كتاب حسن بزاينية «في نقد الخطاب الاستشراقي»: سيرة النبي محمد ومزالق التنميط المألوفة

نزار صالح
حجم الخط
1

بعد إقرار الباحث والأكاديمي التونسي حسن بزاينية بأنّ كتابات المستشرقين في السيرة النبوية ونشأة الإسلام وفيرة وغزيرة، وكُتبت بألسنة مختلفة، والإحاطة بها بالغة الصعوبة، فإنه يستقر على مساجلة استشراق اللغة الفرنسية في حقبة ما بعد 1960، أولاً؛ والتركيز، تالياً، على أربعة من أبرز أعلامه: مكسيم رودنسن، جاكلين شابي، كريستيان ديكوبير، وألفرد ــ لوي دي بريمار.
ويسعى المؤلف إلى تفكيك الخطاب الاستشراقي الفرنسي من خلال هذه النماذج، التي تعبّر في نظره عن «حلقات التمثّلات الفرنسية لبداية الإسلام»، كما تتيح النفاذ إلى خصائص الخطاب الاستشراقي الفرنسي واستجلاء أهمّ مواقفه من نشأة الإسلام. ومن هنا سار العنوان الفرعي للكتاب على النحو التالي: «سيرة محمد ونشأة الإسلام في الاستشراق الفرنسي المعاصر».
والدراسة، بهذا، هامة من زاوية محاورة هؤلاء المستشرقين نقدياً، من جانب أوّل؛ واستجلاء المواقف النقدية الأخرى التي صدرت عن باحثين عرب، من جانب آخر. وفي المباحث التي تغطيها الدراسة عبر هذه المقاربات، ثمة الكثير من الإضافات الجديدة، خاصة في الميادين موضوع السجال، أي السيرة النبوية ونشأة الإسلام.
بعد مدخل معمّق يتناول الاستشراق والنقد العربي المعاصر، ويضع الاستشراق الفرنسي في مرآة الدراسات العربية؛ يفتتح بزاينية دراسته بفصل أول تحت عنوان «المستعرب والنبيّ»، يناقش فيه مشكلة المصادر العربية للسيرة النبوية وكيف تعامل معها المستشرقون الفرنسيون، وخاصة رودنسن؛ ثمّ ينتقل إلى استعراض نشأة الإسلام وموقع النبيّ، ليفصّل القول النقدي في مزالق الاستشراق (الخضوع لسلطة الاستشراق الكلاسيكي، تداخل الماضي والحاضر في ذهن المؤرخ، تحريف معاني العربية، واستنساخ المواقف الاستشراقية).
وفي الإجمال يمزج بزاينية في الموقف من رودنسون بين تثمين النُظُم البحثية التي اعتمد عليها الأخير، مثل الأركيولوجيا والفيلولوجيا التي تتوخى المقارنات داخل الشبكات اللغوية السامية لجهة قراءة النص القرآني والمدرسة النقدية التاريخية من جهة أولى، وبين الملامة الشديدة أحياناً لأنّ تفسيرات رودنسون لحالات العنف في الإسلام المبكّر تبدو متأثرة بأجواء المحرقة النازية خاصة في ضمير باحث ومؤرخ ومفكر يهودي في نهاية المطاف.
الفصل الثاني يذهب إلى كتاب شابي «ربّ القبائل، إسلام محمد»، الذي صدر سنة 1997، فيناقش أطروحاته الأساسية حول إسلام محمد في بيئته الأصلية، ومفهوم «ربّ البيت»، وموقع مكة (لجهة الـ«أدمَنَة» نسبة إلى آدم، والـ»بَرْهَمة» نسبة إلى إبراهيم)؛ وصولاً إلى ما تفترضه شابي من «وثنية» الحجّ الإسلامي، وإحياء الرِمّة (الاتكاء على تآليف فلهاوزن ولامنس والاستشراق القديم)، والتساؤل النقدي عن شخصية المؤرخ في مجمل عمل شابي. هنا أيضاً لا ينجو كتاب الأخيرة من اتهامات بزاينية، وقسط غير قليل منها على صواب في الواقع، بالانسياق خلف خلاصات متعجلة لبعض المستشرقين المتعصبين أصلاً ضدّ شخصية النبي، أو الذين ينطلقون من فرضيات إثنولوجية قاصرة وسطحية يتمّ إسقاطها على بيئة الرسول الروحية والإيمانية من واقع مناخات قريش ومكة كما اختزلتها السرديات التاريخية الغربية والتنميطات الاستشراقية.
الفصل الثالث يبحث في سلسلة من الجهود الفرنسية الأخرى التي درست نشأة الإسلام وسيرة النبي، خاصة أعمال ديكوبير وبريمار، ثمّ موارد الاستشراق الفرنسي، ومصادره غير العربية، والمساهمات الهاجرية (نسبة إلى أبناء إسماعيل من هاجر) التي يعول عليها بريمار كثيراً. وفي هذا الجزء من كتابه يفصّل بزاينية رأيه القائل بأن الاستشراق الفرنسي يعاني من عقدة تقليد الدراسات الاستشراقية الأنغلو – ساكسونية عموماً، وبهذا فإنّ أفكار باتريشيا كرون ومايكل كوك في كتابهما «الهاجريّون: دراسة في المرحلة التكوينيّة للإسلام»، وديكوبير في ثلاثيته الرمزية (البغلة كدلالة على الهجرة، والسلاح في إطار الغزو على سبيل نشر الدعوة، والضيعة التي ترمز إلى المؤسسة والوقف) ليست سوى ترجيع أصداء مدارس الاستشراق الأخرى الإنكليزية.
وفي موجز مآخذ بزاينية على الاستشراق الفرنسي أنّ بعض متصدّريه لم يبرأوا من النظرة الاستعلائية أو العنصرية أو الانحيازية، وبعضهم يكشف أحياناً عن جهل مريع باللغة العربية، فضلاً عن تفضيل المراجع الغربية على المراجع العربية ذاتها، ليس فقط من زاوية تخفيف مشاقّ البحث والتنقيب والتدقيق، بل كذلك لأن الدراسات الغربية إنما تدغدغ أفكار مستشرقي الحاضر وتلبي نزوعاتهم.
ومن الواضح أنّ المؤلف ينتمي إلى تيارات نقد الاستشراق كما تجلت في أعمال عديدة، يشير هو إلى أمثال أنور عبد الملك وإدوارد سعيد وطلال أسد ورودنسن نفسه، ولكنه غير منخرط في مدرسة نقدية محددة، وهو إجمالاً ينتهج القراءة الاستدلالية والتحليل الاستنباطي. وله، في نطاق دراسته هذه، أطروحة دكتوراه بعنوان «كتابة السيرة النبويّة لدى العرب المُحدَثين، اتجاهاتها ووظائفها»، وسلسلة أبحاث محكمة حول الموضوع ذاته. وله أيضاً «مسائل الخلاف بين أبي حنيفة وفقهاء السُنّة من خلال كتاب الأحكام السلطانيّة للماوردي»، و«قضايا ترجمة القرآن، ترجمة بلاشير لسورة النّجم أنموذجاً»، و«السيرة النبوية في ضوء النقد الجديد: قراءة في أعمال معروف الرصافي وعلي الدشتي وهشام جعيط».
ولقد نجحت دراسته التي نعرضها هنا في إدارة سجال علمي ومنهجي، ناجح ومعمق، مع عدد من أبرز المستشرقين الفرنسيين المحدثين والمعاصرين، حول موضوع حساس وهامّ هو نشأة الإسلام والسيرة النبوية. واتكأت على منهجيات تحليلية واستقرائية واستنباطية صارمة، في لغة ميسّرة اجتهدت لتطويع المصطلحات الأجنبية. كذلك تمكنت الدراسة من تفادي الوقوع في إغواء نقد الاستشراق على النحو التقليدي الذي بات منتشراً ومعروفاً، أو ادعاء صياغة نظرية جديدة حول الاستشراق الفرنسي خصوصاً؛ وركزت في المقابل على جانب واحد، ولكنه شديد الأهمية، هو القراءات الاستشراقية لشخصية النبي وصعود الإسلام.
وقد اختار المؤلف منهجية تحليلية واستدلالية معاً، مكّنته من تحليل آراء المستشرقين الفرنسيين ضمن منظورات نقدية، والاستدلال على تجليات تلك الآراء في الأبحاث الاستشراقية الفرنسية والغربية عموماً، والردود والنقاشات العربية خصوصاً. وتلك منهجية مزدوجة بدت فعالة في خدمة البحث، وحيوية لجهة إشراك القارئ في السجال النقدي.
وتجدر الإشارة إلى أنّ لغة المؤلف سليمة ودقيقة، مبسطة عموماً، وسلسة في العرض، حتى حين تجنح إلى الصياغات الأكاديمية. وفي المصطلح يميل بزاينية إلى ترجيح «الظاهرتية» على «الظاهراتية» الأكثر شيوعاً، أو «الوظيفة القربانية» حين يتحدث عن الأضاحي، كما يتحدث عن وثيقة «مقمشة» حين يقصد المتفاوتة أو المتغايرة. لكنه إجمالاً يفلح في إيصال محتوى المصطلح بدقة كافية، كما يُحسن نحت بعض المفردات الفرنسية مثل «أدمَنَة» و«بَرْهَمة».
وفي ختام دراسته، وإلى جانب ثبت المراجع، أضاف المؤلف فهرساً للأعلام. وبحكم طبيعة الدراسة، هنالك توازن بين مصادر المؤلف ومراجعه باللغة العربية أو الأعمال المترجمة إليها، وبين الأجنبية باللغتين الفرنسية والإنكليزية أساساً. التوظيف كان جيداً في ما يخصّ مصادر الدراسة الأجنبية، أي أعمال المستشرقين الفرنسيين الأربعة؛ كما تواضع المؤلف في استخدام المراجع الأخرى الأجنبية غير المرتبطة مباشرة بموضوعه (رولان بارت، إميل دوركهايم، ليفي ـ ستروس…).
ومن نافل القول إنه تتوفر أبحاث عربية ليست قليلة العدد، ساجلت الاستشراق الفرنسي بصفة محددة؛ لكنّ جديد هذه الدراسة أنها اختارت أربعة نماذج من أبرز المستشرقين الفرنسيين في حقبة ما بعد ستينيات القرن الماضي، ووضعت كلاً منهم على محكّ النقد والتمحيص والمساءلة، من جوانب عديدة ومتباينة بين مستشرق وآخر. لكنّ الدراسة، وبسبب من أنّ الاستشراق الفرنسي وليد مؤسسة الاستشراق الغربية الأمّ، استخلصت من خلال هؤلاء جملة من الخطوط المنهجية والمعرفية والتأويلية التي كانت وراء عدد من أكثر مزالق المستشرقين المعاصرين شيوعاً وخطورة؛ وهذه المرّة ليس على صعيد فرنسي فقط، بل على مستوى الغرب إجمالاً.
د. حسن بزاينية: «في نقد الخطاب الاستشراقي»
مسكيلياني للنشر والتوزيع، تونس 2019
179 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية