«ريش»… مُعطيات الإبداع الغائبة في فيلم مصري كئيب!

الجوائز التي تمنحها المهرجانات الأوروبية لبعض الأفلام المصرية والعربية، يعتبرها الكثير من السينمائيين اعترافاً صريحاً بتميز تلك الأفلام، وهذه مُغالطه كبرى لأن الجوائز وحدها ليست دليلاً قاطعاً على أهمية الفيلم أو جودته، خاصة إذا جاءت الجوائز من مهرجانات، تعتبر دول العالم الثالث قاطبة، دولا مُحدثة الثقافة والإبداع.
وبناءً عليه لا يُنظر لأفلامها، إلا إذا حملت مفاهيم تتفق مع الفكرة السلبية المُسبقة، وأكدت دونية المستويات الاجتماعية، ومُشكلات المواطنين المُزمنة، فلا تحتفي دول الغرب إلا بالنماذج الفنية والإبداعية، التي تطرح أسوأ ما في المُجتمعات المصرية والعربية، لاسيما المصرية، لأن هذا الاحتفاء يساعدها على توسيع دائرة التشهير والفضح المتواريين خلف الجوائز المُغرضة والمُشجعة على شيوع الأنماط الفاضحة والمُسيئة، بغض النظر عن واقعيتها أو افتراضها.
آخر التجليات السينمائية في هذا الصدد تمثلت في فيلم «ريش» للمخرج عمر الزهيري، الذي آثار عرضه في مهرجان الجونة في الدورة الفائتة زوبعة شديدة، نظراً لما تضمنته الفكرة من إساءة بالغة للمجتمع المصري، أدت إلى انسحاب عدد من النجوم، شريف منير وأشرف عبد الباقي وأحمد رزق والمخرج عمر عبد العزيز، وحسب تبرير الزهيري والمُنتج محمد حفظي، فإن الفيلم تم عرضه في الدورة الرابعة والسبعين لمهرجان «كان» السينمائي، وحصل على جائزة في أسبوع النقاد، وهذا يعني من وجهة نظرهما تميزاً خاصاً للفيلم المُثير للجدل، وهي الحجة الواهية التي لم يجد أي من المخرج والمُنتج غيرها، لتكون نقطة الدفاع القوية في مواجهة الهجوم الضاري على العمل المُتهافت، بشهادة الشهود المذكورين والمُنسحبين من العرض الخاص.
تصور صُناع فيلم «ريش» أن جائزة النقاد التي مُنحت له في مهرجان كان، ستُقلل من نبرة الهجوم عليه، لكن ما حدث جاء عكس الظن، فالبعض اعتبر الجائزة دليل إدانة وبرهانا على الاتهام، لأن الفيلم لم يحمل من القيم الإبداعية والفنية شيئاً يُذكر، فمعظم المشاهد عكست صوراً مُشوهة للمجتمع المصري، إرضاءً لجهة الإنتاج الفرنسية، التي دفعت بسخاء للشركة المُنفذة في مصر، فشركة فيلم كلينك ما هي إلا واجهة لشركة الإنتاج الفرنسية الأصلية «ستل موفينغ» التي تُمثلها جولييت روبرتر، وبيير مناهيم، وفق ما هو منشور في بعض المواقع الإخبارية.

الاحتجاج على فيلم «ريش» ورفضه من قبل البعض ليس تعصباً ولا تغييباً لحرية الرأي، وإنما هو انعكاس لسوء الحالة الفنية وترديها لأن الصورة الاجتماعية، التي حرص صُناع الفيلم على تثبيتها طوال الزمن الدرامي لا تشابه أياً من الأفلام المصرية التي ناقشت الواقع المصري بجدية ونزاهة، عبر مراحل مُختلفة.

أما عن عرض الفيلم في مهرجان الجونة، في دورته المُنقضية، واعتباره واحداً من الأعمال المتميزة، فهذا أمر غير مُستغرب، حيث تشجع إدارة المهرجان كل التجارب المُشابهة، وتهتم بعرضها وفوزها بالجوائز تحت زعم الانفتاح على كل الأفكار والثقافات والنوعيات السينمائية، وهذا مكمن الخلاف، لأن المهرجان يولي التجارب السلبية اهتماماً خاصاً، ولا يكترث عادة بردة الفعل، وأظن أن الدورة السابقة على دورة فيلم «ريش» شهدت جدلاً واسعاً بسبب دعوة أحد المخرجين الأمريكيين المعروفين بانحيازهم ودعمهم المُستمر لإسرائيل، وقد سبب ذلك أزمة حادة في حينه، لكن مرت الأزمة مرور الكرام وعادت الحياة سيرتها الأولى وانتظمت الفعاليات، وكأن شيئاً لم يكن! وهكذا امتدت سلسلة الأخطاء في مهرجان الجونة مُتصلة مُنفصلة، وإذا اعتبرنا أخطاء التنظيم أخطاءً عارضة، تحدث في أحسن المهرجانات، فمن غير المعقول اعتبار عرض فيلم مُختلف عليه من كبار النجوم والنقاد السينمائيين المُهمين، خطأً عارضاً أيضاً، لأن المشكلة تمس الجوهر، فالمتاجرة بسلبيات المجتمع وخصوصياته تجارة ممنوعة، فلا معنى لتصوير المجتمع المصري على الحالة المُزرية من الفقر المُدقع والعوز، سوى الإساءة، فالنقد المُباح الذي يرد في الأعمال الإبداعية يكون مشروعاً، إذا جاء في سياقه الطبيعي، ومُتفقاً مع الحبكة الدرامية الواقعية وليس السوداوية الخالية من أي منطق في الأحداث، حيث تدجين رب الأسرة وتحويله إلى دجاجة، ليس من قبيل الفانتازيا، ولا الواقعية السحرية وإنما هو محض اجتراء على الحقيقة، وسخرية مرفوضة من المواطن المصري الكادح، المُضطلع بدورة وبكل مسؤولياته الشخصية والعائلية.
ولا يُعد الارتكان للإشارات والتفاصيل الخاصة بعمل المرأة في بعض المهن الشاقة، دليلاً على عجز الرجل، كما ورد في بعض المشاهد، ووشت به المعاني الدلالية المُتضمنة في تلافيف الفكرة الدرامية الخبيثة من البداية للنهاية.
الاحتجاج على فيلم «ريش» ورفضه من قبل البعض ليس تعصباً ولا تغييباً لحرية الرأي، وإنما هو انعكاس لسوء الحالة الفنية وترديها لأن الصورة الاجتماعية، التي حرص صُناع الفيلم على تثبيتها طوال الزمن الدرامي لا تشابه أياً من الأفلام المصرية التي ناقشت الواقع المصري بجدية ونزاهة، عبر مراحل مُختلفة. كفيلم «بداية ونهاية» و«الكيت كات» و«الصعاليك» و«سارق الفرح» و«البؤساء» و«السقا مات» و«جعلوني مُجرماً» و«اليتيمتين» و«الأرض» و«باب الحديد» و«الجوع» و«الحرافيش» و«العار» فكل هذه النوعيات السينمائية المُعتبرة ناقشت مُشكلات على قدر من الخطورة، لكنها لم تتحر التسجيل الفج للقُبح في رصدها للجوانب الواقعية، ومن ثم لا يُمكن اعتبارها أفلاماً مُسيئة، لأنها التزمت بأطر النقد الموضوعي وحسب، ولم تركز فقط على الجوانب المُعتمة في الصورة الاجتماعية، ولهذا صارت علامات بارزة في مسيرة السينما المصرية – المصرية، المُتمتعة بالاستقلال التام في الإنتاج والإخراج بلا توجيهات أو شروط.

كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية