ابتعادا كبيرا. إذ لا يجد حرجا في تكرار بعض ما جاء عند سيبويه، ولاسيما في كتابيه «أصوات اللغة» و»الكلام إنتاجه وتحليله». واللافت للانتباه أن تمام حسان هو الأبرز بين هؤلاء الرواد، لأنه تناول بجراءَةٍ النظام اللساني، ففي كتابه «مناهج البحث في اللغة» استوفى مشكلات الصوت اللغوي، والبحث فيه من حيث إنتاجه وإدراكه وصفاته الراسخة الثابتة والمتحولة، وما يطرأ على الكلام من نظام مقطعي ثابتٍ، وآخر متغير. ومن ظواهر فوق مقطعية كالتنغيم والنبر، متوقفا عند نظام الحركات في العربية وقفاتٍ جادة. وفي كتابه «العربية معناها ومبناها» استوفى البحث في التصنيف الصرفي للعلامات اللغوية، فهي عنده تتجاوز التقسيم الثلاثي: الاسم والفعل والحرف، وتبلغ لديه سبعة أنواع، هي: الاسم، والصفة، والفعل، والضمير، والظرف، والأداة، والخوالف، التي هي من قبيل اسم الفعل، وفعلي المدح والذم، وما شذ عن الستة المذكورة. وإذا كان عبد الرحمن أيوب قد طعَن في الإعراب، وفي نظرية العامل النحوي، فإن تمام حسان طعن بالعامل، لكنّه لم يطعَنْ بالإعراب، وإنما عدّه قرينة واحدة من قرائن عدة، ينتج عنها المعنى ويتحقق. وهذه القرائنُ بعضها معنوي؛ كالإسناد، والتخصيص، والتبعيّة، والرَبْط، وبعضها لفظي كالرتبة، والعلامة الإعرابية، والصيغة إلخ. وتمام حسان- متأثرا باستاذه فيرث Firth ـ هو الذي يولي السياق أهمية خاصّة على صعيد المعنى.
وفي سياق المآخذ التي يأخذها المؤلف على الوظيفيّين، يؤكد أنهم يضعون القارئ أمام معطيات تستعصي على الضبط. ولاسيما عندما يتعلق الأمر بالتراكيب، أو بالدلالات، أو بالتداوليات.
وأيا ما يكُن الأمر، فإنّ حافظ إسماعيلي لا يجد حرجا في أنْ يسجل على هذا الفريق من اللغويين بعض المآخذ. من ذلك أن جهودهم هذه فردية، لم تجد صداها المطلوب لدى الآخرين. علاوة على وجود اختلافات بين آرائهم، على الرغم من أنهم ينتمون لنهج واحدٍ هو الوصفي. وعلى الرغم من انتقادهم للتراث اللساني، إلا أنهم لم يستطيعوا الانسلاخ عنه، وتبني القطيعة معه، والإتيان بآراء جديدة هدفها إعادة تأسيس صرح كلّي للنحو.
وتتبع المؤلف حافظ إسماعيلي فريقا آخر من اللسانيين أنعم عليهم بوصف التوليديّين. كعبد القادر الفاسي الفهري، وعبده الراجحي، ومازن الوعر، وخليل عمايرة، وسعد مصلوح، وداود عبده، وميشال زكريا، ومازن الوعر وغيرهم. وقد لاحظ على هذا الفريق أنه يُسرف في التجْريد، والصوْرَنة التي أحالت الدرس النحوي إلى معادلاتٍ رياضية مفرطة في الغُموض. علاوة على أنهم يتعسّفون في تطبيق معطيات النحو التوليدي على العربية كقول بعضهم: إن الجملة الفعلية في العربية منقلبة أو متحولة عن الجملة الاسمية، فيما رأى آخرون من الفريق نفسه أن الإسمية هي المتحولة عن الفعلية، في حين يرى فريق ثالث أن في العربية نموذجين توليديين، أحدهما فعلي، وآخر اسمي. زدْ على ذلك أن محاولات التوليديين مجتزأة، وانتقائية، ولا يمكن تعميمُها بحيث تصبح قاعدة مطردة. ويشبّه المؤلف ما تم إنجازه عند التوليديين في العربية بالأقساط، بمعنى أن كل ما كتب في هذا السياق لا يمثل (خطاطة) نحوية شاملة للكلام العربي.
وما يمكن أنْ يعدّ فصلا ثالثا لهذا الكتاب يدور حول اللسانيات الوظيفية. وهذا مذهب في اللغة برز لدى مدرسة الأبوياز في موسكو، وامتد أثره في حلقة براغ التي كانت قد أعلنت عن وجودها في عام 1926 ومن أبرز أعلامها على مدار نصف القرن الماضي الذي اتسعت فيه دائرتها لتشمل بعض الفرنسيين والإنكليز: رومان ياكوبسون، ومالينوفسكي، ومارتيني، وفيرباس، وجون روبرت فيرث وهاليدي. ولا ندري كيف يفرق المؤلف بين اللسانيات الوصفية، والوظيفة، ما دام العمدة في التيارين كليهما فيرث، أو هاليدي، أو رومان ياكوبسون، أو مالينوفسكي؛ فهولاء وصفيون مثلما هم وظيفيون، وتمام حسان وعبد الرحمن أيوب ومن سار على طريقيهما أيضا وصفيون وظيفيون. على أن المؤلف يورد في هذا المقام شخصية جديدة هي أحمد المتوكل (مغربي) على أساس أنه الممثل الشرعي، والوحيد، للتيار الوظيفي. وهو لا يعيب على المتوكل هذا الاتصال بالتراث، والتمسُّك به، مثلما عاب على تمام حسان، وعبد الرحمن أيوب، وإبراهيم أنيس، تمسكهم به، أو ببعضه على أكثر تقدير. فينوّه لكتاب المتوكل الموسوم بعنوان (المنحى الوظيفي في الفكر اللغوي العربي) ولا يقف بنا عند المزيد من آثار هذه الوظيفية، اللهم إلا دراسات المتوكل في المعجم تارة، وفي الصرف تارة، وفي الوظائف التداولية تاراتٍ أخَر. ومن باب رفع العتَب يشير لواحدة يعدها ممن يمثلون اللسانيات الوظيفية، وهي نعيمة الزهري، التي كتبت في باب التعجُّب، وباب الأمر والنهي، في ضوء للسانيات التداولية.
وفي سياق المآخذ التي يأخذها المؤلف على الوظيفيّين، يؤكد أنهم يضعون القارئ أمام معطيات تستعصي على الضبط. ولاسيما عندما يتعلق الأمر بالتراكيب، أو بالدلالات، أو بالتداوليات، إضافة إلى أن هذه الوظيفية لم تفلح في اقتراح مدونة نحوية شاملة، أو شبه شاملة، يمكنها أن تكون بديلا، أو حتى نصف بديل، للنحو العربي الكلاسيكي إذا جاز التعبير، فالمقارباتُ ليست تراكميّة، وتفتقر للإحاطة بالمسائل الشائكة المزعجة في النحو العربي.
كاتب أردني