مع اطلالة العام الجديد، أعاده الله عليكم بكل خير وسلام واطمئنان، خاليا من الأوبئة والحروب والطغيان، تستعر حملات الجدل حول استضافة الكاميرون لكأس الأمم الافريقية، بدءا من الاحد المقبل، حيث ذهب كثيرون الى حد اعتبار ان الفيفا والاوروبيين «يستحقرون» البطولة السمراء، وبالتالي كل القارة.
كل هذا كون الاتحاد الدولي لكرة القدم، سمح للأندية الاوروبية، التي تدفع الملايين كرواتب، ان تحتفظ بلاعبيها الافارقة المدعوين للمشاركة في نهائيات الكاميرون، حتى الثالث من هذا الشهر، أي قبل انطلاق البطولة بستة أيام، على عكس المعتاد وهو السماح باخلاء سبيلهم قبلها بأسبوعين. طبعاً الهجوم الضاري على الفيفا لـ«احتقاره» الكرة الافريقية، جاء من كل حدب وصوب، وأبرزهم الاسطورة المصري محمد أبوتريكة، وأيضا البعض حول العالم، كالنجم الانكليزي السابق ايان رايت، الذي اعتبر ان الامر «يخلو من الاحترام»، فيما قال النجم الفرنسي السابق باتريك فييرا ان البطولة الافريقية يجب ان تحظى بالمزيد من الاحترام. وقارن الجميع بالبطولات القارية الاخرى، التي تحظى بكل الدعم والاحترام من الجميع.
من الجميل رؤية هذا التعاضد والتضامن للبطولة الافريقية، رغم انها الوحيدة من بين البطولات القارية التي لم تحترم سياسة اقامة البطولات القارية مرة كل أربع سنوات، على غرار البقية، كونها ظلت منذ البداية في 1957 تجريها مرة كل سنتين، وظل الأمر مقبولا كون الامر يتعلق فقط بشؤون القارة السمراء وبلاعبيها المحليين، قبل تفجر مواهب الافارقة في التسعينات في الدوريات الاوروبية، حيث اختلف الامر تماما، اذ لم يعد الأمر شأناً افريقيا خالصاً ان يتم تجريد الاندية الاوروبية في منتصف الموسم من أبرز مواهبها، لمدة 4 اسابيع أو يزيد، خصوصاً ان غالبية نسخ النهائيات تقام في الشتاء، لتفادي لهيب حرارة الطقس في غالبية أنحاء القارة السمراء خلال الصيف، ما يعني حتمية تجريد الاندية الاوروبية من نجومها، في أصعب أوقات الموسم.
هناك 40 لاعباً افريقيا مؤهلين لتمثيل منتخباتهم، يلعبون في 16 ناديا في الدوري الانكليزي الممتاز، ويتقاضون مجتمعين ما معدله 5 ملايين جنيه استرليني اسبوعيا، أو ما يعادل نحو 7 ملايين يورو، ما يعني ان الاندية الانكليزية ستستمر في دفع أكثر من 20 مليون جنيه استرليني رواتب خلال أسابيع البطولة الافريقية بدون أي مردود، عدا عن شراسة المنافسة في مسابقات عدة قد يفقدوا خلالها فرصة احراز لقب، وأيضاً اذا اعترضوا او ابدوا امتعاضا فانه سيعتبر في نظر البعض «احتقارا» للكرة الافريقية، وأنا اتساءل: من لا يحترم من؟
الفيفا الذي اتهمه أيضا الكثيرون بانه متعال ويميل الى الدفاع عن مصالح الكرة الاوروبية، حاول جاهدا تصليح الوضع المتأزم، فأقنع الاتحاد الافريقي بالابقاء على اقامة البطولة مرة كل عامين، لكن على ان تجرى النهائيات في اسابيع الصيف، لتفادي المشاكل مع الأندية الأوروبية، وهو ما تم الاتفاق عليه، لكن بسبب تداعيات فيروس كورونا، فان نسخة الكاميرون تأجلت مرتين، فعوض الغائها، بسبب وقوعها في وقت مزدحم بقدوم كأس العالم في نهاية العام، تم الاتفاق على اقامتها في الشتاء وتحت ظروف استثنائية، ومنها تمديد ابقاء اللاعبين مع أنديتهم الاوروبية كحل وسطي.
النجوم الاوروبيون الممتعضون، مثل رايت وفييرا، قارنوا مع البطولات القارية الاخرى، لكنهم نسوا انها تقام في الصيف عندما تنتهي صراعات ومنافسات جل البطولات الاندية في العالم، ما يسمح بتسريح اللاعبين الى منتخباتهم بدون مشاكل، لكن البعض الآخر مثل نجمنا المحبوب أبوتريكة، الذي باصراره على أن الكرة الافريقية تعامل بـ«احتقار»، فانه للأسف سيضع اللاعبين المحترفين في اندية القارة العجوز في مأزق، لأن غالبيتهم سيرزحون تحت ضغوطات عشق تمثيل منتخباتهم الوطنية، وأيضاً خسارة مصدر رزقهم، لأن هؤلاء النجوم سيقل الاعتماد عليهم، بعد عودتهم الى أنديتهم الاوروبية من مشاركتهم الافريقية، لانهم سيجدون مراكزهم احتلت بلاعبين غيرهم، بل الأنكى سيصبحون أقل جذباً للانتقال الى اندية أخرى بسبب هذا الامر، والتاريخ يعلمنا ذلك، ولهذا أسأل أبوتريكة، لو كان حارس الاهلي الشناوي أرجنتينيا و«أفشة» برازيليا، وبيرسي تاو من الاوروغواي، وقررت أمريكا الجنوبية اقامة بطولتها القارية واستدعاءهم في منتصف موسم يقاتل فيه الاهلي مع الزمالك وبيراميدز على لقب الدوري وعمالقة القارة في دوري الأبطال، هل سيصمت بدون أي احتجاج احتراماً للكونميبول وكي لا يشعره بـ«الاحتقار»؟
الامر لا يتعلق لا بـ«الاحتقار» ولا «قلة الاحترام»، بل بالمنطق والمصالح، أنت كمنتخب وطني تريد أفضل نجومك معك، وأنت كناد تدفع رواتب كبيرة تريد أيضا افضل نجومك معك، وهنا يأتي دور الفيفا لتعديل الأمور، وبدل التباكي، هناك حقيقة مرة سيدركها الجميع بترو، وهي أن النجوم الكبار مثل رياض محرز ومحمد صلاح وادوار ميندي، هم ليسوا ملكا للجزائر ومصر والسنغال فحسب، بل لمانشستر سيتي وليفربول وتشلسي أيضاً، ومثلما تريدهم أنت معك في أقرب وقت ولأطول مدة، هو كذلك يحتاجه، بل هو من يتكبد المال كي يفعل ذلك، وأنت تراهن على العواطف الوطنية فحسب.