باليه الفتى والموت: جان كوكتو والرقص على موسيقى باخ

يقع كل شيء في باليه «الفتى والموت» Le jeune homme et la mort تحت تأثير جان كوكتو المباشر وغير المباشر، فهو من قام بتأليف وكتابة القصة، وتصميم المناظر والديكورات، واختيار الموسيقى، كما أضاف بعض الحركات والإشارات على الرقص الذي صممه رولان بيتي، وقد عرض هذا العمل للمرة الأولى عام 1946 في باريس، وهو باليه من فصل واحد لا تزيد مدته عن 15 دقيقة، تصاحبه خلالها قطعة موسيقية بعنوان باساكاليا للموسيقي الألماني يوهان سباستيان باخ، ويعد باليه «الفتى والموت» من أهم أعمال الكاتب والشاعر والمسرحي والسينمائي والناقد الفرنسي جان كوكتو، صاحب المساهمات العديدة في فن الباليه أيضاً، التي لا تزال يقدمها الكثير من فرق الباليه العالمية.
قد يبدو العرض طويلاً وثقيلاً أثناء المشاهدة، على الرغم من قصر مدته الزمنية، ويزيد من هذا الشعور موسيقى باخ، التي تكاد تخلو من الميلودية، ولا يوجد فيها أي مفاجآت أو تقلبات درامية، وتوحي للمستمع بأنها تتكرر وتتكرر، ثم تتكرر وتتكرر، وتمتد هكذا بشكل أفقي وتسير إلى ما لا نهاية، فلا يعرف متى أو كيف يمكن أن تتوقف، ويستمر هذا الإحساس حتى مع دخول آلات موسيقية جديدة وانضمامها إلى آلة الأورغن التي ترتبط باسم باخ عازفها الممتاز، وأشهر من ألفوا لها القطع الموسيقية، وهي بدورها تميز موسيقاه، وتمنحها الطابع الروحي الكنسي، وكان غريباً إلى حد ما اختيار جان كوكتو لموسيقى باخ تحديداً، من أجل أن تصاحب قصته الراقصة بكل ما فيها من عدمية واستهتار بالحياة، لكن لا يمكن إنكار أن هذا التناقض يخلق تأثيراً ما في نفس المشاهد، وإن كان غامضاً، كما يؤكد هذا الباليه مدى حداثة جان كوكتو في زمنه، فالعرض يبدو حديثاً حتى اليوم بفكرته وطريقة تنفيذه، وما استخدمه من أشياء غير مألوفة في فن الباليه.
يعتمد العمل على اثنين فقط، راقص وراقصة، يلعب الراقص دور الرسام الشاب الذي يجلس وحيداً في بيته ومرسمه أيضاً، ويبدو في حالة من القلق واليأس والكآبة، أما الراقصة فتلعب أكثر من دور في الوقت نفسه، فهي الحبيبة والموت أو الطريق إلى الموت، والشر القديم الأزلي، والحياة التي تلتهم الأحياء وتفنيهم، كما أنها تمثل الخطورة الأنثوية والإغواء الجنسي، والرعب الصريح في النهاية، ويقال إن كوكتو كتب فكرة هذا الباليه من وحي حادثة انتحار أحد أصدقائه حين كان شاباً، لكن من الصعب معرفة لماذا جعل كل هذا الشر موجوداً في المرأة، ولماذا قدمها في هذه الصورة المخيفة القاسية والحادة بشكل غريب.

تدور الرقصة بأكملها في مكان ضيق مغلق لا يتغير، هو بيت الرسام أو حجرته، بأثاثها القليل من سرير وطاولة وبعض الكراسي، ويتم استخدام كل من هذه الأشياء، إما في الرقص أو للتعبير عن حالة معينة، وتكون أحياناً عنصراً مسانداً للجسد، يعتمد عليها الراقص حتى يتمكن من أداء حركات صعبة أثناء الوقوف والجلوس والقفز والانحناء والتمدد، ويلاحظ المشاهد أن كوكتو جعل المكان ضيقاً مغلقاً غير منفتح على أي آفاق، أو مناظر خارجية، ما دام الرسام حياً، وبعد موته على الفور يتغير كل شيء، وتُزال الخلفية القديمة تماماً، وتحل محلها خلفية جديدة كأنها تنفتح على مدينة باريس ببعض معالمها المشهورة، وأضواء الحياة فيها، ما يخلق المزيد من التناقض مع الموت المتحقق على خشبة المسرح، ومشهد النهاية الكئيب المقبض، والمخيف أيضاً، الذي يظهر قوة تأثيرات كوكتو البصرية، وقدرته على التعبير عن أفكاره وهواجسه ومخاوفه، وربما هوسه أيضاً بفكرة الموت أو سؤال الموت ولغزه الأبدي، وهو من تمنى يوماً أن يكون مصرياً قديماً، لكي يكون الموت بالنسبة له مجرد رحلة، كما في عقيدة المصريين القدماء.

أما على مستوى التعبير الجسدي، فقد أراد لهذا الباليه أن يكون مزيجاً من الرقص والمايم، فيشعر المشاهد في بعض اللحظات بأنه أمام دراما تمثيلية صامتة، حيث يتم التعبير عن بعض الأمور من خلال الحركات العادية التي يفعلها الجميع، لا عن طريق حركات الباليه الأساسية والمبتكرة.
كما أن ألوان الملابس في هذا العمل غير مريحة، ربما ما عدا لون السالوبيت الأزرق الذي يرتديه الراقص، أما الثوب الأصفر الذي ترتديه الراقصة، فقد جعل هذا اللون يوحي بالخوف والخطر لا البهجة كما هو معتاد، كما أن القفازات السوداء في يديها، تجعلها تبدو وكأنها على وشك ارتكاب جريمة، لا يغير الرجل ملابسه، لكن المرأة تفعل بعد أن توجه الرسام نحو الموت، حيث تغادر المسرح مسرعة، ثم تعود بمظهر جديد تماماً، وقناع على شكل جمجمة فوق وجهها، وثوب أبيض طويل، وقفازات حمراء طويلة تغطي جزءاً كبيراً من الذراعين، ووشاح أحمر طويل يغطي جزءاً من رأسها، وهو مظهر غريب ومخيف، ويوحي بالانتقال إلى عقل جان كوكتو الباطن، أو أحلامه وكوابيسه.

أما على مستوى التعبير الجسدي، فقد أراد لهذا الباليه أن يكون مزيجاً من الرقص والمايم، فيشعر المشاهد في بعض اللحظات بأنه أمام دراما تمثيلية صامتة، حيث يتم التعبير عن بعض الأمور من خلال الحركات العادية التي يفعلها الجميع، لا عن طريق حركات الباليه الأساسية والمبتكرة.

تقود هذه المرأة الرسام إلى الانتحار لسبب غير مفهوم، فهي من تعد بيديها عقدة الحبل الذي سيلتف حول رقبته، كما أن طبيعة العلاقة بينهما غامضة إلى حد ما، ففي البداية يعطي الأمر انطباعاً بأنها الحبيبة التي ينتظرها الرسام بلهفة، ويتعجل حضورها بقلق بالغ، عندما يبدأ الباليه وهو متمدد على سريره يدخن سيجارة مشتعلة بالفعل، ثم يجلس على السرير ويطفئ السيجارة، ويؤدي بعض الحركات البسيطة وهو جالس، ثم يبدأ الرقص والتعبير الحركي والإيماء، حيث يكرر النظر إلى الساعة التي في يده، كما يضع هذه الساعة على أذنه أحياناً ليسمع دقاتها، ويغلب الاضطراب على الحركة في هذه الدقائق الأولى قبل وصول المرأة، فيقف وراء باب الحجرة لعله يسمع صوت خطواتها، ثم يعود يائساً، يرقص على كرسي ويجلس على آخر ثم يرميه بغضب، وبعد ذلك تدخل المرأة بحركات حادة عنيفة، وجسد متصلب وإشارات متشنجة، فلا توحي أبداً بأنها امرأة عاشقة أتت لملاقاة حبيبها، ويبدو الرجل كأنه يخشاها، لكنه يريدها ولا يستطيع أن يهرب منها، وخاضع لها بصورة أو بأخرى، وهي تدور حوله كمن تحكم الشرك الذي نصبته، وتتعامل مع جسده بنوع من العنف، فلمساتها خالية من أي عطف أو رقة، لكنها تبدأ في إغوائه فيرفضها ويدفعها بعيداً عنه، فتشعل سيجارة وتدخنها، ثم يأتي هو إليها مستسلماً، ويرقصان معاً رقصة لا يمكن وصفها برقصة الحب، فالرجل يغلب عليه الشعور بالخوف والقلق والضعف، أمام هذه القوة الشريرة التي تتحكم فيه، والمرأة هي أبعد ما تكون عن الحب، حتى عندما تفتح له ذراعيها وتحتضنه، تكون أحضانها مليئة بالشر، وبعد أن تجهز المشنقة تذهب إليه وتقف وراءه، بينما يكون هو جالساً على كرسي أمام المشنقة، فتدير رأسه نحوها وتشير إليه بيدها لكي يراها، ثم تخرج مسرعة وتغادر خشبة المسرح، ويشنق الرسام نفسه، ويتشبث بشيء ما في الأعلى بيده اليسرى، لكي يبدو الجسد وكأنه يتدلى مربوطاً بحبل في عنقه، وفي النهاية تعود المرأة بقناع الجمجمة المخيف، ويهبط الرسام ويذهب إليها، فتخلع القناع وتضعه على وجهه، ثم تأمره أو تشير إليه بأن يسير في اتجاه ما نحو الجزء الأعمق من المسرح.

كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية