باليه دون كيشوت: رقصات من فصول الرواية الأولى

من فصول رواية «دون كيشوت» وحكاياتها، استلهم المصمم الفرنسي ماريوس بيتيبا رقصات الباليه الذي عرض للمرة الأولى عام 1869، وكذلك فعل الموسيقي النمساوي لودفيغ مينكوس، الذي ألف ألحاناً مشرقة ساطعة، ممتلئة بالحياة والبهجة التي تخلقها الإيقاعات الإسبانية، وهكذا تحول خيال الكاتب ميغيل دي سيرفانتس من المقروء إلى المرئي والمسموع، فإن هذا العمل يعبر عن أفكاره ويدور داخل عقله، ويعكس تأثر كل من المصمم والموسيقي بهذه الأفكار التي أعاد تقديمها كل منهما، بواسطة اللغة التي يمتلكها ويجيدها، سواء كانت الرقص أو الموسيقى.
وبارع هو المصمم ماريوس بيتيبا في التعامل مع الخيال وتصويره حركياً، وترتبط باسمه أعمال كبرى مغرقة في الأجواء الخيالية، كباليه «ابنة فرعون» وباليه «كسارة البندق» وغيرهما، وفي باليه «دون كيشوت» لم يقدم بيتيبا الرواية بأكملها، وإنما ركز على بعض الحكايات والأحداث والشخصيات، ومنذ العرض الأول لهذا الباليه وإلى اليوم، تم تقديم الكثير من النسخ التي احتفظت بالتصميم الأصلي، وبالموسيقى التي تصاحبه بالطبع، لكنها تختلف في بعض التفاصيل من نسخة إلى أخرى، إما بالحذف أو بالإضافة، وكذلك طبيعة الرؤية والتناول وروح الأداء، ومن أجمل النسخ وأهمها نسخة ميخائيل باريشنيكوف، التي قدمتها فرقة مسرح الباليه الأمريكي عام 1978، أما النسخة الأحدث نسبياً والجميلة أيضاً، فهي نسخة كارلوس أكوستا، التي قدمتها فرقة الباليه الملكي البريطانية عام 2013، وفيها قام أكوستا بلعب دور باسيليو، كما فعل باريشنيكوف كذلك في نسخته.
ويبدأ عرض أكوستا برقصة بسيطة قصيرة تؤديها دولسينيا، فتاة أحلام دون كيشوت وحبيبته الوهمية المتخيلة، تليها مشاهد تمثيلية صامتة غير راقصة، تمهد للدخول في أجواء الرواية أو الباليه، وهي مشاهد كوميدية مضحكة ومهمة أيضاً، لأنها توضح التغير الذي يطرأ على شخصية ألونسو وتحوله إلى شخصية أخرى تحمل اسماً آخر هو دون كيشوت، وفي الوقت نفسه قد تكون هذه المشاهد محزنة تثير شفقة البعض على هذا الرجل الخمسيني المولع بالقراءة عن الفروسية وحكايات الغرام، إلى الحد الذي سبب خللاً في رؤيته للأمور وتقديره للأحداث والأشخاص، وجعله يقوم برحلة مليئة بالخيبات، ورغم أن دوافع هذه الرحلة كانت خيالية، إلا أن آلامها وانكساراتها كانت واقعية وحقيقية تماماً، وربما يكون هذا جزءاً صغيراً ضئيلاً، مما تشير إليه هذه الرواية الهائلة فكرياً وفلسفياً، حيث تبين خطورة تخطي الحد الفاصل بين الوهمي والحقيقي، وكذلك خطورة الرغبة في الاشتباك مع الخيال وتحويله إلى واقع، والدرس البليغ الذي يتلقاه من يقوم بمثل هذه المحاولة، حتى يتعلم أن يحتفظ بمثاليته لنفسه، ويتعلم أيضاً أن الخيال يجب أن يبقى خيالاً، وأن محاولة تحويله إلى واقع تفسده، وتفسد الواقع، والأسوأ من كل ذلك أنها تفسد الاستمتاع بهذا الخيال.

ومن الرقصات الممتعة في هذا الباليه رقصة الكؤوس، التي يؤديها باسيليو، بينما يمسك بكأس في يده اليمنى، وبآخر في يده اليسرى، ويضعهما على فمه ويشرب منهما في الوقت نفسه.

يعرض الباليه في بداية الفصل الأول حادثة سرقة سانشو بانزا لديك، ومطاردة المزارعات له من أجل استعادة الديك، وضربه ومقاومته لهن بصورة كوميدية، وقيام دون كيشوت بتخليصه من ورطته، وبعدها يعرض عليه أن يتبعه في رحلته فيطيعه سانشو بانزا. وتبدأ الرحلة بعد أن يخلع دون كيشوت ضلعاً من أضلاع سريره ليكون رمحاً أو سلاحاً يمسكه بيده، ويرتدي خوذته المضحكة، ويمتطي حصانه الهزيل البائس، وهو مجسم لحصان مثبت على قاعدة خشبية مزودة بعجلات يتحرك بواسطتها، ويظهر في أكثر من جزء من مشاهد الباليه، أما دون كيشوت فهو ليس من الشخصيات الراقصة في هذا العمل، وبالكاد يتمايل مع دولسينيا في رقصتها الأولى، ويؤدي حركات بسيطة كأن يمسك بيدها وهي تدور، ويحرك قدمه خطوة أو خطوتين، كما يقف وسط مجموعة كبيرة من الراقصات في زي الباليرينا الأبيض الكلاسيكي يتأملهن متأثرا بجمال خطواتهن، وربما يكون دون كيشوت الأقل ظهوراً على خشبة المسرح، وكذلك تابعه سانشو بانزا، أما أهم الشخصيات الراقصة فهي باسيليو وحبيبته كيتري، وكذلك مصارع الثيران وحبيبته أيضاً، بالإضافة إلى بعض الشخصيات الثانوية الأخرى، والمجموعات الكبيرة بالطبع، ويبدأ المرح مع ظهور كيتري ورقصتها الأولى وسط الجموع والمعجبين من الرجال، الذين يحيطون بها، بالإضافة إلى الإيقاعات الإسبانية الجميلة، والتصفيق بالأيدي الذي تقوم به المجموعات، فيخلق إيقاعاً حياً ويضفي المزيد من الحيوية على الرقصة، ثم يدخل باسيليو ممسكاً بغيتاره، ويرقص منفرداً لاستعراض جاذبيته ووسامته أمام كيتري، ويكثر الدوران في هذه الرقصة، ورفع اليد لأعلى للتعبير عن الفخر والمباهاة، ثم تعبر كيتري عن غيرتها، وتُبعد عنه الفتيات الأخريات، وترقص معه بسعادة حتى دخول والدها لورنزو، الذي يرفض حبهما ويرغب في تزويجها من رجل آخر أكثر ثراء، ويستمر الخلاف حتى يتدخل دون كيشوت.

وقد قام المصمم ماريوس بيتيبا باستلهام الكثير من حركات الرقص الإسباني التقليدي والفلامنكو، وبعض الحركات وتشكيلات الجسد المستوحاة من الثقافة الإسبانية بشكل عام لا من الرقص فقط، كحركات مصارعي الثيران، وقام كذلك بتطويع هذه الحركات والإشارات كافة، فلا تطغى بحضورها، ويظل الأمر رقصاً كلاسيكياً في النهاية، فتؤدي الراقصة الممسكة بمروحتها بعض حركات الفلامنكو على سبيل المثال، لكن المشاهد لا يشعر بأن أمامه راقصة فلامنكو، وإنما راقصة باليه، ويتميز هذا العمل برقصاته الإسبانية ومنها رقصة مصارع الثيران، ومن أشهر الرقصات أيضاً الرقصة الثنائية بين كيتري وباسيليو عندما يخلو المسرح تماماً إلا من وجودهما، وتتناغم خطواتهما مع موسيقى هادئة بطيئة لا تخلو من الإيقاعات الإسبانية، وتعبر الرقصة عن لحظات الغرام والسعادة، وتنتهي بأن يلفهما شال الراقصة أو وشاحها. ومن الرقصات الممتعة في هذا الباليه رقصة الكؤوس، التي يؤديها باسيليو، بينما يمسك بكأس في يده اليمنى، وبآخر في يده اليسرى، ويضعهما على فمه ويشرب منهما في الوقت نفسه. وعلى الرغم من جمال هذه الرقصة بشكل عام في أكثر من عرض ونسخة، إلا أنه قد لا يكون هناك مثيلاً لأسلوب ميخائيل باريشنيكوف في أدائها، فالارتفاعات التي يصل إليها عندما يطير ويدور في الهواء قد تكون الأعلى على الإطلاق، وكذلك دقة الدوران واتزان الجسد المنضبط إلى أقصى درجة، وقوة الساق الداعمة أثناء الدوران على الأرض، والتحكم التام في سرعة الحركة مع الحفاظ على التشكيل وتكوين الجسد الفني والدرامي، وقدرته على تجسيد تلك الثقة وروح التحدي الذكوري، التي تتطلبها هذه الرقصة، والإشارات المرحة وإلقاء الكؤوس على الأرض في النهاية.

كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية