في مستشفى الكتاب الجزائريين

حجم الخط
3

يحتل السرطان المرتبة الأولى في قائمة الأمراض التي نهشت أبدان كتاب جزائريين وأودت بحياتهم، فهذا الكاتب الجزائري الذي يقضي حياة غير متزنة، إما غارقاً في الكحول من شدة الاكتئاب وقلة الصبر، كما كان عليه حال أرنست همنغواي، أو في ابتلاع أقراص الفاليوم، كما كان يفعل الأمريكي بريت إيستون إيليس، لا يولي أهمية إلى التغذية، التي تعينه في محو آثار الكحوليات أو العقاقير، لا ينوع في أطباقه ولا يدرك ما هو الأصلح وما يضره على المائدة، لا يعتني بمأكولاته ولا يحترم مواقيت الوجبات، حيث يتقدم اهتمامه فيها سكر وعجائن، لا يستغني عن خبز ولا عن ملاعق سكر زيادة في القهوة أو الشاي، غير عابئ بتربية صحية، بل إنه لا يبذل جهداً في هذا الموضوع، لذلك ليس مفاجئاً أننا نادراً ما نصادف عملاً أدبياً يحتفي بالأكل وتفاصيله، فالطبخ هو آخر اهتمامات هذا الكاتب، قد لا يعرف أسماء البهارات ويخلط بين أنواع الخضراوات، بحكم تنشئته التي علمته أن المطبخ من تخصص المرأة، ويرى إن شاركها في تحضير الأكل، إنما ذلك ينقص من قيمته، لذلك سنجد أن الكاتب الجزائري ينهي حياته، في الغالب، معتلاً بأمراض مزمنة، ممدداً على  فراش، وحيداً في عزلته الإجبارية، وبمجرد أن يغمض عينيه تسارع الصحف، في اليوم التالي، إلى كتابة جملتها الشهيرة: «توفي فلان على إثر مرض عضال»، دون شرح أو تفسير لهذا المرض العضال، ودونما بحث في أسبابه وأشكال تفاديه حماية للكتاب الآخرين.

بين سرير جزائري وآخر فرنسي

توفي مالك حداد عام 1978 في مستشفى مصطفى باشا، في الجزائر العاصمة، كانت تلك أول حالة وفاة لكاتب بالسرطان، في الجزائر المستقلة، سوف تتلوها حالات أخرى، تتشابه في إطارها العام وتختلف في التفاصيل، بينما غادر صاحب «سأهبك غزالة» دنيانا في مستشفى جزائري، هناك من وافاه الأجل في مستشفى فرنسي، على غرار كاتب ياسين، الذي أصيب باللوكيميا أو سرطان الدم، مع التنبيه أن ياسين كان يقيم هناك، ولم يُسافر لغرض العلاج فقط، عكس حالة الطاهر وطار، الذي أصابه المرض فسارع إلى العلاج في فرنسا، حين عجز الأطباء الفرنسيون عن مداواته، عاد إلى وطنه كي يتم ما تبقى له من أجل. يبدو أن الموت على سرير مستشفى يصير أمراً أرحم وأهون، مقارنة بكتاب جزائريين آخرين ماتوا في ظروف أقسى، منهم من مات بطعنة سكين، على غرار الشاعر جان سيناك عام 1973 أو عبد الله بوخالفة الذي عثر عليه تحت عجلات قطار عام 1988، هناك من لفظ أنفاسه في مستشفى أمراض عقلية، بينما آخرون رحلوا، إثر سقوط مميت كحالة الأكاديمي والمترجم عبد الرحمن مزيان، بالإضافة إلى أن هناك من مات موتا مباغتاً في حادث سير مثل ألبير كامو أو غرقاً، دون أن ننسى ضحايا العشرية السوداء، منهم من لقى مصيره إثر رصاصة مثل الطاهر جاووت أو بخنجر، مثل الشاعر يوسف سبتي. لقد جرب الكاتب الجزائري الموت بأشكاله المتعددة، ولم ينعم بالحياة التي يرجوها لنفسه أو لشخصياته، إلى درجة أنه سرت عقيدة بين الناس، أن كل كاتب في الجزائر لا بد أن تكون خاتمته مؤلمة.

لقد جرب الكاتب الجزائري الموت بأشكاله المتعددة، ولم ينعم بالحياة التي يرجوها لنفسه أو لشخصياته، إلى درجة أنه سرت عقيدة بين الناس، أن كل كاتب في الجزائر لا بد أن تكون خاتمته مؤلمة.

الكتابة عن المرض

أظن أنه لا توجد كتابات عن المرض، إذا استثنينا عمار بلحسن في كتاب “يوميات الوجع”، الذي دهمه السرطان أيضاً وتوفي عام 1993، لم يتعود الكاتب على المبادرة في تدوين أيامه الأخيرة في الفراش، مع أن الكاتب الجزائري يبدو متصالحاً مع فكرة الموت، فقد سبق أن تخيل الطاهر وطار جنازته في قصة قصيرة، لكنه على غرار نظرائه فقد كتب عن الموت في لحظة صفاء، وهو في تمام الصحة، بينما في حالة المرض، حين يدنو كاتب من أيامه الأخيرة فإنه يهجر الكتابة، لا يفكر سوى في حالته وفي بدنه، لا يتخاطب سوى مع طبيب أو ممرض أو أقرب الناس إليه من عائلته، لا يفكر لا في ورقة يدون فيها ما يشعر به، ولا في كتاب يُرافقه في ساعاته العسيرة، وذلك أمر لا يبدو غريباً، فمن عادة الكاتب ألا يتقاسم مع القراء لحظاته الحميمة، ألا يمنحهم فرصة التلصص عليه ومرافقته في انهياراته النفسية، والمرض من اللحظات الحميمة، لا يتشارك الكاتب مع القراء سوى ما يتخيله أو إنجازاته أو مفاخره، لا يجرؤ على أن يكتب عن نفسه في لحظة ضعف ويأس وقلة أمل في الحياة، وهو ممدد غير قادر على فعل شيء، وهذا شكل من أشكال الأنانية، لا يفكر الكاتب في القارئ، إلا حينما يحلو له فعل ذلك، لا يدرك أن الكتابة عن المرض وعن الحياة في أمتارها الأخيرة سيكون أيضاً تجربة طبية، سوى تساعد الأطباء في فهم دواخل ونفسيات المرضى، حين يكتب كاتب عن حالة ضعفه سيرسخ صورة قوية عن شخصه في أذهان الناس، لقد وردت محاولة، لا بأس بها، في الفترة الأخيرة لكاتب شاب يدعى خالد بوداوي، يحكي فيه مقاومته للسرطان بالرياضة، لكن هذا المثال لا يبدو كافيا، فلا تكاد تمر سنة، دون أن نشيع فيها كاتباً أو كاتبة، من غير أن نحظى بنصيب كامل من القراءة له أو لها في مراحلهما الأخيرة، فالكتابة عن المرض هي كتابة ذاتية، سيرية، كتابة متجردة من المحسنات البديعية، ملمة بالحالات النفسية، بالضعف والانكسار، والكاتب الجزائري ليس في علاقة طيبة مع سيرته، خجولاً من صورته، لا يرويها بل يروي ما يتخيله عن نفسه، لا يود أن يظهر في صورة ضعيفة أمام الآخرين، لأنه يشعر أن ذلك يحط من قيمته، يجرح صورته في عقول الناس، لذلك نظل نسمع عن رحيل الكتاب، دون أن نقرأ لهم في حالاتهم الصعبة، نكتفي كلما دفنّا واحداً منهم بقراءة تلك الجملة المكررة في الجرائد: «توفي فلان إثر مرض عضال»، ونحفظ سيرتهم في الذاكرة مبتورة، يغشاها ضباب، غير كاملة وغير حقيقية تماماً.

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية