يقول الروائي السوري فارس زرزور: «الرواية هي إحدى الفنون التي واسطتها الفكر والرؤية والقلم، وتوضع في حرص لتكون في خدمة الإنسان». تفتح هذه المقولة للقارئ المجال لاستيعاب الرواية ضمن إطارها الصحيح الذي يتجاوز الإمتاع إلى الفكر والرؤية، ولعل الرؤية هنا، السبيل لفهم الحياة وتفهُّم ما يحدث فيها انطلاقاً من الرواية نفسها. إذن دور الأدب مهم في اتّساع أفق الرؤية، وبرأيي هنا تظهر القدرة العجيبة له في خدمة الإنسان، وتحريضه على التفكير والتساؤل، وكيف يرى الأشياء التي لن يلحظ وجودها غير القارئ، ولعل هذا ما دفع الروائية الأردنية هيا صالح إلى القول في روايتها «جسر بضفة وحيدة»: «عليكِ الإيمان بالرؤية لتري».
فما هي يا ترى فكرة الرواية، وما رمزية الجسر ذي الضفة الوحيدة؟
تتحدّث صالح في بادئ الأمر عن فكرة الموت من منظور فلسفي، وما يشكله الفقدان في ذاكرة الإنسان، سواء أكان الفقد نتيجة الموت أو بسبب الفراق الدنيوي. تقول الرواية:
«ــ لقد حاولتُ الانتحار مراراً، لذا أصبح لدي مفهوم واضح عن الموت.
تجذب كلماته اهتمامي. أشغر بشيء من التعاطف معه؛ تُرى ما الذي يدفع شاباً مثله للتفكير في الانتحار؟
أقول وأنا أظلل عينيّ بيديّ لأحميهما من أشعة الشمس القوية:
ــ أنا أيضاً واجهتُ الموت مراراً، لكنني لم أسْعَ للقائه كما فعلتَ.
يبتسم ويواصل ارتشاف كأسه. يقول وهو يزيح القبّعة عن رأسه:
ــ عندما تقتربين لا يمكنك التراجع.. تبلغين بعدها نقطة اللاّعودة!
ــ العودة إلى ماذا؟
ــ للحياة.. ترتبطين بحبل واهن.. لا تستطيعين أن تواصلي عيشَك مع الأحياء، وتفشلين في فرض نفسك على الأموات.. تَبقين معلّقة في الهواء كعنكبوت يتمسّك بخيط رفيع ويتأرجح في المنتصف.
ــ أعرف.. مرات كثيرة نصل إلى هذه النقطة من دون الحاجة للموت. يصبح الموت مطلباً».
تطرح الكاتبة أيضاً فكرة أخرى وهي بقاء الأشياء بعد رحيل أصحابها، أي أن الإنسان مهما بلغ ما بلغ، ستهزمه في الأخير الأشياء التي تُرسّخ لوجودها بالحياة: «كيف تبقى الأشياء ونرحل نحن؟».
ولعل الذكريات هي ما يجعل موت من نحب شيئاً قابلاً لأن يُستعاد بكل ذكرى حتى ولو كانت عابرة. تقول الرواية: «كل ذكرى عابرة تستعاد بقوة». كما أنها ترى أن استعادة الذكريات في غير زمانها يمكن أن يؤذي بدلاً من أن يسعد، إذ يتحتم علينا أن نغلق الباب في وجه كل ما مضى كي نخلق ذكريات جديدة تساعدنا على مواصلة الحياة، فالذي يعيش على الماضي هو ميت بالحياة (…) الأفضل لكِ أن تُبقي على الذكريات الجميلة كما كانت، لأن استعادتها ربما تلغي جمالها.»
أحيانا نتذكر أشياء دون غيرها وبتفاصيلها الدقيقة في حين ننسى الكثير من الأشياء الأخرى، على الرغم من أن الذاكرة هي الذاكرة، لكن لهيا صالح ما تقوله في هذا الصدد: «ثمة أشياء تنطبع صورها في ذاكرتنا فلا ننسى أدق تفاصيلها، ربما لأنها ترتبط لا بما نراه فقط، بل بما نحسه أيضاً.»
ذات لقاء قال الشاعر اللبناني عيسى مخلوف: «ثقّف عينيك»، ولعلي كنت أبحث عنها كي أفسر خياراتي في التصوير والإحساس بما أشاهده أو ألتقطه، أي أن ليس كل ما تراه يمنحك جمالية الرؤية، فأنت مسؤول أيضاً عما تراه، ولعل هذه العبارة العميقة لهيا صالح توضح فكرة عيسى مخلوف بطريقة مغايرة، تقول: «كنت ألتقط الصـور للمدينة وبيوتها، وحالما أنتهي أركض لمعملي وأحمض الصور ثـم أختار الأفضل منهـا، وكان (الأفضل) يتحدد من خلال إحساسي بالمشهد، لذا لم أكن أملك جوابا (مقنعاً) في حال سُئلت عن سبب اختياري هذه الصورة لا تلك.»
كما أن الروائية تحاول تفسير علاقة الحب لا تبريرها روائياً، فالحب من وجهة نظرها قائم على الحب وحده ولا شيء سواه، وذلك من خلال سردها لعلاقة البطلة بماضيها وحبها لعمّار، فالحب كما عبرت عنه صالح روائياً: «لا يخضع لدائرة المنطق والسبب والنتيجة.»
إلى جانب التصوير الذي كان يمنح البطلة فرصة التعبير عن نفسها، كان حضور الموسيقى لافتاً أيضاً، فمن خلال هذه التوليفة يمكن القول أنّ الحياة تعول كثيراً على الفن، ولولاه لفقد البشر قدرتهم على الاستمرار. الحياة بكل مآسيها وحقائقها المؤلمة والصادقة تحتاج إلى الفن، تقول: «أنصتُ للموسيقى تسير مع صوت العود إلى نهايتها.. تغريني النهايات في المقطوعات الموسيقية؛ فهي الأقدر على مواصلة الحياة في ذهني. تتجمع كمياه في سد منيع، ثـم تنـدفع مرة واحدة لتغمر أعماقي».
تعبر بفقرة أخرى عن الإنسان الذي تتغير رؤيته للأشياء إما بالسلب أو بالإيجاب، وهذا ما يؤكد أن التأرجح بين الحقيقة والسراب صنيعة بشرية، لا يمكن أن تثبت على شيء ما دامت قادرة يومياً على التعرف على أشياء جديدة وفهمها كما يستوجب. تقول: «بقيت لأساعد عمار وهدى في ترتيب محتويات الصناديق، كـان بعضها يحتوي على الكتب، وبعضها الآخر على منحوتات من الخشب، عرفت أنها من صنعه. لم أرها جميلة آنذاك، كان ينقصها شيء ما، أو لعله كان ينقصني أنا شيء ما!».
لا يمكن اختصار فكرة الرواية بمقال، إذ أن أكثر ما يمكن أن تمنحه لنا القراءة الأولى هو التأويل، وكتأويل للعمل، سأستعير عبارة وردت على لسان البطلة في الرواية تقول فيها: «لم أفكر أثناء طفولتي لحظة أنني أنحدر من أسرة فلسطينية لاجئة، كنت أعتقد أن جميع البشر عراقيون»، ولعل هذه العبارة تحديداً تلخص الكثير، إذ تروي قصة هذه الفتاة الفلسطينية التي عاشت في العراق، والتي تجد نفسها في الأردن، لكنها بين هذا وذاك تحاول التحايل على الحاضر باستعادة الذكريات، ومحاولة تصور ذكريات موازية تبقيها على قيد الحياة. هنا تريد الكاتبة القول إن الذاكرة موجعة جداً، خاصة عندما تتواجه مع الموت، الفقدان، وأيضا محاولة تصور حياة مستحيلة بماضٍ غير موجود تماماً.
تتجاوز الرواية فكرة الماضي والمكان لتذهب بعيداً في رصد معاناة الإنسان مع الغربة التي لا تظهر ملامحها في حياته اليومية، لكنها تُعَلّم بروحه، إذ تعود إليه بأشكال عدة، وذلك من خلال تناولها روائياً لحياة مُصَوِّرة فوتوغرافية، تبحث عن نفسها في حاضرها، برغم أن لا وعيها يقودها إلى الماضي. هذا التأرجح بين الماضي والحاضر جعل الماضي بالنسبة لها هو الخيط الذي تمسك به كي تعبر الحاضر، وكأنها رهينة لما مضى، ولا صلة لها بما يحدث، ولكن ورغم ذلك تحاول العثور على نفسها عن طريق الموسيقى، والفن.
كما ترى الرواية أن الزواج ليس دائماً بداية حياة سعيدة وفقاً لتصورات المجتمع ورؤيته له، فهو أحياناً سجن آخر، يقبض بإحكام على الزوجين خاصة من يعاني من ذاكرة متورمة.
تدعو رواية «جسر بضفة وحيدة» إلى الوقوف أولاً على أعطابنا الداخلية ومواجهتها بجرأة كي نمتلك القدرة على الاستمرار، ونعيش حاضراً سليماً، وفي الوقت نفسه هي دعوة إلى النظر في مسألة الموت والحياة بشيء من الوعي، وهذا برأيي أحد أهم أفكار الرواية إذ تنطلق من الموت لتعبّر عن الحياة، لكنها في الوقت ذاته تحاول صياغة مفهوم الحياة الذي يقود إلى الموت، ومن هنا تحاول القول إن الحياة والموت لهما صلة وثيقة ببعضهما، إذ لا يمكن الفصل بينهما.
إذن الجسر أحياناً قد يكون بضفة تقود إلى اليقين الذي يلامس أرواحنا فنمسك بخيوط الحقيقة التي تجعلنا قيد الحياة، وقد يكون أيضاً جسراً بضفة وحيدة.
هيا صالح:
«جسر بضفة وحيدة»
الآن ناشرون، عمّان 2021
198 صفحة.