قال الإغريق إن طائر «أبو فصادة» سئل: ماذا تأكل؟ فلما أجاب: زبدة، أيقن السائل أن المسؤول يكذب في إجابته، لهذا علق عليه مستنكراً قوله: لو كان هذا صحيحاً لظهرت آثار هذه النعمة على ساقيك. ومن المعروف أن المذكور «أبو فصادة» يتسم بساقين دقيقتين لا تُريان بالعين المجردة، لمن تجاوزت أعمارهم الأربعين!
ولهذا تململت، تململ السائل عندما قال الجنرال عبد الفتاح السيسي إنه كان يقرأ لمحمد حسنين هيكل، وموسى صبري، قبل أن يقول في وقت لاحق إنه قرأ مقالات كل الكتاب، ولم يكن تململي لأن قراءة كل المقالات لكل الكتاب عملاً لا يقدر عليه ولو أولو العزم من البشر، لكن أيضاً، لأن هذه القراءة لم تنتج حرصه على وجود كتاب في صحفه، وقد كان عبد الناصر قارئاً، ولهذا عرف لكتاب كبار أقدارهم، ومن أول طه حسين إلى خالد محمد خالد، ومن توفيق الحكيم إلى عبد الرحمن بدوي، وكان يذكر الكتاب بما قرأ لهم من كتب ومقالات، وكان هذا الباب الذي استطاع به غوايتهم وضمان ولاءهم، ثم إن هذه القراءة الدؤوبة جعلته ينشن لاختيار كاتبه الأوحد، فأصاب نيشانه محمد حسنين هيكل، وهو كاتب فاحش الموهبة!
وإذا كان السادات قد عمل في الوسط الصحافي فقد أنتج هذا علاقة واسعة بكتاب لا تنقصهم الموهبة، والقائمة تبدأ بموسى صبري وأنيس منصور، ولا تنتهي بهما!
أما مبارك الذي كان لا يقرأ ولا يكتب، فقد حافظ على من ورثهم من عهد السادات، قبل أن يعتمد سمير رجب كاتب البلاط، وهو مباشر في كتاباته، لم يكن يعنيه سوى قارئ واحد هو فخامته، حيث المقياس عنده هو طول المقال وليس جودته، ولهذا نقل عنه تعجبه من الزفة المنصوبة لهيكل، في حين أنه لم يكن يكتب سوى مقال واحد في الأسبوع، بينما يكتب سمير رجب ثلاث مقالات يومياً.
وعندما يقول الجنرال إنه كان يقرأ كل المقالات، ثم يكون خياره لرئاسة تحرير الصحف، على النحو الذي نرى، ويتم تجريف الصحافة المصرية من كتابها، لا نلام إذا تذكرنا ما رواه الإغريق عن «أبو فصادة» وما تعرض له من نقد على اجابته غير المنطقية عندما سئل عن طعامه، ولأول مرة تبدو الصحافة المصرية بدون كتاب، وقد منع في عهده فهمي هويدي من الكتابة، والإضافة التي جرت في مرحلة حكمه كانت بتحول نشأت الديهي إلى كاتب، وتقرأ له فلا تتبين جنس ما كتب؛ تغريدة أم موضوع إنشاء لتلميذ في الصف الرابع الابتدائي؟!
ياسر رزق هو الوحيد
الوحيد الذي كان خارج هذا السياق هو ياسر رزق، والذي قد تختلف معه في الموقف، اختلافك مع كاتب السادات الأول موسى صبري، لكن لا تنكر عليه موهبته، وإن كان لتفرده هذا ولقربه من السيسي، فقد تمكنت بعض الأجهزة من إزاحته من المشهد، لأسباب يطول شرحها، من بينها أنه في المجال النقابي أراد أن يكون امتداداً لمرحلة ولت، مثلها نقيبا الصحافيين إبراهيم نافع ومكرم محمد أحمد، من حيث وجود مساحة للاستقلال، غير مدرك لفروق التوقيت، وإذ استنكر قيام قوات الأمن باقتحام نقابة الصحافيين، فكان لا بد من ابعاده، ولم ينتبه أنه لم يسمح لمكرم محمد أحمد نفسه بهامش ضيق لممارسة احترام النفس، وطرد من رئاسة المجلس الأعلى للإعلام، بشكل مهين، أثر على معنوياته، فمرض، إلى أن مات!
وهناك أمر آخر هنا، هو أن ياسر رزق، مهتم ببقاء الحكم الحالي، وغيره من المقربين من الحكم والمستفيدين من وجوده من يشاركونه في هذا الاهتمام، لكن هناك فرقا بين من لديه ما يقوله من أجل ذلك، وقليلي الحيلة!
لقد منعوا ياسر من الجمع بين منصب رئيس التحرير ورئيس مجلس الإدارة، فعزل من رئاسة التحرير واستمر رئيساً لمجلس إدارة «أخبار اليوم» ثم تم عزله من المنصب الأخير، وأبعد من المشهد، لكن مؤخراً شاهدناه مع أحمد موسى في مقابلة مطولة على قناة «صدى البلد» والمناسبة صدور كتابه الذي يؤرخ فيه للثورة، وما جرى بعد ذلك، فذكرى ثورة «يناير» على الأبواب وهناك دعوى مجددة إليها، وإذا كنت أستطيع الجزم بأن شيئاً لن يحدث، إلا أن الجنرال يأخذ دائماً بالأحوط، وعند الضرورة، لم يجد في الفيلق الإعلامي من يجيد صنعة الحديث، ناهيك عن الكتابة في من يحيطون به، فجيء بياسر رزق من «الاستيداع» حسب المفهوم العسكري!
التفاصيل في كلامه يؤخذ منها ويرد، لكن بدا واضحاً لي أن السياق المهم هو التأكيد على فكرة سيادة الجيش، باعتباره «الولي الفقيه» في السياسة المصرية، وهي الفكرة التي يلح عليها عبد الفتاح السيسي، حتى وهو يشير إلى أنهم من جاءوا به، وأنه في مرحلة معينة قد يسلم لهم الأمانة، وهي فكرة مهمة للتأكيد على أن عقدة الأمر بيد الجيش لا الشعب فينتظر تدخله الذي لن يحدث أبداً بدون غطاء شعبي!
وإذ كرس رزق من فكرة أن الجيش هو السيد، فإن الرجل الأول فيه هو السيسي، وبوفاة المشير محمد حسين طنطاوي زالت العقبة التي كانت تحول دون أن يكون السيسي هو صاحب الكلمة ومصدر القرار!
ويؤسس ياسر رزق في هذه المقابلة لفكرة رفض الجيش لتوريث الحكم في عهد مبارك، وإبلاغه بأنهم لن يعملوا إلا تحت رئاسته هو، وعلى النحو الذي نقله اليه اللواء عمر سليمان والمشير محمد حسين طنطاوي، وهي عملية نفخ في المشير، لصالح فكرة سلطة الجيش على الرئيس، التي تصب في مصلحة السيسي، وكأن طنطاوي كان يمكنه أن يلمح مجرد التلميح لمبارك بشيء من هذا القبيل، وهو الذي كان يناديه رئيس الوزراء كمال الجنزوري باسمه مجرداً «حسين» كما لو كان يخاطب حارس العقار في البناية التي يسكن فيها. ولم يجرؤ على الدخول على مبارك والثورة مشتعلة لينقل له ما انتهى اليه اجتماع اركان الحكم من ضرورة اقالة وزير الداخلية، على النحو الذي أورده عبد اللطيف المناوي في مذكراته!
و«حسين» هذا، لم يكن بإمكانه اختيار رئيس أركان الجيش والرجل الثاني بعده، والذي حرص مبارك على استمرار الفريق سامي عنان في الموقع، ولم يكن على وفاق مع طنطاوي، ضمن فلسفة الاختيار المعتمدة لدى مبارك!
لقد ذكر ياسر رزق، إن المخابرات الحربية أعدت تقارير أفادت أن مبارك سيتنحى في مايو/آيار 2011، وأن السيسي عكف على كتابة تقدير موقف أفاد أن عناصر في الحزب الوطني الحاكم قد تستغل الأمر في الدفع بجمال مبارك رئيساً، وأن هذا قد يؤدي إلى انتفاضة شعبية، وإذ عرض السيسي تقريره على المشير فقد أكد إننا لن نطلق رصاصة واحدة ضد الشعب الثائر، فأمن المشير على كلامه!
وهكذا فإن مدير المخابرات الحربية هو من يقرر موقف الجيش، باعتباره الرجل الأول، بينما وزير الدفاع هو من يؤمن على قراره!
وقد كان ياسر رزق منذ التحاقه بمهنة الصحافة قريباً من الجيش، ويعلم أن هذا موقفه من عملية التوريث، فلماذا راهن على جمال مبارك؟!
لم يبق كثيراً من الوقت للإعلان عن أن السيسي هو بطل الضربة الجوية!
أرض- جو:
رفعت انتفاضة العاملين في ماسبيرو بالأسبوع الماضي شعارات ثورة يناير، لكن مطلب «ارحل» ونحو ذلك كان في مواجهة حسين الزين، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، فاتهم إنه ليس أكثر من عبد للمأمور، الذي اختاره بدون أي مؤهلات، سوى مؤهل واحد أنه موظف باهت بلا أي معنى، وهي المواصفات المطلوبة في الاختيار والترقي!
صحافي من مصر