لبنان: العين على استدعاء جعجع وخطوط حمراء تمنع على حزب الله القيام بأي مغامرة عسكرية

سعد الياس
حجم الخط
0

إذا كان حزب الله يحاول الإيعاز إلى المحكمة العسكرية التي تخضع لنفوذه لاستدعاء رئيس حزب القوات، فذلك يذكّر باعترافات كانت تُنتزع تحت التعذيب لتحميل جعجع مسؤولية تفجير كنيسة سيدة النجاة.

بيروت-»القدس العربي»: تبقى أحداث الطيونة وتداعياتها في صدارة الاهتمام ودخل عليها تطور جديد هو استدعاء رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع إلى القضاء العسكري للاستماع إلى إفادته من دون أي حديث عن طلب الاستماع إلى إفادة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان تركيبات النظام الأمني اللبناني السوري وكيفية فبركة الملفات لإدانة المعارضين والزجّ بهم في السجون كما حصل مع جعجع في زمن الوصاية السورية لمدة 11 عاماً. لكن اللافت هو دخول البطريركية المارونية على الخط ورفضها الاتهامات الاعتباطية واختلاق الملفات خلال لقاء انعقد بين البطريرك مار بشارة بطرس الراعي وقائد الجيش العماد جوزف عون واثيرت فيه الأجواء المحيطة بالتحقيقات وملابسات التوقيفات التي تتم من طرف واحد هو مناصرو القوات اللبنانية وضرورة أن يشمل التحقيق المعتدي وألا يقتصر على المعتدى عليه.
وإذا كان حزب الله يحاول فرض هيمنته ووصايته بديلاً من الوصاية السورية والإيعاز إلى المحكمة العسكرية التي تخضع لنفوذه لاستدعاء رئيس حزب القوات استناداً إلى اعترافات الموقوفين كما قيل، فذلك يذكّر باعترافات كانت تُنتزع تحت التعذيب لعناصر من القوات اللبنانية لتحميل جعجع مسؤولية في تفجير كنيسة سيدة النجاة تحت شعار»الآمر الناهي» قبل أن تتم تبرئة رئيس القوات من تفجير الكنيسة وإدانته بملفات حصلت في أيام الحرب الأهلية.
ويستسهل البعض توجيه الاتهامات إلى القوات وشيطنتها انطلاقاً من كونها ميليشيا عسكرية في زمن الحرب ومن كون قائدها سبق أن دخل السجن. إلا أن ما يثير الاستغراب هو أن من يحاول شيطنة واتهام القوات هو حزب مسلّح متهم بتنفيذ العديد من الاغتيالات والحروب في لبنان وسوريا والعراق واليمن، إضافة إلى إدانة أحد كوادره من قبل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفضه تسليم المتهمين ورفعهم إلى مصاف «القديسين».
من هنا، يعتقد حزب الله أنه من السهولة بمكان توجيه الاتهامات إلى القوات بنصب كمين في عين الرمانة متجاهلاً أن التظاهرة «السلمية» المدججة بالسلاح هي التي دخلت أحد أحياء عين الرمانة رغم معرفة الثنائي الشيعي بطبيعة وحساسية هذه المنطقة، ولم تكن القوات هي التي سيّرت تظاهرة إلى الضاحية الجنوبية حيث معقل حزب الله، ما يجعل تهمة الكمين المدبّر ساقطة بحكم التقارير وبيان الجيش اللبناني وحديث وزير الدفاع العميد موريس سليم.
أكثر من ذلك، تحدث نصرالله عن مشروع القوات لاقامة كانتون مسيحي متجاهلاً أن لدى حزب الله كانتونه الخاص في الضاحية الجنوبية وبعض مناطق البقاع والجنوب، ويدّعي حماية المسيحيين من التهجير فيما أهالي حارة حريك والمريجة لم يعودوا بعد إلى منطقتهم التي تغيّرت هويتها. وانتقد نصرالله تسلّح القوات متناسياً سلاحه غير الشرعي ودويلته القائمة خارج سلطة الدولة واعترافه هو بنفسه بوجود 100 ألف مقاتل ضمن هيكلية الحزب العسكرية.
