نشوء وارتقاء دولة الراي في الجزائر

حجم الخط
0

يصلح أن نشبه بدايات موسيقى الراي ببدايات موسيقى الريغي، الاثنان خرجا من أشكال تعبيرية سابقة لهما، صعد نجماهما في عالم ثالث متقلب زمن حرب باردة، كما أنهما اتخذا من البيئات الاجتماعية الهشة مكاناً لهما، تطورا في الهامش، لا في بلاتوهات التلفزيون أو في الاستديوهات المؤثثة، الراي مثل الريغي هما لغتا شعبين، حبوا من الاستعمار إلى التحرر، نالا استقلالهما في العام نفسه (1962) حررا أرضهما واستكملا طريقهما في تحرير أشكالهما التعبيرية، اتخذا من الموسيقى بياناً لهما، في إثبات وجودها إزاء الآخر، الأجنبي، الرجل الأبيض، أو المحتل القديم.
أهم شيء يثبت خصوصية الراي، كونه نمطاً فنياً موحداً، جامعاً، إنما هو اتكاله على الموروث الشعبي، لم يأت من باب قطيعة، وليس لحظة طارئة في التاريخ الجزائري، إنما هو تكريس لأزمنة سابقة من أشكال موسيقية وأدبية سبقته.
من السهل مقاربة الراي، إذا اكتفينا بنظرة عامة ترصده من أعلى، إذا اقتصرنا على زمن تحوله إلى سلعة، بداية من منتصف ثمانينيات القرن العشرين، والتعامل مع المواد المتاحة بدءاً من تلك الحقبة، من ألبومات أو حفلات أو مهرجانات، لكن مسيرة هذا الفن لها جذور أخرى، إنها تعود إلى بداية القرن العشرين، إلى زمن لم يكن فيه تسجيل ألبوم أو أغنية في استديو أمراً سهلاً، ولا الحفلات أو المهرجانات كانت مكرسة حينذاك، بالتالي فإننا سنرتكز على هذا التاريخ القديم صعوداً إلى تواريخ أحدث، في تعقب حياة الراي، منذ أن كان عديم الاسم، قبل أن يصير الاسم الألمع ليس في الجزائر وحدها، بل في المحيط المغاربي إجمالاً.
مع مطلع الاستقلال، سعت الدولة الفتية ساعتها إلى ترسيخ نمط ثقافي واحد، يتماهى ومنطق الحزب الواحد، نمط ثقافي يُبارك السلطة، دون أن يحيد عن خطها، وتكرس ذلك في نوعية الأغاني التي أسرفت الإذاعة الوطنية في تسجيلها وبثها، في جلها أغانٍ وطنية قومية، أو من الموروث أو مدائح دينية، بالتالي فقد بدا الراي مثل طفرة، مثل بقعة زيت في مستنقع ماء راكد، لم يلق بطبيعة الحال ترحيباً، بل هناك من سعى إلى محوه، ليس بحجة إمعانه في مديح الهامش والحياة اللامرئية للجزائريين، بل من باب أنه لم يساير النهج العام، كان أشبه بابن عاق، لم يلتزم مكاناً في صف المرافعة من أجل السياسة العامة، مفضلاً المرافعة من أجل المسحوقين، المنسيين، أبناء الشعب، الذين لم يكن يصلهم ميكروفون الإذاعة ولا كاميرا التلفزيون، وُصف الراي بالغناء المنحل، ونال مغنوه نصيباً لا بأس به من الأوصاف الذميمة، لا أحد كان مهتماً بسماع همومهم في التلحين وفي دمج ضروب جديدة في الموسيقى الجزائرية، بل ساد التركيز كله على طبيعة كلمات أولئك المغنين، على نصوصهم الغنائية، بحكم أنها لم تندرج في باب التغني بحرب التحرير، ولا برموزها، فقد قابلها جفاء ومنع، ودام الأمر عقوداً قبل أن يفهم الناس أن الموسيقى ليست ناطقاً باسم السياسة، بل من شأنها أن تصير معارضة لها كذلك.

مطلع الألفية الثالثة برز جيل من مغني الراي، ساهم في توسع دائرة الأحكام المسبقة، منحازاً إلى اللهاث خلف المكاسب المادية وسبل الشهرة السريعة، من خلال إثارة مواضيع «حساسة» وفق لغة صريحة ومباشرة، تفتقد أغانيهم إلى اشتغال موسيقي، مع الاعتماد على استعادة وتكرار أو سرقة ألحان فنانين آخرين.

منتقدو الراي لم يحملوا نوايا حسنة، فالوثائق التاريخية تتفق على أن بزوغ الراي بدأ من جلسات عائلية، وحفلات الزفاف في غرب البلاد، ما يعني أنه خريج تفكير اجتماعي محافظ ومتزن، حيث نشير هنا إلى الدور المهم الذي لعبته نسوة في نشوئه، على غرار زهرة بن عودة، عيشة الوهرانية، خيرة قنديل، وماما العباسية، اللواتي شكلن حلقة الجيل الأول من الشيخات، اللواتي ساهمن في الحفاظ على الإرث الوهراني، الذي انبثق منه في وقت لاحق الراي. كما أن أولى نجاحات الراي قامت على استعادة نصوص شعراء شعبيين معروفين وذوي سمعة، على غرار نصوص الشيخ والولي الصالح سيدي لخضر بن خلوف، مصطفى بن براهيم، بن مسايب وغيرهم. كما تثبت شهادات بعض مغني الراي الأوائل توجههم صوب فضاءات الراي، وفق قناعة ومبتغى خدمة الموسيقى، وليس بغية خدش الأخلاق العامة، كما ساد الاعتقاد، حيث تذكر الشيخة الجنية: «الغناء خبزة أولادي. أغني كي أوفر نفقات تربيتهم، أنا، قبل كل شيء، ومهما يقول الكثيرون عني، مسلمة». وتذكر الشابة الزهوانية، في السياق عينه: «أنا أم خمسة أولاد، أسهر على تربيتهم. لن أتوقف عن الغناء ما دمت أغني عن الحب وعن القضايا الاجتماعية وليس عن السياسة». مع ذلك، لا ننفي وجود مغنين نحوا صوب بقعة «ابتذال» بعض التابوهات، لاسيما في ما يتعلق بمسائل العلاقات بين الرجل والمرأة، مراودة القاصرات، وتدخين الحشيش، ما ألزمهم الارتباط، في أذهان العامة، بصفات منبوذة، في مجتمع ذي غالبية مسلمة سنية.
مطلع الألفية الثالثة برز جيل من مغني الراي، ساهم في توسع دائرة الأحكام المسبقة، منحازاً إلى اللهاث خلف المكاسب المادية وسبل الشهرة السريعة، من خلال إثارة مواضيع «حساسة» وفق لغة صريحة ومباشرة، تفتقد أغانيهم إلى اشتغال موسيقي، مع الاعتماد على استعادة وتكرار أو سرقة ألحان فنانين آخرين، بالاستناد إلى جملة أو جملتين في كلماتهم من شأنهما جذب انتباه المتلقي، متناسين وقعها وتبعاتها على نفسية الناس، في وقت كان فيه مغنو الجيلين الأول والثاني، أمثال الشاب نصرو والشابة فضيلة، يواصلون السير في المسار نفسه الذي انطلقوا منه، والأهداف ذاتها التي أعلنوا عنها في البداية، المتمثلة في محاكاة يوميات الفرد وسرد المشاكل الحياتية وطرح سبل الخروج من دائرة القنوط. أثارت جملة الانطباعات والمواقف المتناقضة إزاء موسيقى الراي كثيرا من سوء الفهم بين مغني الراي أنفسهم، ما أدى إلى بروز صراعات في ما بينهم، حيث لم يتوانَ بلقاسم بوثلجة، المحسوب على الجيل الأول، عن القول قبل وفاته: «المستوى الذي بلغته الأغنية الرايوية في السنوات الأخيرة مستوى مؤسف ويدعو إلى الحسرة». كما وجبت الإشارة إلى بلوغ أصحاب المواقف السلبية تجاه الراي بعض أغراضهم، التي تجسدت فعلا في اعتزال مغنين مهمين، الفن على غرار اعتزال الشاب جلول.
يفسر الشاب صحراوي أسباب اتساع حالات سوء الفهم وعدم تقبل أغاني الراي بين بعض الأوساط الاجتماعية، والسياسية كذلك، بفرضية فشل المتلقي في الفصل بين شخصية المغني الحقيقية ومواضيع الأغاني التي يؤديها، حيث غالبا ما صار المغني يجد نفسه ضحية أحكام تسير وفق الكلمات التي يلقيها على مسامع المتلقين، ما حتم عليه تقبل صفات «السكير» أو «مدمن مخدرات» أو «سيئ الأخلاق».
لقد استفاد الراي، بدءاً من نهاية السبعينيات، من عوامل خارجية، لاسيما اندماجه مع أنماط موسيقية غربية أو عربية، مثل البوب، الممثل بالدرجة الأولى في فرقة «بيتلز» إضافة إلى تزامن انتشاره مع بروز ظاهرة «الكاسيت» حيث تشير الأرقام إلى أن عدد أشرطة الكاسيت المصرح بها في الجزائر عام 1977 بلغ 17.000 لينتقل عام 1983 إلى 4 ملايين، فقد ساهم النجاح الجماهيري، الذي عرفته تلك الموسيقى في بروز العديد من دور الإنتاج المختصة، التي تركز وجودها على الناحية الغربية من البلاد، وانتقل عددها بين عامي 1982 و1983 من 64 داراً إلى 120 دار، أما اليوم فلم تعد توجد سوى ثلاث شركات إنتاج تعمل بانتظام، بعدما انتقل التسجيل من الاستديوهات إلى الديجيتال على الإنترنت، ودخل الراي عصراً جديداً، في «يوتيوب» ومنصات أخرى لا في أشرطة الكاسيت أو في الأقراص المضغوطة.

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية