تونس ـ «القدس العربي»: تأتي الذكرى الحادية عشرة لثورة 14 كانون الثاني/يناير في تونس في وقت تشهد فيه البلاد أزمة سياسية حادة جعلت البعض يحبسون الأنفاس خشية على الديمقراطية الوليدة وعلى المكاسب المحققة في مجالي حقوق الإنسان والحريات. فكل ما يحصل في البلاد منذ 25 تموز/يوليو الماضي يؤكد على أن رئيس الجمهورية قيس سعيد يرغب في إنهاء كامل منظومة 14 كانون الثاني/يناير 2011 أي منظومة الثورة، بأحزابها المعروفة ودستورها ومؤسساتها غير المكتملة، وإعادة التأسيس لمنظومة جديدة ما زالت معالمها وخطوطها الكبرى لم تتوضح بعد.
ويحمل جزء هام من التونسيين اليوم منظومة 14 كانون الثاني/يناير، أي منظومة الثورة، المسؤولية على الخراب الاقتصادي والاجتماعي الذي طال البلد في السنوات الأخيرة، ويساند ساكن قرطاج في مساعيه لإنهاء هذه المنظومة. بالمقابل فإن جزءا هاما من التونسيين أيضا لا يعتبر المنظومة المشار إليها مسؤولة عن الأوضاع المزرية التي يعيشها التونسيون اليوم في مختلف المجالات، ويرفض هذا الفريق رفضا قاطعا المساس بمنظومته ويعتبر أن استهدافها هو عملية إجهاض للديمقراطية التونسية الوليدة.
ويصف هؤلاء ما حصل يوم 25 تموز/يوليو 2021 من تجميد للبرلمان وحل لحكومة هشام المشيشي، من قبل الرئيس قيس سعيد، بالإنقلاب الذي استهدف مؤسسات الدولة الشرعية والمنتخبة وخرجوا في ذكرى الثورة مطالبين بالتصدي له. كما رفض هؤلاء، تتقدمهم حركة النهضة، الإجراءات الإستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد خلال شهر أيلول/سبتمبر الماضي، والتي جمع بموجبها بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، كما رفضوا خريطة الطريق التي أعلن عنها ساكن قرطاج مع نهاية السنة المنقضية بهدف الخروج من هذه الأزمة وإنهاء الفترة الاستثنائية التي تعيشها البلاد.
وبالتالي فإن ذكرى الثورة التونسية تحل هذا العام على وقع الاحتجاجات التي جاءت استجابة لدعوات من مبادرة «مواطنون ضد الانقلاب» وأحزاب «النهضة» و«التيار الديمقراطي» و«التكتل» و«الجمهوري» و«العمال» رفضا لإجراءات سعيد وتزامنا مع ذكرى الثورة التونسية .
فالإنقسام السياسي الحاد انتقلت عدواه إلى الشارع التونسي وأعاد إلى الأذهان تلك الأجواء المشحونة التي عاشها التونسيون في سنوات 2011 و2012 و2013 والتي كادت أن تؤدي بالبلاد إلى ما لا يحمد عقباه بعد سلسلة من الاغتيالات السياسية. كما أن المطالب الاقتصادية والاجتماعية، التي خرج من أجلها المتظاهرون منذ 11 سنة في مختلف أنحاء البلاد، لم تتحقق بعد، وما زالت الطبقة السياسية، موالاة ومعارضة، لا تعيرها أي اهتمام وتتصارع من أجل مغانم سياسية رغبة في الحكم وتقاسم السلطة والنفوذ.
مشاركة الجميع
يرى الإعلامي والكاتب السياسي التونسي كمال بن يونس في حديثه لـ«القدس العربي» أن تونس استقبلت العام الجديد في ظل أزمة اقتصادية اجتماعية وسياسية غير مسبوقة في تاريخها. فقد تعمقت الهوة، بحسب محدثنا، بين السلطة المركزية والطبقات الشعبية من جهة، وبين الأخيرة والنخب الحاكمة والمعارضة من جهة أخرى.
كما أنه، وبعد حوالي 6 أشهر عن قرارات 25 تموز/يوليو 2021 الرئاسية والتحركات الاحتجاجية الاجتماعية، لم تتحقق الإصلاحات الموعودة، حسب بن يونس، ولم يبدأ مسار إصلاحي تشاركي جديد لا يقصي الأطراف الاجتماعية والسياسية الفعالة. وعلى رأس هذه الأطراف الفعالة، بحسب محدثنا، اتحادات نقابات العمال ورجال الأعمال والفلاحين والأحزاب الكبرى التي فازت في الانتخابات السابقة، أي الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية واتحاد الفلاحين وحركة النهضة وغيرها من الأحزاب. وعن سؤال حول إمكانية الخروج من الأزمة الحالية من خلال المراهنة مجددا على فطنة وذكاء المواطن التونسي والنخب والمجتمع المدني مثلما حصل في السابق حين سطروا لبلدهم حاضرا مختلفا عن باقي الشعوب التي عاشت ظروفا مشابهة، وجنبوا بلادهم ويلات الحرب الأهلية، أجاب محدثنا بأن ذلك ممكن لكن لابد ان تتوفر شروط كثيرة من بينها التحكم في الأزمة الاقتصادية الاجتماعية وتنظيم حوار سياسي جدي متعدد لا يقصي إلا الأطراف التي تقصي نفسها. وعن رؤيته اليوم لذكرى الثورة في ظل المشهد السياسي الراهن، بعد قرارات سعيد ودعوة النهضة للتظاهر يقول الكاتب والإعلامي التونسي أنه: «في ظل المشهد السياسي والاقتصادي الراهن يحيي الشعب التونسي ذكرى ثورة يناير 2011 وكلهم حيرة وتخوفا من استفحال الأزمات المالية الاقتصادية والسياسية والأمنية. ففي هذا المناخ تعمقت الهوة بين الأطراف السياسية المساندة للسلطة وخصومها الذين يعتبرون ما وقع يوم 25 تموز/يوليو 2021 انقلابا ودعوا إلى تنظيم مظاهرات واحتجاجات من أجل إسقاطه. ورغم اختلال موازين القوى بين الداعين إلى التظاهر من أجل إسقاط الانقلاب وأجهزة الدولة، فإن ذكرى ثورة 14 كانون الثاني/يناير 2011 حلت في ظرفية أصبحت فيها الوحدة الوطنية مهددة.
كما جاءت ذكرى الثورة في ظرفية أزمة شاملة تستوجب، أولا حوارا جديا بين السلطة والبنك المركزي ونقابات رجال الأعمال والفلاحين والاتحاد العام التونسي للشغل والأحزاب البرلمانية. ثانيا الإفراج عن كل الموقوفين والمساجين في القضايا ذات الصبغة السياسية وتحسين مناخ الاستثمار والأعمال عبر تحسين مناخ الحريات والبرهنة على احترام حقوق الإنسان. ثالثا إعطاء الأولوية مجددا لمشاغل الشباب ومشاكله التي كانت سببا في ثورة يناير 2011 وعلى رأسها الحق في الشغل والكرامة والتوازن بين الجهات والفئات. رابعا استبعاد كل صيغ الإقصاء ومختلف سيناريوهات القطيعة والصدام التي أثبتت العقود الماضية فشلها، خاصة الصدام مع النقابات ومع الأحزاب السياسية ذات المرجعيات الإسلامية والوطنية والاشتراكية».
ثورة مستمرة
من جهتها قالت الصحافية وعضوة النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين ريم سوودي لـ «القدس العربي» إن تونس تحتفي اليوم بذكرى ثورتها 17 كانون الأول/ديسمبر 14 كانون الثاني/يناير رغم التجاذبات السياسية التي أحاطت بهذين الموعدين المحددين في المسار الديمقراطي الذي تؤسسه تونس، مشيرة إلى انه لا نستطيع ان ننفي ان 14 يناير كان موعدا تاريخيا مفصليا في التراكمات التي حصلت بين تاريخ 17 كانون الأول/ديسمبر و 14 كانون الثاني/يناير. وتتابع بالقول: «التضحيات التي قدمها التونسيون جعلت رأس السلطة زين العابدين بن علي يغادر البلاد وجعلت تونس تنتقل إلى مرحلة جديدة لبناء نظام ديمقراطي وجمهورية ديمقراطية لدولة راعية لحقوق الإنسان ودولة فيها مستوى عال من الحريات وفيها حرية إعلام وحرية تعبير».
وتضيف محدثتنا «اليوم هذا التغيير السياسي أو الفترة الاستثنائية التي انطلقت بها تونس من تاريخ 25 تموز/يوليو وهي تتنزل في إطار المسار الكامل لبناء دولة ديمقراطية ومسار الانتقال الديمقراطي ما زال متواصلا وما تزال الثورة التونسية مستمرة. وخروج جزء من القوى الأساسية اليوم لمعارضة قرارات قيس سعيد الاستثنائية لا أعتبره حالة من التوتر أو مؤشرا سلبيا بل بالعكس هو في وجهة نظري مهم، فالتعددية هي أحد عناصر بناء الديمقراطية وتونس الكل، قادرة على استيعابنا في إطار تحرك ديمقراطي سلمي إيجابي. ومهما كان هذا الاختلاف بين الفرقاء السياسيين كبيرا إلا اننا نؤمن بأنه في آخر الطريق هناك ضوء وهناك حالة انفراج ستقع في تونس لأننا نؤمن باننا نستحق بان نعيش في دولة ديمقراطية.
وتتابع الصحافية التونسية قائلة: «صحيح انه خلال العشر سنوات الماضية وقعت هنّات وتراجعات وانتكاسات وحصل فيها حزن وغبن وتراجع إلى الوراء ولكن ذلك لا يمنع من القول أنه في كل مرة كان التونسيون ينجحون في العودة إلى الطريق القويم والانطلاق من جديد في بناء المسار الديمقراطي. وتؤكد سوودي بأن الأيام المقبلة ستكون محددة للتونسيين، ودعت رئيس الجمهورية للانفتاح على المنظمات المدنية وعلى القوى السياسية المخالفة له لأنه لا نستطيع ان نؤمن بتونس الغد من دون ان نكون جميعا مشاركين ببنائها.
معادلة صعبة
من جانبه يرى المحامي والناشط الحقوقي صبري الثابتي في حديثه لـ«القدس العربي» أن ذكرى الثورة تحل هذا العام في ظل انقسام تونسي طال كل شيء حتى تاريخ هذه الثورة، فالبعض ومنهم رئيس الجمهورية يعتبرون أن تاريخ الثورة الحقيقي هو يوم 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 أي تاريخ انطلاق الشرارة الأولى من مدينة سيدي بوزيد، في حين يعتبر آخرون ومنهم حركة النهضة وأنصارها أن تاريخ الثورة هو 14 كانون الثاني/يناير 2011 أي يوم مغادرة طائرة بن علي للأراضي التونسية باتجاه المملكة العربية السعودية. وبذلك فقد بات في تونس، وبحسب محدثنا، فريقان سياسيان يتم تعريفهما بتاريخين مختلفين، جماعة 17 كانون الأول/ديسمير وجماعة 14 كانون الثاني/يناير، وذلك أسوة بما حصل سابقا في لبنان الذي كان منقسما بين فريقي 14 آذار و8 آذار وكأن المشاهد تتكرر في أكثر من بلد عربي.
ويضيف محدثنا قائلا «إن ما يحصل في تونس اليوم لا ينبئ بخير فالأطراف السياسية سواء أكانت في الموالاة أم في المعارضة لا يبدو أنها أخذت العبرة من العشرية الماضية التي انتهت فيها كل الحكومات إلى فشل ذريع لأنها لم تلتفت للمطالب الحقيقية للشارع التونسي وهي مطالب اقتصادية واجتماعية بالأساس. فالرئيس قدم خريطة طريق وأعلن عن إصلاحات سياسية ستطال الدستور والقانون الانتخابي وأشياء أخرى تصب في خانة الإستجابة للمطالب السياسية للنخبة المحلية وللمانحين في الخارج، ومن جهتها فإن المعارضة، التي كان طيف واسع منها في الحكم، ترفع اليوم مطالب سياسية لا غير وتتجاهل الشعارات التي رفعت خلال الثورة التونسية رغم أن تجاهل هذه المطالب طيلة العشرية الماضية هو الذي كان وراء تآكل شعبيتها حين كانت في الحكم. إن الشارع التونسي غير المسيس، والذي يطلق عليه البعض تسمية الأغلبية الصامتة، والذي لا تسيطر عليه الأحزاب السياسية بحسب نتائج الانتخابات الأخيرة التي شهدت عزوفه ومقاطعته للعملية، يئن اليوم بشدة من غلاء المعيشة ومن الآفاق المسدودة أمامه ولم تعد له القدرة على مزيد التحمل بعد أن تحمل لعشر سنوات بالتمام والكمال أو أزيد من ذلك. ومع استمرار تجاهل مطالبه من قبل النخبة السياسية، قد يحصل ما لا يحمد عقباه خلال الأشهر المقبلة خصوصا إذا عاود وباء كورونا انتشاره مع متحور أوميكرون واضطرت الدولة إلى الدخول في حجر صحي جديد مضر بمواطن الشغل.
زد على ذلك أن العلاقة بين رئيس الجمهورية والاتحاد العام التونسي للشغل ليست على ما يرام بسبب تجاهل ساكن قرطاج للمركزية النقابية التي اعتاد الرؤساء السابقون على تشريكها في الحياة السياسية. فالنقابات المنضوية تحت الاتحاد قادرة على إشعال البلاد من شمالها إلى جنوبها خاصة إذا وصلت إلى طريق مسدود في المفاوضات الاجتماعية مع الحكومة وهذا متوقع بما أن الحكومة مضطرة إلى القبول بإملاءات صندوق النقد الدولي المتوحشة والمغرقة في الليبرالية والتي يرفض الاتحاد الكثير منها باعتباره أحد أهم المدافعين عن الصبغة الاجتماعية للدولة التونسية.
فالمعادلة جد صعبة ولا بد من توفر الحنكة والدهاء لدى الساسة ورجال الدولة للخروج من هذا المستنقع والذي يبدأ أولا وبالأساس بتحقيق أهداف الثورة وهي أهداف اقتصادية واجتماعية بالأساس وليست سياسية. والاستمرار في تغليب السياسي على الاقتصادي والاجتماعي سيؤدي إلى استمرار غضب الجماهير وإلى تكرار فشل الحكام السابقين وهذا نبقى في حلقة مفرغة إلى أن ينهار البلد وينتهي نهاية أليمة فيصبح صومالا جديدا أو أفغانستان جديدة، وهو السيناريو الذي يخشاه الجميع بما في ذلك أصدقاء تونس في الضفة الشمالية للمتوسط وما وراء المحيط.