إحالة النرجسية «حبّ الذات» إلى أصل أسطوري، إشهار باستحالة التأكد من حقيقتها، وبالتالي أخْذها على أنها حقيقة، مهما كان الاختلاف فيها وحولها. وإذا كان فرويد، كما هو مؤرَّخ له، قد تناول النرجسية في مستويات عمْرية مختلفة، وميول مختلفة اجتماعية، سياسية، ونفسية، واعتبارها مرضاً كامناً في النفس، ومنذ أكثر من قرن، فهل يعني ذلك أن فرويد، بإجرائه التحليل/ نفسي ذاك، قد سلَّط الضوء على ما كان غفلاً من التعريف والتوصيف؟ أم ليلفت النظر إلى ما أغفِل عنه، وحتى من جهته، وهو أن النرجسية التي تنسَب إلى أصل أسطوري إغريقي، تتلبس أياً كان، وبتفاوت، ليكون فرويد هذا أكثر وأهمَّ من عاشها وجسَّدها في «فرقاطة» هادرة من مقالاته وتفاسيره وحتى ما يدخل في عِداد التشريح العصبي وخلطه بما هو نفسي «حيث يكون العصاب جلياً، كما في علاقته بتلامذته وأحكامه المميَّزة بالقسوة ضدهم» يونغ- ادلر، مثلاً؟
وفي المكاشفة التاريخية والنفسية لهذا المفهوم، هل حقاً، أن النرجسية شرّ يتلبس الجسد وصاحبه في عمومه، أم تراها الطاقة المطلوبة في لحظة ما، وفي وضع نفسي ما، ومكان ما، لإخراج قوى كامنة في النفس في هيئات فنية، فكرية، وأدبية؟
مَن منا لا يعيش «نرسيس» ما، وهو بوجهه الجميل، وهو يواظب داخلاً على النظر إلى صورته في الماء «الزلال» طبعاً، ليكون تواصله وتفاعله مع عالمه الداخلي هذا؟ أوليس نرجس حصيلة نظر، والدفع بها خارجاً؟
تُرى، بالطريقة هذه، لو أننا مارسنا مسحاً تاريخياً لأكثر النصوص الأدبية تميُّزاً بعمق الإبداع، وثراء الدلالات، ومن ثم زهو الجمال، هل يمكننا استبعاد هذا الوجه الداخلي الجميل، وطاقته الروحية النابضة في الصميم؟
إن حديث الكاتب، وهو يعيش «نفاس» نص أدبي ما، يكون أكثر احتواءً بقواه الذاتية، وطلبَ يد العون الذي لا بد منه، من هذا المتجذر نرجساً/ نرسيساً، طالما أن فيه بصمته الخفية، والتمثيل الرمزي الأكثر حميمية لما يعنيه، ليطلق سراح هاتيك القوى مجتمعة، من خيال، تصوّر، تذكّر، وإدراك صوب المضمار المرسوم أمامه قرطاساً أو خلافه.
أليس سعي كاتب نصه الأدبي، كما في حالة اعتماد السرد الروائي بلسان الغائب، أو المخاطب، والذي يمكن تعقب خطوط تحركاته، بكامل هيئاته الجسمية، تنبيهاً لمن يعنى بأمره، وحتى بالنسبة إليه، على أنه مارس التفافاً على تلك البؤرة النفسية التي تكون محل اشتباه «النرجسية وطفحها»، كما لو أن له من صلة بما هو متداول أو يمكن أن يرمى بتلك «اللوثة»؟
إن حديث الكاتب، وبالتوازي معه، الناقد، عن صيرورة علاقة الكاتب بما يكتب، وفي فضاء الإبداع تحديداً، لا يدعو إلى الإصغاء إليه، والمصادقة على ما يتفوه به، أو يسطّره، ومن ثم منحه «براءة ذمة» مما هو نرجسي، وإنما ينشّط قوة مكاشفة في الذات عينها، وتولّي مهام البحث في بنية هذا الحديث، واستنطاق المغيب النرجسي في تضاعيف قوله.
ربما يحصل عكس المقصود أو خلافه، عند التركيز على وجود التحرر من فتنة النرجسية وتبعاتها «البغيضة» إذا أريدَ لهذا النص المكتوب، أو المرسوم فناً، أن يسلَم من المساءلة ووزْر النرجسية في الداخل!
أكان هوميروس، إزاء ملحمتيه «الإلياذة» و«الأوديسة» محرَّراً من وطأة النرجسية، عند تذكّر المتحدث عن كاتب النص الملحمي بأنه يسطّره من دون أن يعطي لأناه اعتباراً، كون الأحداث تأخذ مساراتها كما لو أنه غير موجود؟ في وضع كهذا، هل يعني ذلك أن الحالة النفسية للأعمى اليوناني المبدع كانت مجانبة لكل سمة نرجسية؟ أليس تعبيراً كهذا يخل بأهم أساس في الإبداع، وهو أنه لا يمكن لإبداع أن يتحقق دون استغراق معين، في الذات وتفجير قواها تبعاً للمحوَّل نصاً؟
أكان أبو العلاء المعري في «رسالة الغفران» طليقاً بعيداً عن كل رمية نرجسية، وهو يرسم عوالم مدهشة جرّاء قراءات ثقافية، وفكرية لتاريخ أدبي طويل لمجتمعه الذي حمله بين جنبيه؟ أليس من حق تحفة كهذه، أن يكون لـ«نرجس» هذا توقيع محفور، وبارز، على قدْر ما تفتقت عنه قريحته، وبصيرته، وهو يستشرف غده تخيلياً؟
أكان ليوناردو دافينشي وهو يتفنن إبداعياً في الرسم، مفارقاً، من حيث التقدير، وكفنان، لليوناردو في حياته اليومية؟ أي حدود يمكن تسميتها، أو تعيينها عند النظر في صلاته بما كان يرسم؟ لماذا لا نقول إنه بطريقته الفذة في فهم نفسه وقواها المختلفة كان فالحاً، وأيَّ فلاح، في استثمار تلك النرجسية «الأمّارة» بالجمال الديمومي ومصادقتها؟
وهل يمكن القول أن رجل أدب واسع المدى مثل ليو تولستوي، في « الحرب والسلام « والحدود الساخنة التي استطلعها أرضاً وسماء، جنوداً وقوى متقابلة، وحاجة كل ذلك إلى المعرفة الجغرافية فالتاريخية، كان أبعد ما يكون عن التأثر بسلطان نرجسي؟ أليس إجراء كهذا، ينسف مقولة الإبداع في منطلقه الشخصي أولاً، ويفقر المكتوب أدباً؟
وإن أخذنا مثالاً آخر، يخص مبدع «البحث عن الزمن المفقود» أي مارسيل بروست، وهي رواية لا تخفي صفتها السّيرية، وضخامتها وتعددية أجزائها، كيف يمكن النظر فيها، لحظة ربطها بمفهوم النرجسية؟ هل النرجسية بعمق أثرها مستولداتها، أم أنها في تكوينها الملحمي بقيت على تواصل عميق معها حتى الكلمة الأخيرة؟
ليكن هناك حديث عن المقدرة الأدبية الفذة لدى بروست عن تلك الإضافة النوعية في مسلكية السرد، وربط الأثر الأدبي بمجتمع كامل، وبجغرافية منطقة حملها في رأسه، وكما فصَّل فيها فالتر بنيامين (في كتابه حول بروست)، سوى أن الذي ينبغي ألا يُنسى هنا هو جانب الشخصية الأدبية والفكرية التي عرِف بها بروست، وجعل من مأثرة نرجس الأسطوري، حقيقة تحمل علامة فارقة من لدنه، كما لو أن نرجساً هو نرجسه، جرّاء تجذير خصوصية منفتحة؟
أو كان نجيب محفوظ في ثلاثيته مجرد محّرر تاريخ مجتمعي، ومؤدّي دور، إذ يحيل مصر النصف الأول من القرن العشرين وأبعد، إلى مجرد نص روائي يستغرق أمداء جغرافية وتاريخية، وبأبعاد مجتمعية ثلاثية؟ كما لو أنه قاطع كل صلة بـ«نرجسه» كالحبل المشيمي؟ أم تراه خلاف ذلك، حيث أن أعظم الإبداع هو في أوفى التصالح مع الذاتي؟
وإن اعتمدنا مثالاً يجلو ما هو ذاتي كثيراً، أي «كوابيس بيروت» لغادة السمان، مكاشفة لفظائع الحرب الأهلية اللبنانية في أواسط سبعينيات القرن الآفل، وفي كل لوحاتها المتوترة، والمتشظية، شأن لبنان ممثلاً في بيروت، أعلينا التأكيد على أن «كوابيس بيروت» لا تعدو أن تكون كوابيس غادة السمان، نسختها المتلبننة، بالطريقة التي أبدعت فيها؟
لعلنا لحظة الموافقة على ذلك نطوّح بمفهوم التاريخ الأدبي، ولا نبقي لدور الذات وتلك «النبتة» المؤسطرة أي اعتبار أو دور لدى من يبدع أو يمارس نشاطاً فكرياً أو فنياً أو حتى علمياً في المحصّلة. هنا أيضاً، يمكن للتمثيل النرجسي للذات أن يكون احتجاجاً لحالة الإقصاء الخارجية لها، وبالتالي، فإن التصاق الكاتب بنرجسيته في الحالة هذه ترجمة لوطأة الخارج المهدّد لفرديته، وهذا ما لا نجد له نظيراً في الغرب، حيث تكون النرجسية أكثر اعتدالاً لوساعة وسطه له.
وإذا كان هناك من إضاءة معينة لهذه العلاقة التليدة والتي يحملها الإنسان داخله مذ وجِد، فهي في بيان صورة النرجسية وكيفية إدارتها أو التعامل معها، وإبراز جانب الخلط الذي يحصل أحياناً، أو يشدَّد عليه، تجنباً للوقوع في محظور النرجسية وقد «انحرفت» أو «حرّفت» عن تلك الحقيقة التي تعلي من شأنها، أي حين يستحيل إيقاع بالذات في الآخر، وحيث تصبح الأنانية مدمرة لصاحبها قبل الغير… وهذا غير مأخوذ بعين الاعتبار عند النظر في موقع النرجسية بعائدها الفني، الفكري، والأدبي، كقاسم مشترك، والتفاوت فيها، بالتناظر مع اختلاف كل شخصية هنا وهناك.
نعم، سواء أدركنا أم لم ندرك، أو عرفنا أو لم نعرف، هو أننا نرجسيون، أو كائنات نرجسية، ونرجسياتنا مختارة هنا، وليس فينا من لا يهتم بما يحيط به، وحتى في نوعية المتع التي تخصه وسواه، وفي نوعية اهتماماته بالآخرين، وكل صلاته بالعالم الخارجي، وأن الثقافة بحمولاتها الاجتماعية، والسياسية والفكرية، هي التي تمنحها تلويناً، كما تضفي عليها قيمة معيارية معينة.
ولعلّي أجدني على صواب ما، وأنا أنطلق من تلك النرجسية التي تعنيني، وهو أن الجنايات النفسية أو الاجتماعية وتلك السياسية المرتكبة، وما فيها من «شطح» لا دخل للنرجسية فيها، ولا بأي شكل، وإنما من يريد التستر بها، أو التبرؤ من آثامه ومشاكله. إن حدود النرجسية هي حدود وعي المرء لنفسه، وأبعد منها، ربما أي شيء، والنرجسية منه براء!