أخيراً تنفست جماهير برشلونة الصعداء بعد اقالة المدرب الهولندي رونالد كومان، بعد 14 شهراً مسمومة في النادي الكتالوني، خصوصاً في الأسابيع الأخيرة التي شهدت خسارتين متتاليتين، الاولى أمام الغريم ريال مدريد، والثانية أمام المغمور رايو فاييكانو، هي الاولى في 19 عاماً، بل أصبحت الهزيمة الخامسة في آخر 9 مباريات، والهزيمة الرابعة خارج الديار، حيث لم يسجل خارج أرضه هذا الموسم سوى هدف واحد فقط.
نعم، كل الأرقام سلبية، بل هناك أرقام قياسية كمؤشر الى حجم الاخفاق، حيث اعتبرت بداية هذا الموسم الأسوأ لبرشلونة منذ 34 عاماً. لكن رغم كل هذه المساوئ هل كان حقاً كومان هو علة برشلونة؟
من البداية كانت فكرة التزاوج بين كومان والنادي مشوهة وغير طبيعية وآيلة الى ما آلت عليه من نهاية مخيبة، لسبب بسيط أن عقلية المدرب الهولندي صاحب الخبرة الكبيرة، الممتدة لأكثر من 20 عاماً، وشهدت نجاحات واخفاقات، لا تتناسب مع ثقافة النادي الكتالوني، كونها تتمحور حول أسلوب واحد يعتمد أكثر على اللعب المباشر والصلب الذي يعكس شخصيته كمدافع شرس، ولم يعرف عنه أسلوب اللعب الأنيق المعتمد على الاستحواذ وسلاسة التمرير واللعب الشيق، الذي اشتهر به برشلونة على مدى العقد الماضي، بل هو النقيض لذلك، ومع ذلك عينه الرئيس الكارثي السابق بارتوميو، ليس بهدف بناء الفريق واعادة الامجاد له، بل بهدف المساهمة في حل أزماته المادية وديونه الكارثية بازاحة أصحاب الرواتب العالية، والقيام بالعمل القذر بالقسوة والصراحة المتناهية التي اشتهر بها الهولنديون، ففي مكالمة هاتفية استغرقت 40 ثانية فقط رحل الهداف لويس سواريز وتبعه راكيتيتش وأرتورو فيدال، بل أيضاً أبلغ ميسي بوقاحة ان عليه القيام بأدوار دفاعية لخدمة الفريق. فالهدف الأساسي من تعيينه هو محاولة الخروج من ورطة الديون الخانقة، علماً أن هيبة برشلونة ورهبته وصورته اهتزت قبل تعيين كومان بسنوات، بدأت أمام روما بخيبة الخسارة 3-0 بعد الفوز ذهابا 4-1 في 2018، وتلاها كارثة «انفيلد» عندما خسر امام ليفربول برباعية نظيفة بعد تقدمه ذهاباً 3-0، وبعدها فضيحة البايرن بالخسارة 2-8، هذه كلها كانت قبل مجيء كومان، بل لم يمنح هذا المدرب أي فرصة لمحاولة البناء وتوفير ما يكفي من المال لتعزيز خطوط الفريق، حيث فقد في مطلع الموسم الجاري تحت رئاسة لابورتا المزيد من المواهب، بل أبرزها على الاطلاق، ليونيل ميسي، وتبعه غريزمان وترينكاو وفيربو وايمرسون وبيانيتش، فقط لأجل تقليص مجموع الرواتب المهلكة. واذا قارنا ذلك بما يحدث مع مدرب مانشستر يونايتد أولي غونار سولشاير، الذي أنفق 500 مليون يورو على مواهب جديدة في السنوات الثلاث الأخيرة، والمردود المخيب، وما زال على رأس عمله، فان علينا تفهم ما يمر به كومان، الذي اضطر، بالاجبار وليس كخيار، أن يضحي بخط هجومي مكون من ميسي وسواريز وغريزمان، بخط مكون من الطامح ديباي والمسن أغويرو والفقير فنيا لوك دي يونغ، عدا عن كم الاصابات الهائل لنجومه في مطلع الموسم، واضطراره للاستعانة بمواهب شابة من المفترض ألا تشارك في الفريق الاول الا بعد عامين، فبيدري أنهك واستنزفت طاقته باللعب في اليورو مع المنتخب خلال الصيف بعد نهاية موسم شاق، ليلتحق بعدها مباشرة بالمنتخب الأولمبي في طوكيو حيث وصل الى المباراة النهائية، قبل ان يعود ويبدأ الموسم الجديد بعزيمة مثبطة وجسد منهك، وهو ما حصل مع المدافع الجديد ايريك غارسيا، الذي كان يتطور ويصقل في مانشستر سيتي، لكنه فجأة أصبح عنصرا أساسيا في المنتخبين الاول والأولمبي وبرشلونة، ولا أفهم لماذا يوافق البارسا على السماح بضم غافي (17 عاماً) الى المنتخب الاسباني، وهو في طور التكوين.
هذه كانت كلها عوائق ومنغصات واجهها كومان، الذي لم يحظ بفرصة حقيقية لزرع افكاره مع الفريق، رغم أنه أيضاً يدان ويلام على الكثير من القرارات، منها تهميش بعض المواهب، على غرار أومتيتي ولانغليه وريكي بوتش وكوتينيو، والمبالغة في الاعتماد على المراهقين ديمير وغافي وبيدري وفاتي، عدا عن التغيير الدائم في تكتيكاته وخطط لعبه وتغيير مراكز اللاعبين باستمرار، رغم تفهم الظروف الا انه كان يأخذ وقتاً طويلا قبل ان يستدرك أن خطته لا تنفع.
نعم كومان زرع أجواء مسمومة في النادي عبر تصريحاته القاسية والصريحة، ولومه اللاعبين، وان الاخفاق منهم، خصوصا من المهاجمين في اهدار الفرص السهلة وركلات الجزاء، ومعه حق، لكن هذا لم ينعكس ايجابا على اللاعبين المنهكين نفسياً ولا على الادارة التي تنتظر أي هفوة كبيرة بفارغ الصبر لاقالته، خصوصاً ان الفريق بات بلا هوية ولا شخصية، والأهم بلا هيبة، وقد يكون تشافي، المرشح لخلافته، يحلم باستعادة أمجاد الماضي، الا أن الجميع بات يعرف أن المشكلة الحقيقية ليست في المدرب.