القاهرة ـ «القدس العربي»: بعد 8 سنوات من المداولات، اقتربت السلطة التشريعية في مصر من إقرار قانون العمل الجديد، وسط اعتراضات من الأحزاب والقيادات العمالية وحتى أصحاب الأعمال، على العديد من بنوده.
ويناقش مجلس الشيوخ، الذي يعد هيئة استشارية لمجلس النواب، مشروع القانون المقدم من الحكومة، كخطوة تمهيدية لعرضه على البرلمان.
وبدأ الحديث عن قانون العمل الجديد، عام 2014، عندما شكلت الحكومة لجنة لصياغة القانون، وهي اللجنة التي استغرق عملها نحو عامين، وحضرها ممثلون عن رجال الأعمال، عارضوا بشدة معظم المواد التي تمنح حقوقًا للعمال.
ووافقت الحكومة على مشروع القانون في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، وأحالته إلى مجلس الدولة، لبحث مدى اتساقه مع الدستور، ثم أحالته إلى مجلس النواب بتشكيلته السابق عام 2017 لإقراره، إلا أن ذلك لم يحدث.
وبعد انتخاب مجلسي الشيوخ والنواب الحاليين، أرسلت الحكومة مسودة مشروع القانون مرة أخرى لمجلس النواب في نوفمبر الماضي، بعد إقرار مسودته الأخيرة.
اجتماعات لأصحاب الأعمال
ومع تواصل مناقشات مشروع قانون العمل في مجلس الشيوخ، بدأت منظمات الأعمال الإعداد لمناقشة مشروع القانون وإعداد مذكرات وملاحظات حول المشروع تمهيدا لإرسالها للجهات المعنية حتى يخرج القانون ليحقق الأهداف المنشودة خاصة أنه يمس أكثر من 20 مليون عامل، يعملون في منشآت القطاع الخاص، الذي يمثل نحو 75٪ من إجمالي الاقتصاد القومي، ويجب أن يغطي كل الجوانب الخاصة بأطراف العلاقة العمل العمال وأصحاب الأعمال.
ويسعى اتحاد الصناعات لإعداد التعديلات التي تهدف إلى تهيئة المناخ المناسب للاستثمار، وأن يكون جاذبًا للمستثمرين وينظم العلاقة بين الشركات والعاملين من أجل نمو الاقتصاد المصري. كما يستعد لعقد اجتماع موسع لمناقشة مشروع قانون العمل وبحث الملاحظات عليه وتقديمها إلى الجهات المختصة لمراعاتها في التعديلات قبل الموافقة النهائية عليه.
وينتظر أن تقوم الغرف التجارية أيضا بإعداد مقترحات تمهيدا لتقديمها للجهات المختصة بشأن مشروع قانون العمل.
في الموازاة، عقدت لجنة التجارة الداخلية في جمعية رجال أعمال الإسكندرية، شمال مصر، اجتماعا لعرض ومناقشة ملامح قانون العمل الجديد.
وكشفت أن تم الاتفاق على إعداد مذكرة تتناول رأي الجمعية في مواد القانون التي تمت مناقشتها وترغب الجمعية في إضافة بعض التعديلات عليها على أن يتم عرض تلك المذكرة على أعضاء مجلس الشيوخ.
اتحاد العمل
وكان جبالي المراغي، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، قال في مؤتمر صحافي عقده قبل أيام، إن تأخر صدور قانون العمل الجديد يرجع إلى قوة اتحاد النقابات العمالية في مصر، والذي يرفض خروج قانون لصالح رجال الأعمال على حساب العامل.
وأكد أن قيادات النقابات متمسّكة بعدد من المواد باعتبارها حقًا أصيلاللعامل لتحقيق الأمان الوظيفي. وعلى الرغم من حديث الحكومة وأعضاء مجلس الشيوخ عن المميزات التي يتضمنها القانون لمصلحة العمال، إلا أن هناك عدة ملاحظات أبدتها القيادات العمالية على القانون، خاصة فيما يتعلق بما يعرف بالأمان الوظيفي ونسبة العلاوة السنوية والتمييز بين العامل المصري والأجنبي.
ويرى شعبان خليفة، رئيس نقابة العاملين بالقطاع الخاص، في قانون العمل الجديد بعض المواد «الكارثية». ويصفها بأنها «تعصف بحقوق العمال» بينما يطالب الحكومة ومجلسي النواب والشيوخ بمراجعة باب علاقات العمل والعقود.
وكانت العلاوة الدورية واحدة من البنود التي انتقدها خليفة في القانون. ويبين أن المادة 3 في القانون تنتقص من مكتسبات العمال، بعدم وضع العلاوة الدورية 7٪. وكانت موجودة في المادة الثالثة في قانون 12 لسنة 2003، وتم تخفيضها إلى 3 في المئة من الاشتراك التأميني. وقد أشارت إلى المادة نفسها دار الخدمات النقابية والعمالية، في ملاحظات نشرتها بالتزامن مع مناقشة مجلس الشيوخ لمشروع القانون.
التمييز
ويلفت خليفة إلى أن القانون ميّز بين عمال خدم المنازل المصريين والأجانب، وأن المادة (4) من الأحكام العامة بالقانون لا تسري على عمال المنازل، ومن في حكمهم بالمخالفة المادة 53 للدستور. ذلك في وقت نصت المادة 63 بتطبيق هذا القانون على عمال خدم المنازل الأجانب.
ويرى أن المشكلة في باب الأحكام العامة، فهو لا يخاطب المرأة أو والعاملين في المنازل، مثل حارس العقار والجنايني، وهم قرابة مليون عامل محرومون من قانون العمل، بينما المشروع لا يعطي مكتب العمل السلطة لمراقبة هذه العمالة، في الوقت الذي ينص الدستور في مادته رقم 53 على عدم التمييز بين العاملين.
وشهدت الجلسة العامة لمجلس الشيوخ المنعقدة أمس الإثنين، جدلا حول إدراج «العمالة المنزلية الأجنبية» في قانون العمل ضمن الفصل الخاص بتنظيم عمل الأجانب، رغم النص في القانون على عدم سريان أحكام قانون العمل على عمال الخدمة المنزلية.
وتنص المادة (64) في مشروع قانون العمل في فصل «تنظيم عمل الأجانب» على أنه يقصد بالعمل في تطبيق أحكام هذا الفصل كل عمل تابع، أو مهنة، أو حرفة، بما في ذلك العمل في الخدمة المنزلية.
واعترض النائب هشام سويلم، على إدراج «الخدمة المنزلية» في هذا الفصل بينما تمت إزالتها في المادة الرابعة من القانون بالنسبة لعمال الخدمة المنزلية المصريين، قائلا: «بهذا النص يصبح هناك تمييزا بين المصريين والأجانب، ونحن نناقش قانونا مصريا» وأطالب «إما حذف عمال الخدمة المنزلية أو إعادة المداولة على المادة الرابعة».
وعقّب محمد سعفان، وزير القوى العاملة، قائلا: «المادة هنا تتحدث عن العمالة الأجنبية، والهدف أن يتم تنظيم دخولهم وعملهم في مصر حتى يتم منحهم التصريح، أما المادة الرابعة فقلنا بالفعل إن العمالة المنزلية تحتاج لقانون خاص ينظم عملهم لاختلاف طبيعة عملهم عن مجال قانون العمل».
المستشار عبد الوهاب عبد الرازق، رئيس المجلس قال: «إذا كان الأمر خاصا بفئتين، العمالة المنزلية الأجنبية لهم طبيعة خاصة، وقد يقتضي الأمر إفراد نص خاص لهم، وذلك لا يعني وجود تمييز لهم عن العمالة المنزلية المصرية والذين سيكون لهم قانون خاص كما قال وزير القوى العاملة، وإلى أن يتم تنظيم كامل لعمل هذه الفئة، استلزم الأمر وضع نص استثنائي بهذا القانون إلى أن يصدر قانون خاص بالمهنة ككل، وهذا لا يتعارض أو يحمل أي تمييز».
تساؤلات حول غياب الأمان الوظيفي وعمالة الأطفال
ونصت المادة 69 من مشروع القانون على أن يبرم عقد العمل الفردي غير المحدد المدة أو لمدة محددة لا تقل عن سنة، وخصص علاقات العمل بـ 3 أنواع من العقود؛ عقد مفتوح وآخر مؤقت يحدد سنة بسنة لمدة 4 سنين، وعقد ينتهي بانتهاء الغرض منه في حالة المشروع المؤقت.
وفي باب إنهاء علاقة العمل، نصت المادة 28 على أن العقد المبرم لإنجاز عمل معين يجوز تجديده لمدة ست سنوات، بينما لا يجوز للعامل إنهاء العقد قبل إتمام إنجاز هذه الأعمال.
«مغالطة صريحة»
وتذكر دار الخدمات النقابية والعمالية، وهي منظمة حقوقية مهتمة بشؤون العمال، أن القول بحق صاحب العمل في اختيار نوع العقد الذي يناسبه ينطوي على مغالطة صريحة، إذ يمكننا العودة في هذا الشأن إلى القانون المقارن لنرى كيف تُصاغ التشريعات، للحد من ظاهرة العقود المؤقتة، وكيف تنص اتفاقيات العمل الجماعية التي تتفاوض بشأنها وتتفق عليها النقابات والاتحادات النقابية العمالية الحقيقية، والفاعلة، على تحجيم العقود المؤقتة داخل أطر من القواعد والمعايير الواضحة، أو من خلال نسب محدودة من عدد العقود لا يجوز تجاوزها.
وتطالب الدار بالنص على عدم جواز إبرام عقد العمل لمدة محددة إلا في حالة القيام بأعمال مؤقتة أو عرضية أو موسمية، لأن ذلك يتسق أيضًا مع التعريفات الواردة في صدر مشروع القانون لهذه الأنماط من العمل، وإلا ما قيمة وجدوى إدراج هذه التعريفات إذن.
وحسب شعبان خليفة، رئيس نقابة العاملين بالقطاع الخاص، المشرع أطاح بأحلام العمال بالأمان الوظيفي، ذلك لأن الأصل في العقد أن يكون غير محدد المدة. ولفت إلى ان القانون يحدد مستقبل 25 مليون عامل، يعملون في 3 ملايين و738 ألف منشأة قطاع خاص، ويستحوذون على 80٪ من إجمالي الاقتصاد.
وتابع: في باب إنهاء علاقة العمل مثلاً، في المادة 28 التي تنص على أن العقد المبرم لإنجاز عمل معين يجوز تجديده لمدة ست سنوات، ولا يجوز للعامل إنهاء العقد قبل إتمام إنجاز هذه الأعمال، ما يجعل علاقة العمل سخرة للعامل، الذي يستمر في تأدية مهامه لمدة 6 سنوات دون استقرار في العمل.
تعويض العمال
نقطة أخرى أثارها خليفة هي أن المادة 138 التي تنص على أنه إذا أنهى صاحب العمل عقدا غير محدد المدة لسبب غير مشروع استحق العامل تعويضا بمقدار أجر شهرين من الأجر الأساسي عن كل سنة خدمة. وفي ذلك أيضًا انتقاص من مكتسبات العمال، إذ نصت المادة 122 من قانون 12 لسنة 2003 على شهرين من الأجر الشامل.
حظر الإضراب
من بين المواد التي أثارت جدلاً واسعًا كانت المادة 207 التي نصت على حظر الإضراب أو الدعوة إليه، أو إعلانه في تطبيق أحكام هذا القانون، بالمنشآت الاستراتيجية أو الحيوية التي يترتب على توقف العمل فيها الإخلال بالأمن القومي، أو بالخدمات الأساسية التي تقدم للمواطنين، على أن يصدر رئيس مجلس الوزراء قرارًا بتحديد هذه المنشآت.
وقد طالبت دار الخدمات النقابية والعمالية بتطبيق رأي قسم التشريع بمجلس الدولة حول ضرورة تحديد مفهوم تلك المنشآت، أو بيان معايير تحديدها بموجب القانون، دون الاكتفاء بمجرد تحديدها بقرار يصدر من رئيس مجلس الوزراء، نظرًا لمساس هذا الحكم بأصل الحق.
وذكرت الدار أن تقرير لجنة الخبراء بشأن تطبيق معايير واتفاقيات منظمة العمل الدولية بشأن الحالة المصرية، تحفظ ـ بالفعل – على تقييد حق الإضراب في مؤسسات خدمية لا تعد أساسية، وفقًا للتعريف الدقيق لهذا المصطلح.
عمالة الأطفال
وفيما يخص عمالة الأطفال، وافق مجلس الشيوخ أمس على الفصل الرابع من مشروع قانون العمل الجديد والخاص بتنظيم عمل الأطفال.
وتنص المادة 57 على أنه مع عدم الإخلال بأحكام قانون الطفل الصادر بالقانون رقم (12) لسنة 1996، يعتبر طفلافي تطبيق أحكام هذا القانون، كل من لم يبلغ ثماني عشرة سنة.
ووافق المجلس على المادة (58) والتي تنص على: يحظر تشغيل الأطفال قبل بلوغهم خمس عشرة سنة، ومع ذلك يجوز تدريبهم متى بلغت سنهم أربع عشرة سنة بما لا يعوقهم عن مواصلة التعليم.
ونصت المادة (60) على: يحظر تشغيل الطفل أكثر من ست ساعات يوميًّا، ويجب أن تتخلل ساعات العمل فترة أو أكثر لتناول الطعام والراحة لا تقل في مجموعها عن ساعة واحدة، وتحدد هذه الفترة أو الفترات بحيث لا يعمل الطفل أكثر من أربع ساعات متصلة، ويحظر تشغيل الطفل ساعات عمل إضافية أو تشغيله في أيام الراحة الأسبوعية والعطلات الرسمية.
وطالب النائب محمد فريد، بإضافة بند يحظر تشغيل الأطفال في الأعمال التي تسبب لهم أضراراً على صحتهم أو تؤثر على سلوكهم الأخلاقي. ولفت النائب إلى أن هناك عمالة كبيرة من الأطفال في المحاجر والورش والأعمال الصناعية، قائلًا: وهذه من أسوأ أشكال صور العمل وبالمخالفة للاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر.
مميزات القانون
ورغم الاعتراضات على عدد من بنود قانون العمل، ترى منظمات نسائية وعمالية، أن مشروع قانون العمل الجديد تضمن عددًا من المميزات، منها باب تشغيل النساء. إذ نصت المادة 50 منه على أن المرأة العاملة تحق لها إجازة وضع 4 أشهر، ولمدة 3 مرات. وقد ساوى بين المرأة العاملة في القطاع الخاص وغيرها بالجهاز الإداري للدولة.
كما منح مشروع القانون الحق للمرأة في الحصول على إجازة دون أجر لمدة سنتين لرعاية طفلها. بينما لا تستحق هذه الإجازة لأكثر من 3 مرات طول مدة الخدمة.
وحسب شعبان خليفة، رئيس نقابة العاملين بالقطاع الخاص، ضمن مميزات القانون ما جاء بالمادة 118، إذ أنه يحق صرف أجر العمل كاملا في حالة الوقف عن العمل بسبب التحقيق معه، وفي المادة 121، إذ يكون الاختصاص بتوقيع جزاء الفصل للمحكمة العمالية المختصة، وفي مادته 139 والتي تنص على أن يعتبر العامل مستقيلاإذا تغيب دون مبرر مشروع أكثر من ثلاثين يومًا متقطعة خلال السنة أو عشرين يومًا متصلة.
كذلك اعتبرت دار الخدمات النقابية والعمالية أن معدي مشروع القانون أحسنوا في استحداث النص في المادة (6) على حظر التمييز في شروط وظروف العمل بسبب اختلاف الجنس، أو الأصل، أو اللغة، أو الدين، أو العقيدة، أو الانتماء السياسي، أو الموقع الجغرافي، أو لأي سبب آخر. وذلك يتوافق مع الدستور (المادة 53). لكن الدار دعت أيضًا إلى أن يتضمن النص حظر التمييز في التدريب والتشغيل فضلاعن شروط وظروف العمل. ونبهت إلى أن التمييز ضد المرأة وقائعه متعددة، فيما تصل في بعض الأحيان إلى النص في إعلانات الوظائف على قصرها على العاملين من الذكور دون الإناث.