لبنان: خمسة استحقاقات أساسية ترسم ملامح التغيير أو تضعف فرصة الإنقاذ

سعد الياس
حجم الخط
0

لم تبرز في الأفق أي تسوية جدية بين الثنائي الشيعي والعهد وتياره بموافقة رئيس الحكومة لمقايضة العودة إلى جلسات مجلس الوزراء بكف يد المحقق العدلي عن ملاحقة رئيس الحكومة السابق.

بيروت ـ «القدس العربي»: تنطلق سنة 2022 بسيناريوهات لا تبعث كثيراً على الاطمئنان في ظل استمرار تعطيل جلسات مجلس الوزراء وعدم بروز أي معطى إيجابي لغاية تاريخه ينبئ بإنفراج وبعودة وزراء الثنائي الشيعي إلى اجتماعات الحكومة ما لم تتم تنحية المحقق العدلي في قضية تفجير مرفأ بيروت عن ملف ملاحقة الوزراء السابقين وإحالة هذا الأمر إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
وفي جولة على أبرز الاستحقاقات التي سيشهدها عام 2022 يمكن رصد ما يلي:
-أولاً إن الدعوة إلى حوار وطني عاجل التي أطلقها رئيس الجمهورية ميشال عون لبحث ثلاث نقاط هي اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة والاستراتيجية الدفاعية وخطة التعافي المالي والاقتصادي قوبلت ببرودة سياسية من مختلف القوى السياسية باستثناء التيار الوطني الحر الذي أيّد هذه الدعوة. ولا ينظر كثيرون إلى دعوة رئيس الجمهورية على أنها فرصة لبلورة تفاهم على قضايا وطنية رئيسية، ويعتبرون أن هذه الدعوة جاءت متأخرة 5 سنوات وأن صلاحيات رئيس الجمهورية في نهاية عهده والخلافات التي راكمها مع العديد من القوى السياسية والحزبية لم تعد تخوّله تنفيذ ما يقرّر في الأشهر العشرة الأخيرة من ولايته، وبالتالي فهذه القوى وخصوصاً الخصوم لن تمنحه هدية مجانية لا له ولا لتياره المأزوم، بعدما وزّع عليها الاتهامات يميناً وشمالاً وحاول التنصّل من المنظومة السياسية والمالية ومن مسؤولياته على مدى 15 سنة. وتعتبر هذه القوى أنه بدل البدء بالحوار من نقطة الصفر لماذا لا يتم تنفيذ مقررات الحوار السابقة وخصوصاً ما تمّ الاتفاق عليه في «إعلان بعبدا» قبل أن ينقلب عليه حزب الله.
-ثانياً يبقى التحقيق العدلي ملفاً قابلاً للتفجير ولاسيما إذا حصلت أي محاولة لتوقيف الوزير السابق النائب علي حسن خليل بعد امتناع رئيس الجمهورية عن فتح دورة استثنائية لمجلس النواب لمنعه من اكتساب أي حصانة في حال فتح مثل هذه الدورة وفقاً للمادة 40 من الدستور التي تنص على أنه «لا يجوز أثناء دور الانعقاد اتخاذ إجراءات جزائية نحو أي عضو من أعضاء المجلس أو إلقاء القبض عليه إذا اقترف جرماً جزائياً إلا بإذن المجلس ما خلا حالة التلبّس بالجريمة». ولم تبرز في الأفق بعد أي تسوية جدية بين الثنائي الشيعي وبين العهد وتياره بموافقة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لمقايضة العودة إلى جلسات مجلس الوزراء بكف يد المحقق العدلي القاضي طارق البيطار عن ملاحقة رئيس الحكومة السابق حسان دياب والوزراء السابقين علي حسن خليل وغازي زعيتر ويوسف فنيانوس ونهاد المشنوق، ويتمسّك الثنائي الشيعي برفض «التسييس» والاستهداف من قبل ما يسمّيه «غرف سوداء سياسية وقضائية».
-ثالثاً خطة التعافي والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي تبقى مرهونة بإنعقاد جلسات مجلس الوزراء، ويشكّك البعض في صحة إحراز تقدم في المفاوضات مع الصندوق وموافقته على تقدير الخسائر المالية الذي اتفق الجانب اللبناني على أنها 69 مليار دولار. وتتجه الأنظار إلى زيارة بعثة الصندوق التي ستقوم بها إلى لبنان في شهر كانون الثاني/يناير والمفاوضات التي ستتعمّق أكثر بحسب ما أعلن نائب رئيس مجلس الوزراء سعادة الشامي الذي يرأس الوفد اللبناني المفاوض، وإلى أي مدى ستكون الحكومة قادرة على إتخاذ إجراءات إصلاحية في إطار خطة التعافي ولاسيما على صعيد رفع التعرفة الكهربائية والتخفيف من أعباء القطاع العام.
-رابعاً الانتخابات النيابية التي يراهن عليها المجتمع الدولي والقوى التغييرية في الداخل اللبناني لإحداث تغيير حقيقي ونوعي في الطبقة السياسية. ويعوّل المعارضون للسلطة على نقل الأغلبية من مكان إلى آخر في ظل تراجع شعبية التيار الوطني الحر في الوسط المسيحي، وسقوط رهانه على المجلس الدستوري للأخذ بطعنه لجهة عدم اقتراع المغتربين اللبنانيين في الدوائر الـ 15 بل لاقتراعهم لستة نواب في الدائرة الـ 16 التي ستُنشأ في الخارج. وعلى الرغم من انطلاق العد العكسي لقطار الانتخابات بالتوقيع من قبل رئيسي الجمهورية والحكومة ووزير الداخلية على مرسوم دعوة الهيئات الناخبة في 15 ايار/مايو المقبل، فلا تزال علامات القلق ترتسم حول احتمال وقوع حدث أمني أو ما شابه للإطاحة بهذا الاستحقاق إذا لم يتأكد أصحاب المنظومة من قدرتهم على الاحتفاظ بالأغلبية، متوسّلين كل الطرق للحفاظ على وضعية التيار الوطني الحر بما فيها تظهير «التباعد» بين التيار وحزب الله وانتهاء مفعول «تفاهم مار مخايل» لاستثمار هذا الأمر انتخابياً في الدوائر المسيحية.
-خامساً الانتخابات الرئاسية التي سيكون موعدها نهاية تشرين الأول/أكتوبر والتي يعوّل اللبنانيون على انتخاب رئيس جديد يحمل نهجاً وخيارات سياسية ووطنية مختلفة عن الرئيس الحالي، لأنهم يعتبرون أن هذه الخيارات التي التصق بها رئيس الجمهورية بدويلة حزب الله هي التي قادت إلى الانهيار وإلى توتير علاقات لبنان باشقائه العرب ولاسيما الدول الخليجية التي امتنعت عن دعم لبنان واتخذت أخيراً إجراءات دبلوماسية عقابية على خلفية تصريحات وزير الإعلام المستقيل جورج قرداحي وقبله وزير الخارجية شربل وهبه، إضافة إلى تهريب حبوب الكبتاغون عبر المرافئ اللبنانيةـ وتصدير العنف والمقاتلين إلى اليمن وسوريا والعراق.
كل هذه الاستحقاقات المنتظرة في العام الجديد وما سبقها من تجارب تعطيلية غير مشجّعة تجعل اللبنانيين يستشعرون بالقلق على مصير هذه الاستحقاقات وبالخوف من أن لا تكون السنة الجديدة أفضل من سابقاتها، ولاسيما في ظل بقاء صواعق الأزمات على حالها بين أهل السلطة والمناكفات بين بعضهم البعض التي أوصلت البلد إلى الانهيار. ولعلّ الموقف الذي سيخرج به صهر العهد النائب جبران باسيل مطلع هذه السنة سيرسم ملامح العلاقة بين المكوّنات السياسية ويحدّد كيفية التعاطي مع الاستحقاقات المرتقبة بما يبدّد المخاوف عليها أو يضعف الأمل بأي فرصة لإنقاذ لبنان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية