نواف سلام في: «لبنان بين الأمس والغد»: كلما ترسخت الطائفية فإن سلبياتها سوف تزداد

سمير ناصيف
حجم الخط
0

من أصعب المهمات لأي لاعب سياسي مهما كانت خلفياته الفكرية وقيمه الأخلاقية خوض عملية طرح الإصلاحات للنظام السياسي والاقتصادي اللبناني الطائفي التوجه من دون دفع ثمن سلبي إذا تجرأ وقال الحقيقة.
وهذا الأمر يصبح أكثر صعوبة لشخصية قد تخسر بسبب ذلك فرصة الوصول إلى أعلى المناصب في السلطة اللبنانية نتيجة لانتقاداتها لبعض الممارسات التي تتجاوز المواثيق والتي عكف بعض أرباب السياسة اللبنانية على ممارستها باستمرارمنذ نيل لبنان استقلاله عام 1943 حتى الآن (وقبل ذلك) لترسيخ مصالحهم الفردية والمالية والمادية.
ولكن الدكتور نواف سلام، الذي طرح إسمه لرئاسة الحكومة اللبنانية في أكثر من مناسبة، وبينها في الأشهر والسنوات القليلة الماضية، لم يتقاعس عن مواجهة هذا التحدي الصعب الذي أدى إلى حرمانه هذا المنصب الوزاري القيادي.
نواف سلام، رجل قانون ودبلوماسي سابق متخصص في القانون الدولي والعلوم السياسية، وقد كان بين عامي 2007 و2017 سفيراً ومندوباً دائماً للبنان لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وقبلها احتل مناصب أكاديمية في الجامعة الأمريكية في بيروت وجامعة السوربون الفرنسية. وقد أصدر العام الماضي كتاباً بعنوان «لبنان بين الأمس والغد» جمع فيه أبرز مقالاته في السنوات الماضية حول الخطوات المطلوبة لإصلاح النظام السياسي الطائفي في لبنان وإتاحة قيام دولة فعلية في البلد بامكان المواطن فيها تحقيق ذاته كمواطن بالمعنى الكامل، كما بامكانه مساءلة ومحاسبة قادته عندما يتجاوزون صلاحياتهم.
مقاربة الكتاب الأساسية أنه كلما ترسخت الطائفية في لبنان، فإن سلبياتها ستزداد، وانه على الرغم من محاولة «اتفاق الطائف» طرح الحلول لهذه المشكلة، فانه يحتاج إلى تعديلات جذرية وإلى تطوير وتطبيق فعلي لبعض بنوده الهامة قبل أن ينجح في ذلك، بل ربما من الأرجح لكونه طبق جزئياً، أنه ساهم في ترسيخ الطائفية في البلد وإدراج بعض القضايا كقضايا نهائية والتي كان من المتفق ان تكون قضايا آنية ومرحلية وألا تضم إلى النصوص الدستورية الدائمة، ما أدى إلى حدوث الكثير من المشاكل في السنوات الأخيرة.
في القسم الثالث من الكتاب الذي يشرح بالتفصيل مقاربته الأساسية وعنوان «الأمم المتحدة والأقلية الفلسطينية في إسرائيل» يؤكد الكاتب ان مواثيق الأمم المتحدة وقراراتها تعُلّق نظرياً أهمية خاصة على حماية الأقليات وعدم ممارسة سياسة التمييز العنصري ضدها، كما ركزت المنظمة الدولية الفيدرالية السياسية والتقسيم للبنان كبلد موحد. كذلك يدعو الكتاب إلى استقلالية القضاء وحمايته من التدخل السياسي وإلى تعزيز دوره في مكافحة الفساد خصوصاً لدى السياسيين النافذين في النظام الطائفي المستفدين من الفوضى الاقتصادية. ويدعو سلام إلى إصلاح قانون الانتخاب الذي صدر عام 2017 وجرت على إثره انتخابات عام 2018 عبر الاعتماد على مبدأ النسبية وذلك بشرط جعل قرار الصوت التفضيلي فيه على أساس المحافظة وزيادته إلى خيارين تفضيليين بدلاً من واحد في هذا المجال لتفادي تنافس أعضاء اللائحة الواحدة فيما بينهم.
وينتقد المؤلف استخدام العامل الديني سياسياً كـ «عصبية دينية» من قبل رجال الدين وزعماء الطوائف بدلاً من دوره للحمة وتعاضد تلك الطوائف بالتنسيق مع القيادة السياسية للدولة وبدلا من خيارات سلبية مؤججة للصراعات.
وترتبط مواقف سلام في هذا المجال بنظريات كبار علماء الاجتماع السياسي في العالمين العربي والإسلامي وبينهم كبيرهم ومعلمهم ابن خلدون فيقول: «الهدف الذي تسعى إليه هذه الطوائف عبر التزام التركيز على ممارسة الشعائر والطقوس الدينية هو (في بعض الأحيان) تأكيد للهوية الطائفية، وفي ذلك شكل من أشكال النرجسية الجماعية». وبالتالي فقد أصبح عامل العصبية أكثر منه عنصرا للتدين، وأصبحت غاية تلك العصبية الوصول إلى السلطة أولاً، وهكذا باتت الطوائف تخضع العنصر الديني الذي كان في أساس نشأتها وألهم نشاطها الأول، لأهداف زمنية ومصالح سياسية وخصوصاً في ما يتعلق بوجودها وأمنها وببسط هيمنتها». (ص24)
ويضيف: «لقد تعمق الوعي الطائفي حول الهوية الطائفية، من جراء الاهتمام المتزايد الذي أبدته القوى العظمى الأوروبية بوضع الطوائف الدينية في لبنان ومستقبلها. وقد سعت هذه القوى، عبر إنشاء علاقات متميزة لها مع بعض الطوائف، ومن خلال حمايتها لها إلى مضاعفة نفوذها في الامبراطورية العثمانية وزيادة قدرتها على استخدام جماعات من الداخل للضغط على سياسات الباب العالي أو للمساومة معه». (ص29)
ولعل ذلك التصرف (آنذاك) يشبه ما يحدث حالياً أو ما حدث في العقود الأخيرة الماضية في لبنان.
ويضيف: «فضلا عما تقدم، هناك عدد من المدارس والكليات ومعاهد التعليم العالي ذات الطابع الطائفي التي تُساهم بدورها في تباين التأهيل الاجتماعي لدى اللبنانيين، ويدعمها عدد كبير من الصحف والمجلات ودور النشر ومحطات الإذاعة والتلفزيون المرتبطة بمؤسسات أجنبية وطائفية» (أو التي تسعى إلى تشجيع الطائفية السياسية لأسباب متعلقة بمصالحها).
ويطرح سلام تذكيراً بأن: «وحدة القيادة في الطائفة حسب الايديولوجية الطائفية لا تعبر في معظم الأحيان سوى عن تمكن مجموعة من الهيمنة على طائفتها». (ص33)
ويدعو إلى انتخاب مجلس نواب على أساس نسبي غير طائفي ومن الأفضل انتخابه حسب المحافظة الإدارية، ومجلس شيوخ يمثل المجموعات الدينية والطائفية المختلفة في سائر أنحاء لبنان.
ويقول: «يمكن على سبيل المثال ان نبدأ بالعمل بنظام المجلسين (كما تنص المادة 22 من الدستور) بحيث يتم حصر التمثيل الطائفي في مجلس الشيوخ وتحرير مجلس النواب من القيد الطائفي ليؤمن المشاركة الوطنية، وأن لا تخضع الوظائف الإدارية لغير معايير الجدارة والكفاءة، ولمَ لا؟ أن ننظر مستقبلاً في استبدال التوزيع الطائفي الثابت والصارم للمناصب الثلاثة العليا في البلاد بصيغة المداورة؟ ولعل الطرح الأخير هذا في الكتاب شكل إحدى أهم النقاط والمقترحات التي أدّت إلى استبعاده وإلى عدم امكان اختياره كرئيس للحكومة اللبنانية بعد استقالة حكومة الرئيس حسان دياب مؤخراً، فمعظم نظرياته الإصلاحية ممكن البحث فيها بنظر «الدولة العميقة اللبنانية» إلى مثل هذه النظرية التي ترسخ معارضيها في الماضي والحاضر وبالمطالب الطائفية خصوصاً في المرحلة الحالية حيث طالب ويطالب زعماء طائفة الشيعية بمنصب ثانٍ مُستمر وثابت لها (هو الآن منصب وزير المالية إضافة إلى رئاسة مجلس النواب) الذي يستطيع تجميد القرارات المالية لأي جهة أُخرى في الدولة (بما في ذلك رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة) كما يتمسك زعماء السنّة اللبنانيون بأن القرارات المصيرية اللبنانية يجب ان تتخذ من جانب مجلس الوزراء مجتمعاً في شتى القضايا وليس من أي جانب واحد (رئيس الجمهورية) فيما يطالب قادة الطوائف الأرثوذكسية والكاثوليكية بمناصب ثابتة ومستمرة في الحكومة.
وتأتي العقبة الأخرى لطروحات الدكتور سلام «التطويرية» بانها حتى وإن اتجهت لإنشاء نظام نسبي على صعيد لبنان ككل أو في تمثيل المحافظات الكبرى في مجلس النواب، فقد يرتبط ذلك التوجّه سلباً بالتقلص الديموغرافي للطوائف اللبنانية المسيحية (بالمقارنة مع الطوائف الإسلامية عموماً) على التمثيل في المجلس النيابي، مما يخشاه الزعماء المسيحيون. هذا بالإضافة إلى صعوبة الإجابة عمن ستكون له الأفضلية في حال وقوع استقالات أو وفيات أو اعتكافات في المناصب الكبرى الثلاثة (رئاسات الجمهورية والحكومة ومجلس النواب)؟ وهل بالامكان إنشاء أو تفعيل هيئات أو مكونات للتعديلات الجذرية في النظام من دون المرور بمجلس الوزراء أو بمجلس النواب؟ وما هي بالفعل الضوابط للمناصب الرئاسية الثلاثة الكبرى؟ يعني ذلك إلى أي مدى يمكن لهذا الرئيس أن يفرض نفسه على ذلك الرئيس أو على رئيسي الحكومة والمجلس؟ وإلى أي حد يحق لرئيس المجلس النيابي البقاء في منصبه والتصرف كرئيس موازٍ للرئيسين الآخرين (الجمهورية والحكومة)؟
وهذه الأمور قد تشكل لبّ القضايا المصيرية العالقة حالياً، هذا طبعا بالإضافة إلى أي جهة لها الحق بمفردها التصرف بمصير النفط والغاز اللبنانيين أو بمصير منصب حاكم البنك المركزي المدعوم من جهات خارجية فاعلة جداً؟ (أمريكا والسعودية وحلفائهما).
كما ان الصراع على العوامل المرتبطة بالانتخابات النيابية والرئاسية (التي أصبحت قريبة الحدوث في الأشهر المقبلة) هو صراع ليس داخلياً فحسب بل هو عربي وإقليمي ودولي، لان نتيجته ستؤثر على دور حزب الله في لبنان وطبيعة علاقته بالدولة اللبنانية وعناصرها المختلفة.
نواف سلام تولى منذ عام 2018 منصب قاض في المحكمة المخصصة للبنان في «محكمة العدل الدولية» في لاهاي، بهولاندا وهي محكمة رفض حزب الله اللبناني الإنصياع لقراراتها ولشرعيتها. وبرغم احترام العديد من الجهات اللبنانية لمؤهلات نواف لتسلم منصب رئاسة الحكومة بسبب اختباراته وثقافته الواسعة، فلعله قد تم استبعاده لأن مكوناً أساسياً في النظام اللبناني «حزب الله» تحفظ حول دوره كأحد القضاة اللبنانيين في قضية اتهام حزب الله باغتيال الرئيس رفيق الحريري في المحكمة الدولية الخاصة بهذا الموضوع.
لكن ذلك لا ينفي أن خبرة هذا الأكاديمي والسياسي الضالع في الشؤون اللبنانية السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبتفاصيل تعقيدات الدستور والنظام السياسي اللبناني وانعكاساتها انتخابياً، تؤهله لاحتلال منصب قيادي في البلد. وهذا بالإضافة إلى رفضه الانغماس في مغطس الفساد الذي ينغمس فية كثيرون من أرباب السلطة في لبنان. وبدلاً من ان تكون هذه الصفة ميزة مؤهلة له في هذا المجال، اعتبرها «بارونات» الفساد في لبنان خطيئة تبعده عن السلطة رغماً عن إيمانه بأن محاولات تجسيد مفهوم المصلحة العامة والتركيز في الماضي على نظام المؤسسات في عهد الرئيس فؤاد شهاب وإنشاء عدد من أجهزة الرقابة للإدارة اللبنانية شكلت خطوات في الطريق الصحيح، وبأن الحق الحصري للدولة في التشريع والحكم في قضايا المواطنين هددتها سلطات محلية غير شرعية أنشأتها الميليشيات خلال الحرب الأهلية اللبنانية والمحاكم التابعة لها. هذه الجهات وضعت إشارة حمراء على تسلمه مناصب قيادية في البلد، ولعل الانتخابات التشريعية المقبلة ستعيده (هو وأمثاله) إلى مناصب قيادية عليا يعتبر كثيرون بأنهم يستحقونها.

الدكتور نواف سلام:
«لبنان بين الأمس والغد»
دار شرق الكتاب، بيروت 2021
181 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية