بغداد ـ «القدس العربي»: أصدرت رئاسة استئناف البصرة في العراق، الأثنين، حكما بالإعدام شنقاً حتى الموت، بحق المدان في حادثة قتل المراسل الصحافي، أحمد عبد الصمد، وزميله المصور الصحافي، صفاء غالي، اللذين قُتلا مطلع العام الحالي، وسط ترحيب شعبي بالقرار، في حين دعا، مرصد حقوقي دولي، إلى الإفراج عما باتوا يعرفون بـ«صحافيي وناشطي بادينان» في إقليم كردستان.
وذكرت رئاسة المحكمة في بيان، بأن «تم إرسال الحكم إلى المحكمة التمييزية للمصادقة عليه واكتساب الدرجة القطعية تمهيدا لتنفيذه».
«إشاعة الرعب»
وأشارت إلى أن «المجرم (ح.ك.خ) اعترف أن الهدف من قتل الصحافيين أحمد عبد الصمد وصفاء غالي، زعزعة الأمن والاستقرار وإشاعة الرعب في نفوس الناس تحقيقا لغايات إرهابية».
ورافقت جلسة النطق بالحكم، وقفة شعبية لتأييد قرار الحكم أمام مبنى المحكمة، والمطالبة بالقصاص من باقي المتهمين بالقضية، والإسراع بتنفيذ الإعدام بحق من صدر فيه الحكم القضائي.
ويأتي الحكم «استنادا لأحكام المادة الرابعة / 1 وبدلالة المادة الثانية / 1و 3 من قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005».
وأشاد محمد عبد الصمد، شقيق الضحية أحمد، بالحكم الصادر على أحد المدانين بالقضية، واعتبره «قراراً شجاعاً وعادلاً» حسب موقع «المربد» البصري.
وطالب الجهات القضائية، بضرورة «الإسراع بتنفيذ الحكم، وكذلك إلقاء القبض على باقي المتهمين وكشف الجهات المتورطة بتهريبهم، وكذلك بعض العناصر الأمنية التي ساعدتهم بالهروب» على حد قوله.
كما طالب ناشطون، في بيان أمام محكمة استئناف البصرة عقب انتهاء الجلسة بـ«الإسراع بتنفيذ حكم الإعدام والكشف عن الجهات المتورطة باستهداف الناشطين».
وسبق أنّ أعرب محمد عبد الصمد، عن مخاوف من «تسيس قضية شقيقه المغدور» قائلاإن «هناك ضغوطات كبيرة تمارس من أجل تحويل المتهم القاتل إلى مساعد في تنفيذ الجريمة وبالتالي تخفيف عقوبته» داعيًا «عوائل الشهداء والناشطين إلى وقفة جماهيرية أثناء عقد جلسة المحكمة، تطالب بالقصاص من القتلة وعدم الرضوخ لأي ضغوطات حزبية».
وأعلن رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، في وقت سابق، اعتقال «عصابة الموت» التي نفذت عملية اغتيال الصحافي أحمد عبد الصمد والناشطة جنان الشحماني «أم جنات». وقال الكاظمي في «تغريدة» له، في 15 شباط/ فبراير 2021، إنّ «عصابة الموت التي أرعبت أهلنا في البصرة ونشرت الموت في شوارعها الحبيبة وأزهقت ارواحاً زكية، سقطت في قبضة أبطال قواتنا الأمنية تمهيداً لمحاكمة عادلة علنية».
وأضاف: «قتلة جنان ماذي وأحمد عبد الصمد اليوم، وغداً القصاص من قاتلي ريهام والهاشمي وكل المغدورين.. العدالة لن تنام».
في الموازاة، أدانت، المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، المنتهية صلاحيتها، أعمال القتل والتهديد التي تطال الصحافيين والإعلاميين العراقيين، تزامناً مع اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين. وقالت المفوضية، في بيان صحافي، الإثنين، «تشيد المفوضية العليا لحقوق الإنسان بجميع الصحافيين والإعلاميين الذين قدموا حياتهم فداءً للكلمة الحرة الشريفة والدفاع عن الحريات، وتذكر العالم بأهمية التزام الجميع بالدفاع عن الحقوق والحريات وخاصة حرية التعبير والحصول على المعلومة والعمل بحرية» مؤكدة أن «الشفافية تتيح للمواطنين مراقبة الإجراءات التي تقوم بها الجهات المعنية لخدمة الشعب».
وأشارت إلى أن «ممارسة العنف ضد الصحافيين والإعلاميين، الذي تتعدد أشكاله بالترهيب والاختطاف والقتل والاعتقال غير القانوني وإلحاق الأذى بهم وتقييد قدرتهم على أداء عملهم، يؤدي إلى نشر المعلومات المغلوطة والتضليل الإعلامي وتشويه الحقائق وانتهاك الحقوق الإنسانية».
إجراءات حاسمة
وأضافت: «بهذه المناسبة نطالب الجهات المعنية باتخاذ إجراءات حاسمة وخطوات مهمة في موضوع متابعة الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين العراقيين وإجراء تحقيقات فورية لإيجاد آليات عملية وفعالة تنهي بشكل حاسم حالات الإفلات من العقاب ومحاسبة الذين ارتكبوا الجرائم».
كما حثّت على «توفير الحماية المناسبة للصحافيين حتى يتمكنوا من القيام بأعمالهم الإعلامية، فضلاً عن جبر الضرر للضحايا من الوسط الصحافي والإعلامي».
في مقابل ذلك، دعا المرصد «الأورومتوسطي» المعني بالدفاع عن حقوق الإنسان، سلطات إقليم كردستان، إلى الإفراج الفوري عن معتقلي منطقة «بادينان» المحتجزين في ظروف غير إنسانية وبصفة غير قانونية، ويواجهون تهمًا على ما يبدو كيدية وتتعلق بممارستهم لحقهم في التعبير عن الرأي.
وقال المرصد، ومقرّه جنيف، في بيان صحافي، إنّ «سلطات إقليم كردستان العراق ما تزال تحتجز 55 شخصًا من أصل 81 اعتقلتهم في المدة بين أغسطس/آب من العام الماضي وحتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول، على خلفية نشاطهم في قضايا تتعلق بحرية الرأي والتعبير ومطالبتهم بمجموعة من حقوقهم الأساسية، حيث لم تقدم السلطات سوى 5 منهم للمحاكمة، فيما تستمر باحتجاز الباقين دون محاكمة».
مرصد حقوقي يدعو سلطات كردستان للإفراج عن معتقلي «بادينان»
وذكر بأنّ السلطات تُوقف معظم الناشطين بموجب تهم فضفاضة، أبرزها المساس بأمن واستقرار الإقليم، والتي يُعاقب عليها بالسجن المؤبد بموجب المادة الأولى من القانون رقم (21) لعام 2003 والتي تنصّ على أنّه «يعاقب بالسجن المؤبد أو المؤقت من ارتكب عمدًا فعلا بقصد المساس بأمن واستقرار وسيادة مؤسسات إقليم كوردستان ـ العراق بأية كيفية كانت وكان من شانه أن يؤدي إلى ذلك».
ووفق معلومات جمعها «الأورومتوسطي» تُجبر السلطات المعتقلين المُفرج عنهم على التوقيع على تعهدات بعدم التصريح لوسائل الإعلام أو النشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، فيما يتعلّق بظروف اعتقالهم وتفاصيل الانتهاكات التي كانوا يتعرّضون لها داخل السجون.
ظروف «صعبة»
أبلغ «هـ.ب» (فضّل عدم الكشف عن اسمه) وهو أحد أعضاء فريق الدفاع عن المعتقلين، فريق المرصد، أنّ ظروف الاحتجاز في إقليم كردستان العراق صعبة، إذ يتعرضّ المعتقلون لصنوف مختلفة من الانتهاكات بما في ذلك التعذيب الجسدي والنفسي، وسط غياب كبير للرقابة الرسمية على أماكن الاحتجاز.
وقال «يعاني معتقلو «بادينان» من «ظروف سيئة للغاية، حيث يُحتجز عدد منهم رفقة سجناء آخرين في غرفة يتكدّس فيها نحو 140 معتقلاً، ويصل العدد في بعض الأحيان إلى 157 معتقلاً، ما يمنعهم من الجلوس بشكل اعتيادي ويضطرهم إلى التناوب في عملية النوم، فلا يستطيعون جميعًا النوم في ذات الوقت».
وأضاف أنّ «معتقلي «بادينان» نفّذوا أكثر من مرة إضرابا عن الطعام للمطالبة بتحسين ظروف اعتقالهم، غير أنّ إدارة السجن كانت ترغمهم على فكّ الإضراب دون تحسين أوضاعهم، كما يعاني المعتقلون من إهمال طبي كبير، ويتعرضون للتعذيب بشكل متفاوت سواء جسديًا، أو من خلال الضغط النفسي عليهم بما في ذلك احتجازهم في زنازين انفرادية».
وبيّن المرصد «الأورومتوسطي» أنّ السلطات تعتمد في معظم حالات الاعتقال على أسلوب «المخبر السرّي» إذ تقدم بصفة غير قانونية إفادات على ما يبدو كيدية وبلا أدلّة، يتمّ على أساسها اعتقال النشطاء المدنيين، ومن أمثلة ذلك بعض الحالات التي بُنيت فيها إفادة المخبر السري فقط على معارضة الناشط المعتقل لسياسات الحزب الحاكم في الإقليم.
ووثّق بعض الحالات، التي أظهرت عوارًا واضحًا في الإجراءات القانونية، حيث اتخذت السلطات فيها قرار التوقيف بناء على إفادة لاحقة من المخبر السرّي، ومن ذلك قرار توقيف عدد من المعتقلين في تاريخ 9 سبتمبر/ أيلول 2020 استنادًا إلى إفادة «المخبر السري» الموثقة بتاريخ 12 سبتمبر/ أيلول 2020 أي بعد ثلاثة أيام من تاريخ الاعتقال، وتكرّر الأمر مع عدة معتقلين من بينهم مسعود شنقالي، وكاركار عباس، وبندوار أيوب، وشيروان طه.
«اعتلالات قانونية»
وقال الباحث القانوني، في المرصد، عمر العجلوني: إنّ «ممارسات سلطات إقليم كردستان العراق ضد النشطاء المدنيين تشوبها اعتلالات قانونية جسيمة، أبرزها التهم الفضفاضة واستخدام أسلوب المخبر السرّي الذي يشكل بيئة خصبة لتلفيق التهم، بالإضافة إلى استمرار اعتقال العدد الأكبر منهم لشهور طويلة دون عرضهم على المحكمة».
وأضاف أنّ «السلطات لم تكتف باعتقال النشطاء لتعبيرهم المشروع عن رأيهم، بل تعمدت فيما يبدو من خلال ظروف احتجازهم السيئة إلى تعظيم ثمن ممارسة الحريات في البلاد، وإيصال رسائل ترهيبية مفادها أنّ تكلفة باهظة تنتظر كل من يفكّر بمعارضة السلطات أو الاحتجاج على الأوضاع الراهنة».
ودعا المرصد، سلطات إقليم كردستان العراق، إلى «الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع معتقلي الرأي في الإقليم، وتوفير كافة ضمانات المحاكمة العادلة لجميع الموقوفين الآخرين دون تأخير، وإلغاء جميع الأساليب غير القانونية التي تستخدم لتلفيق الاتهامات للنشطاء والمعارضين».
وحث سلطات كردستان، على «احترام الحق في حرية الرأي والتعبير والنشر، والحق في التجمع السلمي، وتفعيل الرقابة على السجون ومراكز الاحتجاز، والتأكّد من مطابقة ظروف الاحتجاز للقواعد النموذجية لمعاملة السجناء».