لندن ـ «القدس العربي»: الدوري الإنكليزي لكرة القدم هو أقدم دوري في العالم إذ ظهر إلى الوجود عام 1888 وظل مع مسابقة كأس إنكلترا التي سبقته إلى الظهور بستة عشر عاماً أنموذجاً يحتذى للمسابقات المحلية في العالم أجمع بكل ما يحملانه من تفاصيل دقيقة وتقاليد عريقة.
وعندما أعيد تكوين المسابقة عام 1992 تحت مسمى الدوري الإنكليزي الممتاز، زادت هذه الخطوة الجريئة في رفع قيمة الدوري بسبب الصفقات الخيالية من حقوق البث التلفزيوني ليصبح الدوري الانكليزي الممتاز الأكثر مشاهدة في العالم والأكثر ربحا والأكثر تشبثا بالمركز الأول طيلة السنوات الخمس الأخيرة في ترتيب الاتحاد الاوروبي لكرة القدم للدوريات من حيث الأداء.
هذه الأفضلية التي توارثها الانكليز ويفخرون بها جيل بعد جيل حالت دون شك في أي انفتاح من جانبهم على العالم الخارجي، فليس غريبا انهم مشهورون بكونهم أشد المحافظين في العالم على التفاصيل والتقاليد.
وهذا ما يجرنا هنا للحديث عن مجال التدريب الذي ظل بابه مغلقا في وجه المدربين الأجانب لمدة 121 عاما بالنسبة للمنتخب حيث عين السويدي زفن غوران ايريكسون كأول أجنبي لمنتخب الاسود الثلاثة عام 2001 واستمر لغاية 2006 فيما كان الايطالي الشهير فابيو كابيلو ثاني مدرب أجنبي بين عامي 2007-2012.
أما بخصوص الدوري، فالحظر استمر بين عامي 1888 تاريخ انطلاق أول دوري و 1990 موعد قدوم أول مدرب من خارج بريطانيا وايرلندا وهو السلوفاكي جوزيف فينغلوس الذي تولى تدريب آستون فيلا،
ومع تغيير مسمى المسابقة الى الدوري الانكليزي الممتاز بعد عامين من هذا الحدث التاريخي بدأت تتوالى الاسماء الأًوروبية واللاتينية في مختلف الأندية، بل أن بعضها من قطع مع «أبناء البلد» مثل تشلسي الذي لم يتعاقد مع مدرب انكليزي منذ رحيل الشهير غلين هودل عام 96 كذلك فعل آرسنال حين انتدب عام 96 الفرنسي المغمور آنذاك آرسين فينغر، وإذا به يعمّر 22 عاما حافلة بالانجازات من حيث الألقاب و تغيير مفاهيم كرة القدم وأساليبها.
3 عقود من «الإحتكار الأجنبي لبطولات
قبل مونديال موسكو 2018 حين سئل غاريث ساوثغيت مدرب المنتخب الانكليزي عن رأيه في الحضور اللافت لعدد المدربين غير البريطانيين في الدوري الانكليزي الممتاز قال: «أنا عندي رأيي الذي رددته دائما بأننا لن نخرج من جزيرتنا، إنه شيء عظيم أن يتواجد مثل هؤلاء المدربين في جزيرتنا من أجل مساعدتنا»
كان ساوثغيت يعي ما يقول وقتذاك، لأن الكتيبة الأجنبية من المدربين أضافت الكثير للاعب الانكليزي وطورت من امكاناته بأن اكتشف أساليب جديدة عليه في التدريب وطرائق مختلفة في اللعب وما يتطلبه ذلك من بذل وجهد للتكيف مع توجهات مختلفة، فمن ضمن 23 لاعبا اختارهم ساوثغيت للمونديال الروسي 15 منهم ينتمون للفرق الأربعة الاولى في الدوري وهم مانشستر سيتي ويونايتد وليفربول وتوتنهام وخمسة آخرون من آرسنال وتشلسي وليستر (ليرتفع العدد الى 20 لاعبا من 23 ) وكلها فرق مدربوها أجانب.
