بيروت- “القدس العربي”: في إطلالة مؤثرة تشبه إلى حد بعيد إطلالته عندما قدّم استقالة حكومته قسراً من المملكة العربية السعودية في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، وقف الرئيس سعد الحريري في بيت الوسط، اليوم الإثنين، ليعلن تعليق عمله في الحياة السياسية وقراره عدم الترشح إلى الانتخابات النيابية هو وتياره، معدداً التسويات التي فُرضت عليه لمنع الحرب الأهلية من احتواء تداعيات 7 أيار/مايو إلى اتفاق الدوحة إلى زيارة دمشق إلى انتخاب ميشال عون إلى قانون الانتخابات، معتبراً “أن هذه التسويات، التي أتت على حسابي، قد تكون السبب في عدم اكتمال النجاح للوصول لحياة أفضل للبنانيين، والتاريخ سيحكم”.
وأكد الحريري أنه “من باب تحمل المسؤولية، كنت الوحيد الذي استجاب لثورة 17 تشرين/أكتوبر 2019 فقدمت استقالة حكومتي. وكنت الوحيد الذي حاول بعد كارثة 4 آب/أغسطس في بيروت تغيير طريقة العمل عبر حكومة من الاختصاصيين”، مضيفا أنه “من باب تحمّل المسؤولية أيضاً، ولأنني مقتنع أن لا مجال لأي فرصة إيجابية للبنان في ظل النفوذ الإيراني والتخبط الدولي، والانقسام الوطني واستعار الطائفية واهتراء الدولة، أعلن التالي: أولاً، تعليق عملي بالحياة السياسية ودعوة عائلتي في تيار المستقبل لاتخاذ الخطوة نفسها. ثانياً: عدم الترشح للانتخابات النيابية وعدم التقدم بأي ترشيحات من تيار المستقبل أو باسم التيار”.
وفي أول ردود الفعل على إعلان الحريري، قطع مناصروه طريق قصقص والكولا وكورنيش المزرعة في بيروت وأوتوستراد الناعمة احتجاجاً، مبدين “عتباً على الشيخ سعد لإقفال بيت الحريري”، ومطالبين بأن “يأخذهم معه على متن باخرة”، فيما جاء أول التعليقات من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي كتب على تويتر: “تيتم الوطن اليوم والمختارة حزينة وحيدة”، ليضيف في حديث إلى رويترز أن “قرار الحريري يعني إطلاق يد حزب الله والإيرانيين في لبنان”.
تيتم الوطن اليوم والمختارة حزينة وحيدة #لبنان pic.twitter.com/PyvNJWHGmV
— Walid Joumblatt (@walidjoumblatt) January 24, 2022
كذلك، كتب رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، تعليقا على كلام الحريري، “صفحة حزينة للوطن ولي شخصياً، ولكنني أتفهّم الظروف المؤلمة التي يعيشها والمرارة التي يشعر بها”، مضيفاً “سيبقى الوطن يجمعنا والاعتدال مسارنا ولو تغيّرت الظروف والأحوال، مستلهمين قوله تعالى “لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم”.
كلام الرئيس سعد الحريري اليوم صفحة حزينة للوطن ولي شخصيا،ولكنني أتفهم الظروف المؤلمة التي يعيشها والمرارة التي يشعر بها.
سيبقى الوطن يجمعنا والاعتدال مسارنا ولو تغيرت الظروف والاحوال، مستلهمين قوله تعالى “لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم “— Najib Mikati (@Najib_Mikati) January 24, 2022
وجاء قرار الحريري في وقت كانت قيادات في قوى 14 آذار/مارس سابقاً وعلى رأسها القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وحزب الوطنيين الأحرار وبعض الشخصيات تعد العدة لإقامة أوسع تحالف انتخابي سياسي في وجه حزب الله تحت شعار رفع الاحتلال الإيراني عن لبنان، الأمر الذي يضعف أوراق هذه القوى ويتيح لحزب الله اللعب داخل الساحة السنية والاحتفاظ بالأغلبية النيابية بالتحالف مع التيار الوطني وبعض الأفرقاء.
وفي قراءة لتداعيات انسحاب الحريري أن الطائفة السنية سيتعزّز شعورها بالإحباط، كما شعر بذلك المسيحيون بعد اتفاق الطائف وإعلانهم المقاطعة الشاملة للانتخابات التي جرت عام 1992 بنسبة مشاركة بلغت فقط 13 في المئة، وسمحت لنواب مسيحيين بالفوز بـ42 صوتاً فقط.
ويأتي تعليق الحريري عمله السياسي – وهو وريث والده رفيق الحريري الذي امتلك مواصفات القوة السياسية والمالية والعلاقات العربية والدولية – ليعكس تماماً ما يشعر به أهل السنّة من مرارة بعد مرحلة صعود السنية السياسية في التسعينيات، التي ورثت المارونية ليأتي حالياً زمن الشيعية السياسية والعسكرية.
وإذا كان اغتيال رفيق الحريري كسر ظهر السنّة عام 2005، فإن التفاف اللبنانيين بمعظم مكوّناتهم المسيحية والدرزية والسنية حول بيت الحريري أعاد للحريرية بريقها ومنح الشرعية الشعبية لنجله سعد، الذي جاءت خطوته اليوم لتعيد السنّة إلى مرحلة الصدمة بعد 14 شباط/فبراير يوم اغتيل “من عمّر بيروت”، وليحلّ الفراغ في الشارع السني الذي من الصعب أن يملأه أحد في المستقبل المنظور، في غياب الزعامات التي برزت منذ الاستقلال على ساحة الوطن بدءاً برياض الصلح وصائب سلام مروراً برشيد كرامي وصولا إلى رفيق الحريري، مع العلم أن المزاج السني لأهالي بيروت وطرابلس وعكار وإقليم الخروب والبقاع كان غير راض عن أداء سعد الحريري وخساراته المادية والسياسية رغم محبتهم له. وكان هؤلاء يطالبون بزعامة تستعيد لهم كرامتهم بعد اجتياح حزب الله لبيروت في 7 أيار، ولا تهادن الحزب الموالي لإيران، وخصوصاً بعد صدور حكم المحكمة الدولية الذي ثبت فيه ضلوع الحزب بتفجير 14 شباط.
يبقى أن جمهور “تيار المستقبل” سيشتاق لترداد أغنية “عالوعد مكمل دربك… يا رفيق العمر الحبيب… غبت وروحك ما بتغيب… عن شعب اللي بحبك”.