إنه محافظ فلسطيني مختلف قولا وفعلا، لقب «المحافظ المختلف» يستحقه عدنان غيث بجدارة، هذا الشاب العنيد الذي يقيم في بلدة سلوان بجوار المسجد الأقصى، من وجهة نظر كثر يعتبر حالة نادرة في طاقم المحافظين الفلسطينيين الذين يتوزعون على أراضي الضفة الغربية المقسمة والمليئة بالحواجز وإجراءات التمدد الاستيطاني والنهب.
يقول غيث، محافظ محافظة مدينة القدس الذي عينه الرئيس محمود عباس قبل ثلاث سنوات عن نفسه: «أنا ابن الشارع، وكل ما أفعله هو استثمار للموقع الذي أنا فيه من أجل تخفيف معاناة الناس. هذه مسؤولية في رقبتي».
غيث الذي يتعرض لكم هائل من الإجراءات الاحتلالية وكان آخرها حرمانه من المشاركة في طلعة ابنته (عرسها) ولد عام 1976 في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، وترعرع بها، وانخرط في حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح».
يضاف إلى القائمة الطويلة للاعتقالات والاستدعاءات التي طالته 4 قرارات عسكرية وأمنية، الأول: تعلق بمنعه من دخول الضفة الغربية، وتم تمديده للمرة الرابعة منذ توليه منصبه كمحافظ. وبموجب هذا القرار يمنع من اجتياز الجدار العازل باتجاه الضفة الغربية، والقرار العسكري الثاني يمنع من التواصل والحديث مع شخصيات معينة، وبدأت القائمة بـ8 شخصيات، ثم قفزت إلى 10 حتى وصلت الآن إلى منعه من التواصل مع 51 شخصية. وعلى رأس الشخصيات التي يمنع من التواصل معها الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي عينه محافظا. أما القرار الثالث فيمنع غيث من المشاركة أو حضور مناسبات اجتماعية أو اجتماعات أو ورشات عمل وجمع أو توزيع أموال في القدس، أما القرار الرابع فيقضي بمنعه من دخول أحياء القدس الشرقية، وتقييد حركته في بلدة سلوان حيث يقطن بإرفاق خريطة تحدد مسار تحركه بجزء من البلدة فقط.
وفي ضوء ذلك أمام غيث مسؤولية ومهمات عظيمة، إنه مطلوب منه أن يقف في وجه كم هائل من السياسات والإجراءات الإسرائيلية في مدينة القدس التي تعتبر مركزا للصراع العربي الإسرائيلي. إنها مهمة «انتحارية» لكنه يقبلها معتقدا أنه خلق من أجل خدمة أهل القدس وناسها.
أسئلة كثيرة طرحتها «القدس العربي» على المحافظ غيث، وأسئلة أكثر لم نتمكن من طرحها، لكنه حوار وحديث أشبه بصرخة للفلسطينيين تحديدا ودعوة للتعالي على كل عوامل الفرقة من أجل المدينة التي توحد الفلسطينيين والعالم أيضا، وفيما يلي نص الحوار:
○ تتابع أخبار القدس يوميا، ملفات كبيرة جدا ملقاة على عاتقك، إجراءات إسرائيلية لا مثيل لها من ناحية الكم والكيف تتعرض لها المدينة، كان الله في عونك وتحديدا وأنت تتعرض لحملة لمحاصرتك والتضييق عليك لم يتعرض لها أحد سابقا، ماذا تقول عن ذلك؟
•بدون مبالغة فإن مدينة القدس منكوبة بفعل ما يمارس بحقها وعلى مدار أربع وعشرين ساعة، وإنها تتعرض لاستهداف كامل قطاعاتها بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، يستخدم الاحتلال في ذلك كل إمكانياته الهائلة من أجل السيطرة على المدينة.
شخصياً، سئمت وتعبت من كثرة الحديث عن واقع القدس وتشخيص حال المدينة، فما يجري بحق المدينة واضح ومعلوم عند الإقليم العربي والمجتمع الدولي، المدينة حرفياً تضيع، أما حالة الوجع والنزيف التي تمر بها فتحتم علينا كفلسطينيين التعالي على كل شيء والعمل على لئم كل الصراعات الداخلية.
المفارقة أنه يقابل حالة القدس المنكوبة نوع من الشموخ والتحدي والنماذج المشرفة، وهو أمر يظهر في الأحداث المهمة حيث تظهر تلك العلاقة بين المواطنين المقدسيين ومدينتهم ومقدساتها.
واقع القدس أصبح اليوم واضحاً، ليست هناك رغبة لدى سلطات الاحتلال في التعايش مع أي مظهر إسلامي في المدينة. يقابل ذلك تجهيزها لتكون عاصمة موحدة لدولة الاحتلال.
كل يوم نسمع مظاهر خطورة تتعرض لها المدينة، سمعنا مؤخراً عن دخول مستوطنين للمسجد الأقصى متنكرين بصفتهم مسلمين، وبحث حاخام إسرائيلي على شبكات التواصل الاجتماعي عن مهندس لديه قدرة على تفكيك قبة الصخرة.
الحقيقة التي أخلص إليها تقول إنه قد نكون فعلياً استطعنا أن نكون سدّاً منيعاً أمام صفقة القرن سياسياً، لكن الحقيقة على الأرض تظهر أنها أمر واقع وتنفذ بنداً.. بنداً.
○ أقدر ما تقول وألاحظ ذلك، لنتحدث عن ملف مهم بالنسبة للمقدسيين وهو تسريب المنازل الذي يعتبر بمثابة صفعة كبيرة على وجه كل مقدسي وفلسطيني. كيف تنظر لهذا الملف؟
•الناس تسمع عن عملية تسريب منزل لمستوطنين لكن علينا أن ننظر للصورة بصورة شاملة، فإسرائيل ببرلمانها سنت رزمة تشريعات تستفيد منها بما يخدم مشروعها، أبرز هذه التشريعات حارس أملاك الغائبين ومن خلاله سيطرت على مئات العقارات لصالح الاحتلال، حيث تقوم الحكومة الإسرائيلية بتجيير العقارات للجمعيات الاستيطانية بحجة أن أصحابها خارج الدولة. وهو أمر ينطبق على من هم يعيشون في الضفة الغربية من المقدسيين أيضا.
ثانياً، هناك قانون التسوية، ونحن نراه أداة وسلاح خديعة يهدف للسيطرة على ما تبقى من العقارات، حيث يطلب من السكان تقديم أوراق رسمية تثبت ملكيتهم لأملاكهم المختلفة وهو أمر في بعض الأحيان تعجيزيا ويتطلب أموالاً باهظة لتثبيت العقار. أستطيع أن أقول إنه منذ عام 1967 لم يبق في جعبة الاحتلال من مخططات لتطويعنا إلا ومورست بحق المقدسيين.
من واقع معرفتي بأحوال المقدسيين أقول الأعباء الملقاة على عاتق المواطنين لا يمكن لأي مواطن في العالم تحملها، هناك مقدسيون باعوا ضميرهم وعرضهم وأرضهم وهؤلاء يلفظهم المجتمع، وهؤلاء تم العمل عليهم من قبل عصابة تتفنن طرق الانقضاض على المواطن المقدسي.
وتشبيه أن بيع منزل أو شقة لجمعية استيطانية هو بمثابة صفعة قوية لنا تشبيه دال، فأن يقطن متطرف صهيوني في حيّ يعني أن يصبح الحيّ كله في حالة طوارئ. ما أريد أن أقوله هنا، هو أنه علينا النظر والتمعن في طريقة قدوم هذا المستوطن للبيت الذي اشتراه. حيث يأتون كمن يقوم بالسطو وسرقة البيت. قوات مدججة، حراسات، قدوم في الليل، في مشهد لا ينم عن شخص قام بعقد صفقة عادية.
وعلينا الاعتراف والتوضيح هنا أن جانبا من إظهار حالات شراء المنازل هدفه بثّ روح الضعف لدى الشارع وتكريس الإحباط وإفقاد الناس الأمل. وهو أمر أحياناً تقوم به السوشال ميديا بطريقة غير واعية، حيث يترتب على ذلك زعزعة وشرذمة وغياب الثقة وحالة من فقدان السلم الأهلي. أعتقد أن هذا هدف إسرائيلي وتحديداً بعد حالة الانسجام الفلسطيني والتوافق بعد معركة البوابات الإلكترونية ومن ثم هبة أيار، حيث يقوم عماد السياسة الإسرائيلية على بثّ المزيد من الفرقة والشرذمة.
ما نريد قوله هنا، إن صفقات شراء بعض المنازل ليست جهداً من مستوطنين فقط، إنما هي جهد دولة حيث تعمل المخابرات الإسرائيلية وأجهزة الدولة التي تدرك ظروف الناس وتستغل ذلك للسيطرة على العقارات. ما يهمني هنا تحديداً، هو رسالة لكل ربّ أسرة فلسطيني مقدسي، حيث تقع عليه مسؤولية كاملة ومطلوب منه المتابعة لأي تطور يحدث في أوراق أي عقار يملكه.
نقطة أخرى أريد التركيز عليها، إسرائيل تقوم بدور مركب في استهداف منازل المقدسيين ففي كل لحظة يتم ممارسة ضغط دولة على الحكومة الإسرائيلية لوقف مشاريع استيطانية، نرى محاولة خصخصة الاستيطان، من خلال دعم ورعاية جمعيات استيطانية تتوفر لها كل الإمكانيات بالتعاون مع أذرع الحكومة.
وما أريد أن أضيفه هنا، أن من يقوم باستهداف منازل الفلسطينيين عبارة عن عصابة أو مافيا تتكون من حكومة الاحتلال ومخابراتها وبعض موظفي الجمعيات الاستيطانية الذين يعتبرون أيضاً امتداداً للمافيا في حالات كثيرة، والسماسرة الذين أيضاً يعملون بتركيبة مافيا.
○ ماذا يفعل المقدسي الذي يتعرض لمحاولة شراء منزله أمام هذه العمل المافياوي؟
•ما أود التأكيد عليه في موضوع تسريب المنازل أن القضايا المرتبطة بالتسريب معروفة بالقدس، وهناك مسؤولية على الجميع، ومطلوب المزيد من الحيطة والحذر، وغالباً ما يتوقف بعض المقدسيين بشكل طوعي لحماية عقاراتهم، كما أن هناك في القدس جهات في مجتمعنا موثوقة ومعروفة للجميع يمكن التوجه إليها.
○ إشكالان حقيقيان، توحيد المؤسسات والمرجعيات الرسمية التي تعمل بالقدس يعتبر أمرا مهما، والثاني توحيد الجهات الفلسطينية الشعبية والحزبية التي تعمل بالقدس، ومن خلال متابعاتي هذا لم يحدث رغم أهميته؟
•القدس موضوع كبير، هي اليوم رأس حربة وتقوم بدور طليعي في مواجهة المشروع الاستعماري. ما يجري من مخططات تهجير ومن فرض تشريعات تستهدف هويتها تستحق التفاف جماهيري يوفر حاضنة وسدا وظهرا قويا للصمود والبقاء.
شخصياً، رهاني الرئيسي على الشعب الفلسطيني، لم يكن في بالي أن القادر على حماية القدس أي شعب في الكرة الأرضية إلا الشعب الفلسطيني. هذا الرهان يستوجب تحصين جبهتنا الداخلية، ولا أرى شيئاً أكبر من مدينة القدس وتضحياتها، وهذا أمر يحتم ويفرض مسؤولية لتوحيد الجهود.
لا للمواقع ولا للكراسي، كل شيء يصغر أمام عظمة شعبنا، وفي سبيل القدس ليس هناك عذر لأحد، في أن تتوحد الجهود. فكلمة السر هي الوحدة الوطنية ولأجل ذلك هناك جهود كبيرة للانقضاض عليها منذ وعد بلفور وحتى اليوم كان الثابت الوحيد في جهود استهدافنا هو سياسة فرّق تسد. ما أريد أن أقوله بشكل مختصر إن فصائلنا انطلقت لهدف سامٍ، وفي حال انحرفت بوصلة هذا الهدف العظيم عليها أن تعيد ضبط بوصلتها، كما أن الأساس أن كل شخص فينا مسؤول في مكانه وليس عليه الانتظار أن يكون في موقع مسؤولية لنقوم بواجبه، والحقيقة تقول اليوم أن البوصلة انحرفت ونحن نتصارع في قضايا ثانوية.
○ من الملفات الصعبة التي تعاني منها مدينة القدس هو الملف الأمني في المدينة وتحديدا ضواحيها التي تشهد حالة من الفلتان الأمني، السلطة غير قادرة على ممارسة نهج أمني والاحتلال يعمل على تكريس هذه الحالة، كيف تقرأ ذلك؟
•في عام 2021 حصلت في القدس ثماني عشرة جريمة قتل، وهذا أمر يدق ناقوس الخطر، وهو نتاج سياسات واضحة للشرذمة والقسمة، إضافة إلى عدم استخلاصنا العبر. هنا أريد أن أقول في ملف العنف الداخلي إن هناك جهات تستحق كل الشكر والثناء وأقصد هنا عظماء رجال العشائر الذين يعملون لرأب الصدع بدون ملل أو كلل. أجهزة الأمن الفلسطينية تحاول أن تقوم بدورها لكنها ممنوعة، ومع ذلك فعلينا الاعتراف أن الإمكانيات قليلة وشحيحة، وهو أمر يدفع بالشخصيات الاعتبارية والعشائرية للقيام بمهامها. ما أريد أن أقوله هنا، إن مئات القضايا تتابع بشكل لحظي، صحيح أننا لا نمتلك عصىً سحرية، لكن بوجود تعاون مجتمعي وشراكة يمكن أن يتم حماية المنظومة الاجتماعية وتوفير الأمن للمواطنين. والمطلوب مجتمعيا المزيد من التعاضد والترابط. فأن شعبا يعيش في الظروف التي يعيشها الفلسطينيون ليس لهم غير الوحدة والتماسك.
هنا أستغل منبر «القدس العربي» لاطلق صرخة باسم بالقدس والمقدسات، باسم كل حرّة ومرابطة، باسم المقابر والأحياء، أقول صرخة من القلب مفادها أنه لم يعد بالإمكان الانتظار أكثر في مسألة الوحدة الوطنية وترجمتها، نحن أصحاب الأرض ومهما فعل الاحتلال وتعاظم في سلوكه فإن الوحدة الوطنية هي الطريق المتسارع لإزالته. الوحدة يمكنها أن تصون هذا الشعب في ظل غياب أي أفق سياسي، هذا المشهد المأساوي الذي نعاني منه، ألا يستحق التعالي والتوحد وحماية ما تبقى من كبرياء؟ أعتقد أنه بعد اليوم لا حجة لأحد ولا ذريعة لجهة. فلا شيء أكبر من القدس وهي قادرة على توحيدنا وإعادة كرامتنا.
○ ماذا عن تفعيل خيار المقاومة الشعبية، هناك إجماع عليها ولكنها غير فعالة بالمعنى الواجب أمام الفعل الإسرائيلي؟
•المقاومة الشعبية بالنسبة للقضية الفلسطينية اليوم شيء أساسي وجوهري. أما هل ارتقينا للمستوى الذي نطمح إليه؟ فالجواب لا. لكن كلما زاد عمر الانقسام كلما استمر التوهان وانحراف البوصلة. المطلوب اليوم والمسؤولية الأخلاقية والدينية تفرض على عاتق الجميع، بلورة رؤية واضحة، فالقدس تضيع ومن لا يفهم ذلك يكون شخصا يعيش في الوهم.
إسرائيل تنهي قبضتها على القدس، ولولا البشر في هذه المدينة الذين يبلغ عددهم 360 ألف مقدسي لما أصبح هناك قدس. إنهم صخرة تتحطم عليها المشاريع، ولأجل ذلك تمارس سياسات التطهير للوصول للتهجير. شخصياً لا أرى وجعا أكثر من أن نرى المواطن المقدسي يهدم بيته بيده، هذا مشهد يجب أن يخجلنا كلنا، ويجعلنا نعيد التفكير بكل ما نمارسه.
○ بصراحة، هل لك أن تقدم لنا مبلغا ماليا في ضوء معرفتك بواقع المدينة المحتلة يمكن أن يكون مناسبا لميزانية محافظة القدس، ونحن نعلم أن ميزانية المحافظة قليلة ولا تكفي مع مقدار الدور الملقى على عاتقكم، أريد رقما لتصورك لميزانية المحافظة المطلوب؟
•قلت لك أن القدس تضيع، خلال الفترة الماضية أغلقت 120 مؤسسة في القدس آخرها مكتب تربية القدس ومكتب تلفزيون فلسطين. مئات المشاريع التي تنفذها دولة الاحتلال في القدس، ولأجل ذلك يتم ضخ مليارات الشواكل. بالمقابل، نحن لم نصل ولم نرق لمواجهة هذه المشاريع وكل هذا الصلف الإسرائيلي، القدس بحاجة للكثير الكثير. وما يقدم لها لا يرقى لمواجهة الصلف والإجرام.
هناك حصار مالي واقتصادي، حالة بطالة مخيفة في الشارع المقدسي، فكي يعيش المواطن، بأبسط ما يكون عليه أن يتلقى دخلاً لا يقل عن 3500 دولار شهرياً، وهذا غير موجود في ظل البطالة والأعباء التي يفرضها الاحتلال.
المفارقة اليوم تقول إنه حتى القطاع التجاري الذي عادة ما ينقذ اقتصاد الدول في أوقات الأزمات يعتبر بالقدس قطاعا يعاني، فحتى التجار هم غير قادرين على الإيفاء بمتطلبات عملهم.
في ظل واقع القدس فإن المطلوب هو برامج صمود لمواجهة المشاكل اليومية التي يخلقها الاحتلال. أي توفير ما يجعل المواطن المقدسي يصمد، وبصراحة القدس تحتاج الكثير الكثير وهذا يفوق قدراتنا. وهو أمر يمكن أن توفره دولة عربية واحدة.