وغير بعيد عن هذا السياق، و نحن على بعد أيام قليلة من اكتمال العقد الثالث للمسابقة تحت مسماها الدوري الانكليزي الممتاز نصل الى الحصيلة اللافتة للنظر على مدى هذه الفترة الزمنية وهي انه منذ عام 1992 لم يفز أي مدرب انكليزي بلقب الدوري، فقط 11 متوجا أجنبيا هم: الاسكتلنديان فيرغسون ودالغليش والفرنسي فينغر والبرتغالي مورينيو والتشيلي بيليغريني والاسباني غوارديولا والألماني كلوب والرباعي الايطالي انشيلوتي وكونتي ومانشيني ورانييري، سنتوقف مع هذا الرباعي الايطالي الشهير، ليس لأنه الأكثر فوزا بالألقاب (حصيلة الاسطورة فيرغسون تفوقهم بفارق كبير) ولكن لطالما عانت الكرة الايطالية من الكاتيناتشيو المقيت لدرجة لم يخطر فيها على بال، انها ستصدّر في يوم ما مدربين مبدعين ومبتكرين هؤلاء لم تعد في جيناتهم رواسب الكاتيناتشيو فأطل علينا الرائع أريغو ساكي بفكر جديد تربع به عبر الميلان على عرش القارة الأوروبية، وتلاه مارشيلو ليبي الذي نسج صورة ناصعة ليوفنتوس محليا وقاريا قبل أن يقود الآدزوري الى قمة العالم في مونديال 2006.
وفرض أنشيلوتي نفسه كجزء هام في تاريخ «البيت الأبيض» حين حقق «لاديسيما» الدرّة الاوروبية العاشرة في سجل ريال مدريد في 2014 وقبلها ذاق حلاوة الفوز باللقب الانكليزي حين توج مع تشلسي في 2010
لقد نشأ جيل جديد من المدربين الثوريين، نقل فكره بحضور مميز في الدوري الانكليزي الممتاز يأتي مانشيني ليهدي مانشستر سيتي أول لقب له عام 2012 بعد انتظار دام 44 عاما.
وتبقى القصة التي حُفرت في ذاكرة كل من لهم علاقة بالكرة الانكليزية (أو غيرها أيضا) تلك التي كتب مفرداتها كلاوديو رانييري في 2016 حين قاد ليستر سيتي للفوز بأول لقب للدوري في تاريخه
وهو الذي لم يحقق أفضل من المركز الثاني (موسم 1929/1928) منذ دخوله عالم الاحتراف عام 1888.
وتتالت الانجازات مع كونتي حين توج هو أيضا مع البلوز عام 2017 وعززه بكأس أنكلترا في العام التالي.
والطريف في الأمر، ان النادي اللندني لم تقتصر تعاقداته «الايطالية» مع «نجمي» التدريب انشيلوتي وكونتي فحسب، فقد شهدت فترة انتقال ملكيته الى الملياردير الروسي ابراموفيتش في 2003 انجازا غير مسبوق طالما شكل حلما لجماهيره العريضة ولمالكه الثري، انه الفوز بدوري ابطال أوروبا بقيادة الايطالي روبرتو دي ماتيو الذي انتقل من «رتبة مساعد» للبرتغالي اندرياس فياش بواش (الذي تم الاستغناء عنه ) الى مدرب أول يقود تشلسي الى التتويج الأغلى قاريا وسط ذهول الملايين الذين لم يراهنوا على انجاز كهذا، كما كان مواطنه ماوريتسيو ساري الذي لم يعمر طويلا في ستامفورد بريدج، من ضمن الذين غادروا الفريق اللندني بعد موسم واحد و في سيرتهم الذاتية لقب قاري، كان ذلك في دوري أوروبا نسخة 2019.
ولا تكتمل قصة تشلسي مع الايطاليين دون العودة الى زمن جميل في تاريخ البلوز كان عنوانه جيانلوكا فيالي لاعبا ومدربا، فيالي المهاجم الهداف عانق الفوز بكأس انكلترا وكأس الرابطة وكأس أوروبا لأبطال الكؤوس
أما فيالي المدرب فقد جدد العهد مع كأسي انكلترا والرابطة مضيفا لهما درع الاتحاد والسوبر الاوروبي.
كونتي ورانييري في دور المنقذ
تقلص عدد المدربين الايطاليين بعد عودة روبرتو مانشيني الى ايطاليا في 2018 لتولي تدريب منتخب بلاده، كما أن وجهة أخرى جذابة سارعت برحيل الكبير كارلو انشيلوتي (قبل نهاية عقده مع ايفرتون) الى العاصمة مدريد ليجدد التجربة مع النادي الملكي،
لكن ما هو جديد، عودة كونتي الى أجواء الدوري الممتاز في دور المنقذ لفريق لم يفلح في «تشخيص» دائه أكثر من اسم كبير، فادارة نادي توتنهام تأمل أن تجد ضالتها في مدرب اقترن حضوره بتصحيح المسار ونيل الالقاب كما فعل في آخر تجربة له مع الانتر، أما العائد الثاني في ثوب المنقذ فهو كلاوديو رانييري، العودة ليست من بوابة ناد كبير، صرخة استغاثة أتت من واتفورد في الرابع من أكتوبر 2021 الفريق يقبع في المركز السابع عشر، بأربعة انتصارات وتعادل وتسع خسائر!
فماذا تراه فاعلا صانع المعجزات؟