هذه الوقائع يسوقها البعض في إطار قوة المنطق لمواجهة منطق القوة، ويرون في إطلالة سمير جعجع واقعية خلافاً لإطلالة نصرالله. فلا هو هدّد ولا رفع إصبعه كما فعل نصرالله، وحافظ على نبرة الصوت خلافاً للانفعال الظاهر في كلام نصرالله ورفع نبرة خطابه لامتصاص غضب بيئته والتأكيد مرة جديدة على فائض القوة، وهو انفعال أظهره في أكثر من إطلالة إلى حد أنه وصف في إحدى المرات اجتياح بيروت في 7 ايار/مايو يوماً مجيداً على رغم كل شهده هذا اليوم من انتهاك للبيوت وقتل للأبرياء.
ويعتقد هذا البعض أن حزب الله يريد إقامة توازن في الملفات أمام القضاء على غرار معادلة 6 و6 مكرّر بحيث يوازن بين ملف تفجير مرفأ بيروت وملف أحداث الطيونة، ويوازن بين ملاحقة الوزيرين السابقين علي حسن خليل وغازي زعيتر والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم وبين ملاحقة رئيس حزب القوات سمير جعجع.
ويتحدث هذا البعض عن قلق لدى حزب الله بعد مفاجأة الانتخابات العراقية التي لم تكن على قدر التوقعات، فدفعته إلى إعادة النظر في حساباته وتسريع ممارسة ضغوطه لاقالة المحقق العدلي حتى لو كلّف الأمر تجميد عمل الحكومة وجلسات مجلس الوزراء والتهويل بالشارع. وهذا ما يفسّر رفع الصوت من قبل وزير الثقافة محمد مرتضى على طاولة مجلس الوزراء في 12 تشرين الأول/أكتوبر وتلويحه «إنو رح تشوفو شي غريب عجيب بالبلد» ليتبعه بعد يومين في 14 تشرين بتظاهرة ميدانية على الأرض بعدما فشل على طاولة مجلس الوزراء في فرض مشيئته.
ويبدو أن الأمور الانتخابية في لبنان تسير أيضاً خلافاً لرغبة حزب الله بإمتلاك الأكثرية النيابية للاستمرار بالتحكّم بالدولة وتوجيهها بحسب رغباته وخصوصاً أن الاستحقاق الرئاسي يلي الاستحقاق النيابي نهاية تشرين الأول/اكتوبر 2021 حيث يرغب الحزب بوصول رئيس حليف له يكمل مسيرة ميشال عون في التغطية على مشروع حزب الله وسلاحه ويلتصق بمحور الممانعة. من هنا يُفهم رد رئيس الجمهورية التعديلات على قانون الانتخاب إلى مجلس النواب لإعادة النظر بها مع ما تحمله هذه الخطوة من شكوك حول مصير الانتخابات في 27 آذار/مارس المقبل.
يبقى أن غزوة الطيونة أطاحت بمساعي الحزب لإغراء بيئته الحاضنة بالمازوت وبعض التقديمات وبات بحاجة ليرفع معنوياتها وترميم صورته بعد الخسائر التي مُني بها سواء في شويا أو خلدة أو عين الرمانة من خلال التهويل بجهوزية 100 ألف مقاتل. إلا أن الحزب يبدو غير قادر على صرف فائض قوته في الداخل كما يفعل في الجنوب أو في سوريا، وأي مغامرة عسكرية يقدم عليها ضد أي طرف وخصوصاً تجاه القوات اللبنانية فهو يعرف كيف تبدأ ولا يعرف كيف تنتهي، لأن لبنان لن يكون متروكاً ومن غير المسموح تجاوز الخطوط الحمراء الإقليمية والدولية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية