بغداد ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي انتشرت فيه قوات الأمن العراقية، الجمعة، في ساحة التحرير، وسط العاصمة بغداد، فضلاً عن قطعها جسوراً حيوية تؤدي إلى المنطقة الخضراء، شديدة التحصين، حاول أنصار القوى السياسية الشيعية الرافضة لنتائج انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول، اقتحام المنطقة الخضراء في بغداد، من جهة الجسر المعلّق، وسط توجيه زعيم تحالف «الفتح» هادي العامري توبيخاً شديد اللهجة، للممثلة الأممية في العراق، على خلفية إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن، والتي دعمت فيها العملية الاقتراع ونفت حصول أي «تزوير»
ودأب جمهور القوى السياسية المنضوية في «الإطار التنسيقي» الشيعي، على الخروج بتظاهرات أسبوعية، أمام مدخل المنطقة الخضراء، في إجراء تصعيدي جاء بعد الاعتصامات المفتوحة.
ويرفض المحتجون النتائج التي جاءت بها الانتخابات، مطالبين بمحاكمة مفوضية الانتخابات وأعضائها بتهمة «التزوير والتلاعب» بالنتائج، فضلاً عن إجراء عدّ وفرز يدويين شاملين، أو إعادة العملية الانتخابية برمتها، حسب لافتات رُفعت عند موقع الاعتصام.
إغلاق جسور
وعلمت «القدس العربي» من مصادر متطابقة (صحافية وشهود) إن قوات الأمن بادرت بإغلاق جسور الجمهورية (المؤدي من ساحة التحرير إلى المنطقة الخضراء) والسنك والأحرار، واتخذت إجراءات أمنية مشددة عند مقتربات المنطقة الخضراء وساحة التحرير وجميع الطرق المؤدية لها.
ووفقاً للمصادر، فإن القوات الأمنية أغلقت جسر الجمهورية بـ«الحواجز الكونكريتية» منذ ليلة الخميس/ السبت.
ووثّق مدونون صوراً ومقاطع فيديوية تُظهر محاولة المحتجين اقتحام المنطقة الخضراء، من جهة الجسر المعلّق. وظهر المحتجون، وهم يسقطون الحواجز الكونكريتية الموضوعة عند مدخل الجسر، قبل أن تمنعهم قوات «أمن الحشد» من اقتحام المنطقة.
في الأثناء أيضاً، تجمّع المئات من المحتجين عند مدخل المنطقة الخضراء من جهة كرادة مريم، حسب صور ولقطات فيديو، أظهرت انتشاراً كبيراً لقوات الأمن، وهي تصطفّ أمام المحتجين.
وحرق المحتجون صوراً للممثلة الأممية في العراق، جينين بلاسخارت، بالإضافة إلى أعلام الولايات المتحدة الأمريكية.
وتوجّه المحتجون بطلب إلى الأمم المتحدة لتغيير ممثلتهم في العراق، فيما انتقدوا تلميحات أمريكا ببقاء قواتها في العراق.
وجاء في بيان «للجنة التنظيمية للمظاهرات والاعتصامات الرافضة لنتائج الانتخابات» أمس، إنه «لازالت مفوضية التزوير تماطل في رمقها الأخير، رغم ترنّحها حائرة وهي تتلقى الضربات اليومية التي تكشف حجم فسادها وإجرامها واستهانتها بمصائر ومستقبل العراقيين، والحال أن ثباتكم يضاعف إحراج المزورين جمعة بعد أخرى، والقضاء الشريف مستمر بحسم دعاوى الطعن، وكثيراً ما يقف إلى صف المشتكين وحقوقهم، والشركة الفاحصة أزاحت بتقريرها الضباب عن أعين من لم يرَ الحقيقة كاملةً، أما المأبونة طريدة هولندا المدعوّة بلاسخارت، فهي أفّاكة كذّابة وشريكة أساسية في مؤامرة تزوير الانتخابات».
وأعلن المحتجون، في بيانهم، إن «إيقاف جينين بلاسخارت عن التصرف كمندوب سامي على العراق وطردها من البلاد ومخاطبة الأمم المتحدة رسمياً بضرورة استبدال جميع كوادر ممثليتها في العراق، بات مطلباً شعبياً لا يمثل جمهور الرافضين لنتائج التزوير فحسب، بل يمثل جميع العراقيين».
«مواصلة الطريق»
وأضافت، اللجنة، في بيانها: «إننا، وفي جمعة الإباء، نعاهد دماء الشهداء التي روت هذه الساحات أن نواصل الطريق نحو استعادة أصواتنا المسروقة، ولن يثنينا قطع الجسور والطرق عن ذلك، واسألوا ميادين المواجهة مع الإرهاب والاحتلال يخبرونكم عن ثباتنا، ولأن هذا المنبر منبر حق وإباء، فإننا، ننتهز الفرصة لندين ونستنكر التصريحات الخرقاء لبعض مسؤولي دولة الشر الأمريكية المتضمنة إشارات لنيتهم البقاء في العراق وعدم الانسحاب، ونحمل حكومة الكاظمي الكذاب مسؤولية المواقف التي تأتي بخلاف مخرجات ما يسمى بالحوار الاستراتيجي التي تغنّى بها سبع الفيسبوك كثيراً واعتبرها نصرا دبلوماسيا فريدا» حسب قولهم.
وأشار البيان إلى أن «الأحرار والمظلومين في العراق ومن جميع الطوائف والتوجهات باتوا يرون في ثباتكم وإبائكم الحافز الكبير وطوق النجاة الآمن لهم، وأنتم أهلٌ لتقروا العيون وتثلجوا القلوب».
ويتزامن ذلك مع زيادة السخط «الشيعي» على موقف بلاسخارت، المؤيد للانتخابات، خصوصاً بعد الإحاطة التي قدّمتها الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي، مساء الأربعاء الماضي.
وأكد رئيس تحالف «الفتح» هادي العامري، لممثلة الأمم المتحدة في العراق، أن رفض نتائج الانتخابات جاء للحرص على المسار الديمقراطي.
وقال مكتبه في بيان صحافي، إن «رئيس تحالف الفتح استقبل في مكتبه في بغداد، ممثلة الأمم المتحدة في العراق جنين بلاسخارت».
العامري لبلاسخارت: حديثكِ عقّد المشهد ونسف الحل السياسي
ونقل عن العامري تأكيده خلال اللقاء أن «ما يهمنا ومن أولى أولوياتنا، هو استقرار العراق الأمني والسياسي، وقد بذلنا من أجل تحقيق ذلك كل أعمارنا وشبابنا في هذا الطريق، لذلك نرفض كل ما يزعزع أو يعرقل استقراره» مشيرا إلى أن «رفضنا لنتائج الانتخابات الأخيرة، جاء لاعتقادنا أن هذه النتائج كارثية وسوف تزعزع أمنه واستقراره وتنسف من الأساس أهم ركن من أركان المسار الديمقراطي، وهي صناديق الانتخابات».
واضاف أن «الرفض جاء من باب حرصنا الشديد على المسار الديمقراطي والتبادل السلمي للسلطة عبر صناديق الانتخابات، والذي هو حصيلة نضال وجهاد طويل للشعب العراقي ضد الدكتاتورية وقُدم فيه مئات آلاف من الشهداء والمفقودين والمعوقين».
وانتقد العامري، حسب البيان «موقف بلاسخارت من المفوضية العليا للانتخابات، ومدحها ودفاعها عنها، رغم الاخفاقات الكبيرة والكثيرة نتيجة إدارتها السيئة للانتخابات وعدم مصداقيتها وشفافيتها ومخالفاتها المتكررة للقانون».
«المندوب السامي»
وخاطب، العامري، بلاسخارت، قائلاً: «نحن لا نريد منك انتقادها علناً ولكن لا داعي لهذا المدح غير المبرر».
كما انتقد «إشادة بلاسخارت الكبيرة بالجانب الفني رغم الاخفاقات الكبيرة بالأجهزة» متسائلا: «هل عندما نقدم الطعون بالطرق القانونية والقضائية هو تهديد للمفوضية كما جاء في إحاطتك غير الموضوعية لمجلس الأمن».
وتابع وفقاً للبيان: «مع شديد الأسف، لم تتصرفي كممثلية للأمم المتحدة لمساعدة العراق في حل مشاكله حسب مهام البعثة، وإنما تتصرفين كمندوب سامي، وهذا ما نرفضه جملة وتفصيلا» مضيفاً: «نأسف لحديثكم غير الموفق والذي أدى إلى تعقيد المشهد الانتخابي، ونسف الحل السياسي».
لكن الممثلة الأممية علّقت على لقاءها بالعامري في تدوينة لها جاء فيها: «خلال لقائي برئيس تحالف الفتح هادي العامري، عبرنا عن أملنا أن تنظر المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والهيئة القضائية الانتخابية، باستقلالية بجميع الطعون». وحثت، بلاسخارت «الأطراف كافة على إيجاد حلول سياسية جادة وتشكيل حكومة شاملة تلبي تطلعات الشعب العراقي».
حذّر أمين عام «حركة العراق الاسلامية» شبل الزيدي، مما أسماه «الوقوع في فخ الأفعى» وذلك بعد ساعات على إطلاقه مبادرة من 14 نقطة لـ«معالجة المشكلات الخلافية».
وقال الزيدي، الذي يتزعم «كتائب الإمام علي» المنضوية في «الحشد» في «تدوينة» له، إن «تاريخ ممثلي الأمم المتحدة حافل بالأدوار الخبيثة في العراق، وحيث أن الجميع قد أصابته لدغة أممية منذ أيام (ستيفان دي ميستورا) ومن جاء قبله وبعده، فإن المنطق يستدعي التعامل بحكمة لتفويت مؤامرة إحداث الفتنة في العراق».
وحثّ على «إعادة إحياء المشروع العربي للتفاهم مع الأخوة الكرد على شكل العلاقات الوطنية وتنظيمها باطار دستوري ضامن لحقوق الطرفين، من أجل بناء عراق موحد مقتدر ونبذ الطائفية المقيتة التي دمرت البلاد» داعياً إلى «رفض الوجود لأي قوات أجنبية بكل اشكالها والعمل على تطهير البلد من وجودها نهائياً وبصورة مطلقة تحت أي عنوان».
وطالب أيضاً بـ«تجريم ومحاربة ومنع الانشطة الاستخباراتية التي تتدخل بشؤون البلد تحت أي شكل من الأشكال» لافتاً إلى «تعزيز وتنظيم القدرات الأمنية والعسكرية لقواتنا المسلحة لبسط اليد على كل شبر من أرض الوطن وتحديد مسؤولياتها وإنهاء المظاهر المسلحة خارج إطار الدولة».
كما دعا، في مبادرته إلى «تنظيم وتقوية وتشذيب وتعزيز قدرات الحشد الشعبي كواحدة من المؤسسات الأمنية، وإبعاده هو وجميع القوات الأمنية عن الملف السياسي» مشيراً إلى «إنهاء ملف النازحين بعودة كريمة لديارهم وتعزيز ثقافة التسامح والمصالحة الاجتماعية».
وأكد أهمية «تفعيل قانون الجريمة الالكترونية وتنظيم الإعلام» مطالباً بـ«إعادة النظر بقوانين وقرارات برايمر (الحاكم المدني الأمريكي السابق في العراق) وهيئاته التي عرقلت بناء الدولة».
وأشار إلى «إبعاد المحاصصة الحزبية عن مؤسسات الدولة من هيئات ووكلاء ومدراء عامين، ووضع ضوابط وسلّم وظيفي لترقي الأكفاء داخل المؤسسة وإبعاد الطارئين فيها» منوهاً إلى «إعادة النظر بطريقة العقود المبرمة وطرق الإحالة والذهاب إلى العقود والاتفاقات الدولية في إعمار البلد لمحاربة الفساد وتقليص دور الاقتصاديات وإنهاءها».
وحثّ أيضاً على «استقطاب الكفاءات والعقول وإعادة ترصيد القطاع العلمي والتعليمي» فضلاً عن «تفعيل قانون حماية المنتج والمستهلك بشقيه ودعم المنتج الوطني وضبط الحدود والمنافذ والعائدات الجمركية والضريبية مركزياً».
وشدد على «الاتفاق على السياسات الخارجية وضبطها وضبط مؤسساتها وخطابها وآليات العمل فيها والانفتاح على المجتمع الدولي» داعياً إلى «بناء اقتصاد عراقي قوي وموازنات قطاعية تعيد الحياة إلى الدورة الاقتصادية لزيادة الناتج المحلي من خلال سلسلة من الإجراءات الحكومية التي تصب في مصلحة الانسان العراقي الذي يمثل القيمة العليا في المجتمع لضمان تعليمه وصحته وعدم إغراق المجتمع في الفوضى الاقتصادية والسياسية».