«ما غريب إلا الشيطان»!
يدهشك شيئ فتقول: «غريبة» ليكون الرد المصري المناسب: «ما غريب إلا الشيطان» لاسيما إذا كان الأمر لا يستدعي كل هذه الدهشة التي ترتسم على الوجوه ويتم التعبير عنها بالقول: «غريبة»!
وبناء عليه فإن الانتشار الواسع لما يسمى بمطربي المهرجانات، ليس غريباً، فالغريب حقاً هو الشيطان، ليس ـ فقط – لانتفاء الغرابة عن هذا النجاح، لكن لحضور الشيطان الرجيم في التفاصيل، فالفن، بطبيعته، عنوان للمراحل التاريخية، وعندما كانت الآمال السياسية عريضة، عرفت مصر أم كلثوم، وعبد الوهاب، وفريد الأطرش، ثم في مرة لاحقة، كانت فايزة أحمد، ونجاة، ثم علي الحجار ومنير، واحتفت بأصوات وافدة كفيروز، احتفاءها بليلى مراد وفريد وغيرهما من المتمصرين، كما احتفت بالصوت الذهبي للمغربية عزيزة جلال، وعندما ظهر في مرحلة وسيطة «أحمد عدوية» لم يطرد العملة الجيدة بقدر ما كان تعبيراً عن مرحلة الانفتاح الاقتصادي الذي وصفه أحمد بهاء الدين، بـ»انفتاح السداح مداح» وكان تعبيراً عن مرحلة صعود طبقة طفيلية تخطت الرقاب، وصارت بالمال الحرام في القمة، ففرضت ذوقها، لكنها لم تنجح في تغييب الطرب الأصيل!
بيد أن السقوط السياسي مكتمل الأركان، لابد أن يفسد الذوق العام، فكان من يُطلق عليهم مطربي المهرجانات، حيث بدا إفساد الذوق هدفاً استراتيجياً للاستبداد، فكانوا عنواناً للمرحلة، وحدث تبادل منافع بين الظاهرة ومن يعتمدها، فالمرحلة لم تمتنع عن الاحتفاء بهم وافساح المجال لهم، واندفع إعلامها يستضيف هذه «التفاهات» وهذه الركاكة في الأسماء، والكلمات، والألحان، فكانت مرحلة حمو بيكا وإخوانه، في الحكم وفي الإعلام وفي كل مجالات الحياة. في مقابل عملية الإفساد سالفة الذكر وتسفيه كل قيمة حقيقية!
وإذا كان من الطبيعي في المجتمعات الكبيرة، مثل المجتمع المصري، أن توجد مثل هذه الظواهر الشاذة، إلا أن «الشيطان» يتمثل في الاحتفاء بها، وتقديمها، بل والدفاع عنها، وتسهيل مهمتها في أن تكون تعبيراً عن المجتمع، وعنواناً لمرحلة، بدلاً من أن تكون على هامش هذا المجتمع!
السلطة والدستور:
إن الإعلام الذي تملكه السلطة في مصر، وتديره إدارة كاملة، هو من يدعم هذه الظواهر، من الخلف ومن الأمام، ولا غرو، فإذا كان البعض لا يستطيع تبين الخيط الأبيض من الأسود، فيكفي النظر إلى تبني سلطة الحكم لمحمد رمضان بكل ما يمثله من عشوائية وتفاهة، والنفخ فيه ليكون نجم المرحلة، والرمز الفني الكبير، وعندما بدأ الهجوم على هذه الظاهرة، حضر إبراهيم عيسى في قناة تلفزيونية مملوكة للأجهزة الأمنية، مدافعاً شرساً، مؤكداً أن من يطالبون باتخاذ موقف تجاه مطربي المهرجانات يخالفون الدستور، ومبتزاً بأن من يطلب بذلك إنما هم سلفيون يحرمون الفن والغناء!
لقد استبيح الدستور المصري على يد سلطة الانقلاب العسكري، في كثير من نصوصه، ولم يحرك ساكناً لدى «مذيع الأجهزة» الذي تتبناه السلطة، كما يتبناه الأمريكان، وسبق رجل الأعمال نجيب ساويرس الجميع في التبني، ويكفي أن نعلم أنه الوحيد المسموح له بتقديم برنامجين أحدهما في قناة «الحرة» والثاني في قناة من قنوات أهل الحكم، ولم تطلب أي من القناتين منه التفرغ وهو بديهي!
ومع هذا، فلندع استباحة السلطة للدستور جانباً، فماذا في الدستور يمثل حصانة لهذه العشوائية التي يمثلها مطربو المهرجانات؟ إلا إذا كانت النصوص التي تؤكد على قيام الدولة بحماية الإبداع والفنون، ليقودنا هذا إلى سؤال وأين الإبداع والفن، لتكفل الدولة حمايته؟!
هذا فضلاً عن أن هذا الانحطاط باسم الفن والإبداع، لا يقف ضده السلفيون بل من المنطق أن يقوموا بدعمه، لأنه يمثل قيمة مهمة لهم في تأكيد موقفهم المعارض للفن، والمؤكد على حرمة الغناء!
دعك من المذكور الذي هو أسير لمنهج دراسي واحد، فلا تعد أمامه الا أسطوانة مشروخة يرددها في كل معركة فعندما دفعوا به للهجوم على مشجعي النادي الأهلي، وصفهم بأنهم إخوان مسلمين، في مواجهة السلفيين الذين يمثلهم مشجعي نادي الزمالك، فهو كأعور في جزيرة من العميان، وهو يدرك أنه بحضور نشأت الديهي وإخوانه، من الأبواق الإعلامية، يمثل المتعلم الوحيد في القرى قديماً، والذي كانت وظيفته قراءة الخطابات التي يرسلها المسافرون إلى أسرهم!
اللحن شيماء:
ولنذهب إلى ما فعله شريف عامر، المذيع الذي سبق له تقديم فقرات بحضور عبد الفتاح السيسي نفسه، وقد استضاف المطرب الأصيل «يوسف سوسته» صاحب اللحن الأوبرالي «شيماء» وفي حضور اثنين من مفكري المرحلة، ليقدم هذه الشخصية المحورية للرأي العام!
«سوسته» انطلق ينادي في الشوارع على «شيماء» قبل أن يتبين أنها بطة، وإذا كان الفيديو قد وجد مشاهدين بالملايين، فان الشيطان لا بد وأن يكون حاضراً بعملية الترويج له، وهو من يقف وراء تحوله إلا «هاشتاج» ثم إن هناك فيديوهات أخرى تتجاوز مشاهدتها هذه الأرقام فلماذا لا تكون كثافة المشاهدة مبرراً لاستضافة تلفزيونية كما تفعل قنوات الأجهزة الأمنية مع مطربي المهرجانات، وكما فعل شريف عامر «مذيع المرحلة» مع «سوسته»؟!
لقد ظهر «شريف» غاضباً لرد الفعل الساخر من هذه الاستضافة، وخرج عن شعوره بالقول إن له الحق في أن يستضيف في بيته من يشاء، وهو أمر مضحك حقاً، فلأول مرة نعرف أن الاستوديو هو بيت المذيع، وكأن بيته الحقيقي متاحاً للمشاهدين.
إنه رد فعل عصبي لمن يدرك أنه ارتكب عملاً مستهجناً، لأنه مسير لا مخير، ومن يديرون الإعلام عبر رسائل «سامسونج» هم وراء تبني الانحطاط بهدف إفساد الذوق العام، فعندما تعيش الشعوب في التفاهة يمكن لأي مستبد ان يقودها!
إن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لا تقدم القنوات التلفزيونية التابعة للسلطة في مصر، الأصوات الحقيقية، والفن الراقي، ولماذا لا تتبنى السلطة المواهب الحقيقية تبنيها لمحمد رمضان وحمو بيكا؟ ولا يمكن الرد بأنها اندثرت، فلو تبنت وزار الثقافة أو أي محطة فضائية مسابقة لأصحاب هذه المواهب، لتدافع الآلاف من كل المحافظات، بل إن مشواراً للأوبرا سيكشف عن مواهب مدفونة فيها، يتجاهلها الغريب وهو الشيطان، عامداً متعمداً.
فليس غريباً أن يتجاهلوا هذه الأصوات ويحتفوا بكل ناعق بحثاً عن شيماء، فما غريب إلا الشيطان.
أرض – جو:
لا قيمة حقيقية لجوائز العرب في الأدب وفي الطرب والصحافة، وليست جائزة الصحافة العربية بعيدة عن هذه القاعدة بل في قلبها، وعندما يقع الاختيار على «عماد أديب» شخصية العام الإعلامية، فأعلم أنها ليست إلا مكافأة نهاية الخدمة، ولو وقع الاختيار عليه قبل عشر سنوات ربما كان لذلك مبرراً؛ عندما كان «عماد» يعمل في المجال، ويملك صحفاً، ولا يجوز القول إنه تكريم على سابقة أعماله، فليس فيها ما يستحق التكريم، فقد أصدر صحفاً وأغلقها، وشرد صحافيين وإعلاميين، وملفه في نقابة الصحافيين المصرية متخم بشكوى أصحاب الحقوق من زملائه، والتي لم تجد أمامها من سبيل إلا أن تشطب عضويته فيها.
لا بأس إن كانت مكافأة تقاعد، فكل المؤسسات الكبرى تفعل ذلك!
صحافي من مصر