الجنرال ماكماستر في «ساحة المعركة، المواجهة لحماية العالم الحر»: على قيادات أمريكا تعديل الاتفاقية النووية مع إيران

سمير ناصيف
حجم الخط
0

تختلف الآراء عموماً حول النظريات التي يطلقها بعض كبار العسكريين في الشؤون السياسية، فبعض هذه الآراء يعتبر أن الخبرة العسكرية تؤهل هؤلاء لتقديم النصائح إلى السياسيين، وخلافاً لذلك، هناك مَنْ يرى أن العسكريين عموماً يتجهون إلى تفضيل حسم الخلافات عبر المبادرات العسكرية الكاملة والشاملة التي لا تتردد في اتخاذ المواقف الحاسمة، وهذا التوجه قد يتعارض مع امكانية نجاح التفاوض والدبلوماسية والحوار مع الخصوم وقد يؤدي إلى كوارث ووقوع العدد الكبير من الضحايا في المواجهات العسكرية.
الجنرال آيتش آر ماكماستر، مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بين عامي 2017 و2018، أصدر مؤخراً كتاباً بعنوان «ساحة المعركة، المواجهة لحماية العالم الحر». طرحَ فيه انتقادات لترامب وللرئيس الذي سبقه باراك أوباما لانهما لم يكونا واضحين في استراتيجياتهما وفي مبادراتيهما العسكريتين في أفغانستان وفي العراق، ولانهما طرحا انسحاب الجنود الأمريكيين من تلك المبادرات في توقيت خاطئ. وفي رأي ماكماستر، ان التردد في حسم القرارات العسكرية وعدم متابعتها حتى النهاية هو الخيار الأسوأ في هذا المجال. وقد يكون ما ينتقده ماكماستر في هذا الكتاب ينطبق أيضاً على الاستراتيجية العسكرية التي يتبعها حالياً الرئيس جوزف بايدن في أفغانستان وخصوصاً بنظر بعض المحللين والسياسيين المعارضين لبايدن.
على ان من الطروحات البارزة في هذا الكتاب، معارضة ماكماستر للاتفاقية النووية «1+5P» التي عقدتها دول العالم الحر تحت قيادة الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع إيران في عام 2015 ثم خروج أمريكا (تحت قيادة ترامب) منها بعد فترة قليلة على تسلمه الرئاسة في مطلع عام 2017.
يقول ماكماستر في القسم الخامس من كتابه المخصص لإيران انه لم يكن من الحكمة تصديق وعود والتزامات القيادة الإيرانية عندما تم التفاوض معها، وبعد توقيع الاتفاق النووي معها. كما ينتقد الموقف الأمريكي الحالي لإدارة بايدن الذي يدعو للعودة إلى ذلك الاتفاق.
تبرير ماكماستر لذلك هو انه يجب عدم الفصل بين الشأن النووي وبين تصرف النظام الإيراني وتدخله في شؤون الدول المحيطة به، وان تفاوض أمريكا مع إيران رجح ويرجح كفة الجهات المتشددة المحافظة في البلد على حساب شرائح كبيرة من الشعب الإيراني تفضل نظاماً أكثر ديمقراطية وأقل تدخلاً في شؤون الآخرين في بلدها. «فترطيب الأجواء والتواصل والحوار الأمريكي مع إيران من خلال ست إدارات أمريكية مختلفة لم تنبثق عنه نوايا إيجابية من جانب النظام الإيراني واستمر عداء النظام الإيراني لأمريكا وإسرائيل وأوروبا والأنظمة العربية الملكية» (ص 318).


ويشير ماكماستر إلى انه، وفي دوره كمستشار للأمن القومي للرئيس ترامب، فتح نافذة على مواقف متوازنة في المنطقة كانت ترغب بربط الاتفاقية النووية بضوابط لتصرفات النظام الإيراني السلبية في الشرق الأوسط، وان هذه النافذة أُغلقت بعدما ترك منصبه في البيت الأبيض في 4 نيسان (ابريل) عام 2018. فبعد شهر من خروجه من البيت الأبيض، ألغى ترامب الاتفاقية بدلاً من تعديلها عبر إدراج ضوابط إضافية فيها بحسب مقترحاته (ص 299).
وبالتالي، فإن مواقف ماكماستر حول الاتفاقية النووية مع إيران قد تختلف (بنظر البعض) مع مواقفه حول القضية الفلسطينية ولبنان والأردن والأزمات الخطيرة الأخرى في المنطقة.
ففي الصفحة (285) من الفصل الثامن (في القسم الرابع) يؤكد الكاتب ان على قيادة الولايات المتحدة التدخل لحل أزمات المنطقة الأخرى وفي طليعتها النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، فأمريكا بإمكانها مساعدة إسرائيل والقيادة الفلسطينية للتقدم في التفاوض نحو إبرام اتفاقية سلام شامل ودائم، ولكن على القيادة الأمريكية اعتماد النزاهة والحرفية في مساهمتها في هذا المجال، ويجب ألا تفقد إسرائيل ثقتها بالقيادة الأمريكية كما حدث خلال قيادة الرئيس أوباما، وهنا لا يبدو ماكماستر معتدلاً أو موضوعياً في مواقفه، حسب ما يدّعي، مع انه ينتقد ترامب لموافقته على نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس وتثبيته ضمَ مرتفعات الجولان إلى إسرائيل واعتباره المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية شرعية وقانونية. ومثل هذه القرارات (في رأي ماكماستر) تزيل أي دوافع قد تؤدي إلى نجاح أي اتفاق في هذا المجال في المستقبل.
ويضيف قائلاً: «ان الاجتماع الذي عُقد في شباط (فبراير) 2020 في البيت الأبيض للإعلان عن اقتراح مشروع للسلام في الشرق الأوسط بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومؤيدي ترامب ونتنياهو، وفي غياب أي ممثل عن الفلسطينيين وقياداتهم، كان مشروعاً ولد ميتاً» (ص 285).
ويدعو ماكماستر في الصفحة التالية إلى أن تدفع القيادة الأمريكية بالدول العربية في المنطقة إلى مواجهة الفقر والعوز المنتشرين لدى الفلسطينيين في المخيمات وخصوصاً في الضفة وغزة والأردن ولبنان وإقناع الفلسطينيين بأن الأمل في مستقبل أفضل لهم يكمن في تأييدهم لقادة بينهم يعقدون المشاريع السلمية، ومثل هذا التوجه سيساهم في تطور إيجابي في مواجهة العنف الطائفي المنتشر في المنطقة بالإضافة إلى إيجابيته بالنسبة للفلسطينيين (ص 286). وعلى أمريكا أن تساهم أيضاً (حسب ماكماستر) في الإطاحة بقادة ديكتاتوريين في الشرق الأوسط يعتمدون الحروب والعنف وأن تدعم القوى الداعية للسلام والحرية والديمقراطية في المديين القريب والبعيد، من دون تحديد هذه الدول السيئة والأخرى الجيدة بل يستخدم تعبير «حلفاؤنا» الذي يضم إسرائيل ودولا شرق أوسطية «ملكية» وقد يشمل دولاً خرقت شرائع حقوق الإنسان. ثم يدعو إلى دعم دول تعاني مشاكل اقتصادية وسياسية في المنطقة كلبنان والأردن ودول أخرى عانت من تدفق المهاجرين الاقتصاديين إليها خصوصاً على إثر الحرب السورية الأخيرة.
ويربط ماكماستر هذه المواقف بموقفه السابق بأن معالجة مثل هذه القضايا تساهم في منع إيران من نشر العنف الطائفي في المنطقة في خطتها لدفع أمريكا للخروج من منطقة الشرق الأوسط، وكأن إيران وحدها تنشر العنف الطائفي في المنطقة. إذن، أمريكا (في رأي المؤلف) بحاجة لقادة يعتمدون إستراتيجيات واضحة وغير مترددة ويفسرون لشعوبهم فحوى هذه الإستراتيجيات وأهميتها.
وهذا الأمر، حسب ماكماستر لا يتنافى مع القيام بعمليات عسكرية خاصة ضد قياديين ينفذون سياسات تشجع العنف في المنطقة. (وهذا الموقف قد يعني تبرير الجنرال ـ المؤلف لمبدأ الاغتيالات السياسية). ولكن، إذا قررت القيادة الأمريكية القيام بعمل عسكري ضخم في أي بلد، عليها في رأيه ألا تتراجع عنه وتتردد فيه كما فعلت في فيتنام وأفغانستان والعراق، بل يجب الاستمرار فيه حتى النهاية.
وينصح ماكماستر القادة الأمريكيين بتعلم الدروس من التاريخ ومن الحملات العسكرية الأمريكية السابقة في آسيا والشرق الأوسط. فعدم قراءة التاريخ قد يؤدي إلى الكوارث والفشل والمزيد من الضحايا عبر تكرار الأخطاء.
كما ينبه إلى خطورة «نرجسية القيادات» والتقليل من تقدير قوة الخصوم، ويدعو إلى عدم تطبيق نفس السياسات والأخطاء في أكثر من منطقة أو بلد، إذ ان تاريخ وأوضاع البلدان تختلف، وكل منها يتطلب إستراتيجية خاصة به تعود إلى جذوره التاريخية والحضارية والسياسية، فما ينطبق في أفغانستان قد لا ينطبق في العراق أو سوريا أو غيرهما.
ويرفض الكاتب، نظريات تطلقها بعض الجهات الليبرالية اليسارية الأمريكية بضرورة الانسحاب العسكري الأمريكي الشامل من سائر أنحاء العالم معتبراً ذلك الخيار خطراً على الأمن القومي الأمريكي، فالعالم الخارجي أصبح مرتبطاً بالعالم الداخلي والإرهاب قد انتشر في العالم برمته وليس في مناطق محددة فقط.
من أهم ما يطرحه المؤلف لمواجهة الإرهاب هو قوله إن أفضل طريقة لمثل هذه المواجهة تكمن في إقناع أطرافها من الخصوم بأن ممارسة العنف وقتل الأبرياء لن يحققا غاياتهم المنشودة (ص 441).
كما يشير إلى أهمية التنسيق مع الحلفاء الأوروبيين والحلفاء الآخرين في باقي أنحاء العالم وعدم القيام بمبادرات عسكرية ضخمة أحادية الطابع من دون مثل هذا التنسيق.
ويختتم كتابه بالتأكيد بان المهاجرين إلى أمريكا يشكلون عصباً متيناً إيجابياً ساهم في تطور الولايات المتحدة، فهؤلاء بينهم من الذين عانوا كثيراً وكافحوا للوصول إلى ما وصلوا إليه سيدافعون عنه بكل قواهم ويجب عدم المساهمة في عزلهم والتمييز ضدهم وتعزيز شعورهم بالغربة (ص 444).
هذا الكتاب مفيد في بعض فصوله والمعلومات الواردة فيها، ولكن مؤلفه يبالغ في مواقفه السلبية إزاء خطر النظام الإيراني والاتفاقية النووية مع إيران كما وُقعت عام 2015. ويبدو ماكماستر في أجزاء منه وكأنه دونالد ترامب، ولكن في ثياب عسكرية، برغم محاولته إظهار نفسه كمحلل سياسي وعسكري معتدل وموضوعي.
الجنرال ماكماستر خدَمَ في العراق خلال العمليات العسكرية الأمريكية المتجاوزة لقرارات الأمم المتحدة ضد النظام العراقي السابق، وهو فخور بما قام به هناك وببعض العلاقات التي أقامها مع عدد من قيادات ما بعد نظام صدام من السياسيين العراقيين كرئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، ومتحفظ إزاء آخرين وخصوصاً أولئك المتعاطفين مع إيران. غير ان الممارسة الدبلوماسية في السياسة الخارجية في الشرق الأوسط قد تتطلب في كثير من الأحيان مواقف أكثر مرونة من قرارات جنرال في معركة عسكرية ميدانية.
H.R. Mc Master:
«Battle Grounds, The Fight to Defend the Free World»
William Collins, London, 2021
545 Pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية