ماهر الشريف في «المشروع الوطني الفلسطيني»: المطلوب توحيد المواقف الفلسطينية وعدم الانصياع لسياسات تشجع الانقسامات

سمير ناصيف
حجم الخط
0

كلما مرَّ الزمن، منذ عام 1948 يتبين بأن المشروع الوطني الفلسطيني لتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني بعد ما تم الاستيلاء على أرضه وحقوقه، يتعرقل بشكل أساسي بسبب خلافات سلبية مفتعلة بين قيادات منظمات المقاومة الفلسطينية وبتشجيع من أصحاب السلطة في الأنظمة العربية التي تدّعي بانها دعمت، وما زالت تدعم، الفلسطينيين لتحقيق أهدافهم المشروعة في بلدهم، ومن جانب الدول الأجنبية الداعمة لإسرائيل. ويعلم الخبراء في هذا المجال بأن المطلوب لتحقيق أي نتائج فعلية ومفيدة في هذا الحيز هو توحيد المواقف إلى أقصى الدرجات والمستويات وإفشال سياسات دعم الانقسامات بين الفلسطينيين.
صدر مؤخراً، حول هذا الموضوع، كتاب لماهر الشريف، رئيس وحدة الأبحاث في «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» في بيروت، وهو كاتب عمل في مؤسسات أبحاث أخرى وأصدر كتباً ومقالات عن الفكر السياسي الفلسطيني وتاريخ الفلسطينيين وحركتهم الوطنية.
من أهم الأمور التي وردت في هذا الكتاب والتي أدرجها الكاتب بشكل خاص في الفصول الثاني والخامس والسابع من كتابه، كان أن محاولة دخول الجيوش العربية إلى فلسطين بعد اندلاع حرب 1948 كانت محاولة سلبية وخاطئة أضرت بمصالح الفلسطينيين، لأنها أفادت خطة التقسيم البريطانية للبلد ودفعت إلى عملية تهجير المنظمات الصهيونية المتطرقة لأعداد ضخمة من الفلسطينيين (القسم الأعظم منهم) وتحويل فلسطين إلى ثلاث مناطق، الأولى استولت عليها إسرائيل، والثانية الضفة الغربية التي أصبحت جزءاً من الأردن، والثالثة غزة التي صارت جزءاً من مصر. وهذا مشروع خططت له المنظمة الصهيونية العالمية ودعمته بريطانيا بشتى السبل حسب الكاتب (ص 51).
وقد تحفّظ الرئيس المصري جمال عبد الناصر، في رأي الشريف، على دعم مصر للفلسطينيين بمفردها ومن دون مشاركة عربية في أواخر خمسينيات القرن الماضي وحتى خلال الوحدة بين مصر وسوريا (ص 54).
ويشدد المؤلف على أن حصول خلاف بين القيادة المصرية عبد الناصر، والقيادة العراقية عبد الكريم قاسم، آنذاك أضرّ كثيراً بمشروع تولي الفلسطينيين زمام شؤون قضيتهم قبل وبعد مؤتمر شتورا في لبنان في عام 1960 لوزراء الخارجية العرب في هذا المجال وما تبعه في السنوات اللاحقة، وحتى سقوط قاسم (ص 57).
في الفصل الخامس يؤكد الكاتب أن إسرائيل أفشلت مبادرة أمريكية بقيادة الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر في تشرين الأول (أكتوبر) 1977 كادت أن تحقق تسوية شاملة للقضية الفلسطينية بموافقة «منظمة التحرير الفلسطينية». وأدى فشل هذه المبادرة إلى قيام الرئيس المصري أنور السادات بزيارته إلى إسرائيل في تشرين الثاني (نوفمبر) 1977 ثم توقيعه على اتفاقية كامب ديفيد في 17 أيلول (سبتمبر) 1978 مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغين مُسقطاً الرهان الفلسطيني على التسوية السياسية العادلة. ولكن حتى في تلك الاتفاقية، أصر السادات على بقاء القدس الشرقية عربية ـ فلسطينية فيما عارض بيغين ذلك (ص 176 ـ 177).
في الفصل السابع يقول الكاتب إن تسلّم أنور السادات السلطة في مصر ساهم في عودة «حركة الإخوان المسلمين» إلى الساحة السياسية الفلسطينية، وخصوصاً في غزة، ما أدى إلى نشوب مواجهة مع التيار العلماني في حركة «فتح» وفي «منظمة التحرير الفلسطينية» (ص 213) وهذا أمر استفادت منه إسرائيل ونشأت حركة «حماس» في منتصف كانون الأول (ديسمبر) 1987 ثم مدت نشاطها على الضفة الغربية عام 1988 ونفذت عمليات مسلحة ضد أهداف إسرائيلية معطلة أي مبادرات تفاوضية سلمية بين منظمة التحرير مع إسرائيل بإشراف ودعم أمريكي. كما عارضت منظمة «حماس» مشروع الرئيس ياسر عرفات بإنشاء الدولة الفلسطينية المؤقتة بانتظار السيادة الفلسطينية الكاملة على الضفة وغزة (ص 213).
ويتحدث الفصل السابع أيضاً عن مؤتمر مدريد، الذي عُقد في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1991 بإشراف الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر وحلفائهما بمشاركة الاتحاد السوفييتي تحت قيادة ميخائيل غورباتشوف وممثلين عن الفلسطينيين (ليسوا منتمين مباشرة إلى منظمة التحرير الفلسطينية) وقد صدرَت عنه «مقررات عادلة» بينها أن القدس الشرقية هي مدينة عربية ووقف الاستيطان ومرور مرحلة انتقالية قبل الاتفاق على جميع القضايا (ص 220). ولكن إسرائيل، بقيادة إسحق شامير، لم توافق على تلك القرارات، ما أدى إلى فوز حزب العمل الإسرائيلي في الانتخابات الإسرائيلية في حزيران (يونيو) 1992 وبالتالي تألفت حكومة إسرائيلية بقيادة إسحق رابين بالتحالف مع حزب ميريتس وتناغمت مع قرارات بوش الأب وبيكر. ولكن بوش الأب خسر الانتخابات الرئاسية الأمريكية أمام بيل كلينتون في نهاية عام 1992. وبرغم ذلك وقع ممثل عرفات المسؤول الثاني محمود عباس (أبو مازن) مع شمعون بيريز، وزير خارجية إسرائيل، اتفاقاً اعترفت بموجبه «منظمة التحرير» بإسرائيل وبنبذ الإرهاب، كما اعترفت من خلاله إسرائيل بالمنظمة ممثلاً للشعب الفلسطيني.
ووافق الجانبان على قراري الأمم المتحدة 242 و338 وعلى إقامة سلطة انتقالية فلسطينية في الضفة الغربية وغزة وقررا بحث القضايا الأخرى العالقة لاحقا، كقضايا المستوطنات وعودة اللاجئين والترتيبات الأمنية وانسحاب إسرائيل وتشكيل لجان ارتباط (ص 228 ـ 229).
هذه الوقائع تعرفها أكثرية الشعب الفلسطيني وقياداته، ومن محدودية هذا الكتاب انه لم يتطرق إلى شجب ما حدث في العقود اللاحقة بالنسبة إلى هذه القضايا المصيرية. وظهرَ المؤلف وكأنه باحث مهمته فقط أكاديمية وليس من شأنه إصدار الأحكام على ما جرى بعد اتفاقيات أوسلو وما يجري حاليا! فالموضوعية في البحث هي مطلوبة عموماً ولكنها ربما لا تتناسب مع مواقف العديد من الجهات الفلسطينية المقاومة حاليا والتي تقدّم الشهداء والضحايا بشكل مستمر في سبيل عدم السماح لإسرائيل بالمزيد من التنكيل بالشعب الفلسطيني ولا باستخدام اتفاقيات أوسلو لتحقيق هذا الهدف المريب بدعم إقليمي ودولي متخاذلين ومنحازين.
في الفصل الأخير بعنوان: «استخلاصات» يستنتج المؤلف بان الحركة الوطنية الفلسطينية عجزت عن تحقيق أهدافها لسببين، أولهما لاختلال ميزان القوى ضد مصلحتها في صراعها مع الحركة الصهيونية، والثاني بسبب الاستراتيجيات التي اعتمدتها لبلوغ أهدافها، وانقساماتها. ولعله لا يكفي أن يركز الشريف على الانقسامات بين حركات التحرير الفلسطينية فحسب بل كان من المفيد أن يتطرق أيضاً إلى خيانة بعض الأنظمة العربية (وخصوصاً الخليجية منها) واتجاهها إلى التطبيع مع إسرائيل بقيادة حزب الليكود وزعيمه بنيامين نتنياهو وعرّابه رئيس الجمهورية الأمريكية السابق دونالد ترامب، من دون أي مقابل.
وتُطرح أسئلة حول لوم المؤلف للقيادات الفلسطينية لعدم قبولها ما طُرح عليها من جانب القوى الفاعلة في العالم في المراحل المختلفة من تاريخها وتأييده لتوجه القيادة الفلسطينية الحالية الرامي إلى تحقيق بعض أهدافها المرحلية عبر دعم عربي خليجي ودولي ترى فيه جهات فلسطينية اختارت المقاومة تخاذلاً وانصياعاً لمشيئة إسرائيل وحلفائها وعرابيها ممن يفرضون المقاطعة والعقوبات ضدها!
لا يوجد في هذا الكتاب أي تناول أو عرض مفصّل وموسع لقضية استغلال الحكومات الإسرائيلية الليكودية المتطرفة، وخصوصاً بقيادة بيغين وشارون ونتنياهو، للخلافات بين القيادات العلمانية للجهات الفلسطينية والقيادات التي إعتنقت التوجه الإسلامي المقاوم واعتبرت بان مواجهة إسرائيل الفاعلة تتطلب القوة العسكرية الملتزمة عن طريق التحالف مع الدول الإقليمية التي تساهم في مثل هذا التوجه. كما لا يوجد في الكتاب شجب لدعم الدول العظمى كأمريكا وروسيا والصين وبريطانيا لإسرائيل وحلفائها في المنطقة ولاستمرار تعدياتها على الشعب الفلسطيني.
جلّ ما يراه المؤلف هي واقعية قيادة حركة «فتح» في فترة زعامة الرئيس الراحل ياسر عرفات والرئيس الحالي محمود عباس والقوات المتحالفة معها في الداخل وفي الإقليم العربي عموماً. وان أكثر ما في الإمكان تحقيقه في هذه المرحلة (حسب الشريف) هي دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة على علاقة ممتازة مع فلسطينيي 1948 المقيمين في الكيان الإسرائيلي ومع فلسطينيي الشتات كما من المسموح به دولياً وإقليمياً.
ولكن هذا الطرح والخيار الموجود في كتاب ماهر الشريف بشكل غير مباشر (ومباشر في بعض الأحيان) طُرح التساؤلات حوله من قِبل منظمات فلسطينية مقاومة بالسلاح والدم ومدعومة من الشعب الفلسطيني وشرائح كبيرة من الشعوب العربية ومن أنظمة إقليمية في المنطقة ومن ملتزمي حقوق الإنسان في العالم.
ربما يعتبر المؤلف بان تدخل مثل هذه الأنظمة الإقليمية والعالمية قد يشبه تدخل الأنظمة العربية لدى محاولتها عام 1948 دعم المواجهة الفلسطينية للمشروع الصهيوني في فلسطين المدعوم من الاستعمار!
وقد يعترف الكثيرون بان تدخل الدول العربية العسكري آنذاك لم يكن فاعلاً، ولكن الذهاب إلى موقع يعتبر فيه الكاتب بأنه أضر بمصلحة الفلسطينيين، وبأنه حقق أهداف الصهيونية والمستعمر البريطاني فيه قدر من المبالغة! فماذا كان المطلوب؟ وما هو المطلوب حالياً؟ أهو ألا تتدخل الدول العربية والإقليمية لدعم القضية الفلسطينية ضد المشاريع الصهيونية والدولية ولمواجهة داعميها بحجة أن يُترك القرار في الشأن الفلسطيني إلى الفلسطينيين وحدهم وبمفردهم معزولين عن العالم؟
وهل التركيز على الوجه العربي من دون الدعم الإقليمي والعالمي للقضية الفلسطينية سيؤدي إلى نتائج مثمرة إلى درجة أكبر، أو على نزاعات طائفية دينية وأثنية عربية ـ فارسية غير مثمرة؟ هذا سؤال يجب طرحه من جانب القيادات الفلسطينية بشكل موضوعي ومعمق في المرحلة المقبلة.

ماهر الشريف: «المشروع الوطني الفلسطيني ـ تطوره ومأزقه ومصائره»
مؤسسة الدراسات الفلسطينية بيروت، 2021
370 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية