ثلاثة مواقع إلكترونية في مصر

من مثلي يميل أكثر إلى الكتب والمجلات الورقية المطبوعة، لكن من مثلي شاء أم أبى سيجد نفسه يدخل على المواقع الإلكترونية للصحف والمجلات، لأنها تسبق في الوقت صدور الصحيفة أو المجلة من ناحية، ومن ناحية أخرى قد تكون الصحيفة أو المجلة في دولة خارج مصر، ومن ثم تصل إليها متأخرة، أو لا تصل لأسباب رقابية، ومن مثلي لم يعد يخرج كثيرا من البيت، سواء بحكم العمر أو المرض، فيكون الوصول إلى موقع الصحيفة أو المجلة، أمراً لا يحتاج إلى أكثر من ضغطة على الموبايل أو اللاب توب.
منذ سنوات قريبة اكتشفت دور النشر أهمية المواقع الإلكترونية، فأقامت لها مواقع تقدم فيها أعمالها، وتعلن عن لقاءاتها وندواتها، وهو أمر دعائي لا يكلف الدار شيئا إلا راتب مدير الموقع، الذي عادة يكون له عمل آخر في الدار، فإدارة موقع لا تحتاج تفرغا كبيرا، خاصة حين يُعنى بإنتاج الدار وحدها. بعض دور النشر ساهمت في أزمة لبعض الكتاب وهي تقوم بالتركيز على أعمال ما يسمى «بيست سيلر». والأزمة جاءت من إهمالها لأعمال كتاب كبار رأت أنهم لا يحتاجون إلى دعاية، بينما لا أحد لا يحتاج إلى دعاية، مهما كبر حجمه، في زمن صارت الميديا مفتاح القبول من كل الأجيال، وفي زمن صار فيه المؤلفون أكثر من القراء.
صرت مدمنا على دخول الإنترنت على غوغل، أبحث عن دور النشر وعن الصحف والمجلات، وتابعت أكثرها فصارت تصل إليّ دون جهد مني على صفحات تويتر وفيسبوك. وهكذا لم أعد أتكلف البحث عنها إلا في ما ندر. قديما كنت حريصا على شراء الصحف والمجلات التي فيها مقال أو قصة لي أو مقال عني، والآن أكتفي بقراءتها على الموقع، وكثيرا ما أنشرها على صفحتي في فيسبوك وتويتر، متصورا أني أحفظها، ناسيا أنه يمكن لشيطان أن يقوم بتهكير صفحتي وضياع كل شيء.
مواقع عن الكتب الجديدة الآن أكثرها موضوعي، وأقلها يهتم بكتاب محددين فتشعر بأن هناك صلة بين الموقع والكاتب ربما، أو بين الموقع ودار النشر أكثر. كثير من الأمور تثير الشكوك وأسمع شكاوى كثيرة من كتاب يندهشون من هذه المسألة، وليس عندي إجابة حاسمة، خاصة أن الإنترنت مفتوحة للجميع، وإن كنت مقتنعا بذلك إلى حد كبير.
في السنوات الأخيرة ظهر موقع جانح يُعني بالجديد أو المغامر من الأعمال الأدبية والفنية هو موقع ميريت، الذي ترعاه دار ميريت للنشر لصاحبها محمد هاشم. هذا الموقع الذي يديره الشاعر سمير درويش، يُعني كما قلت بما هو جانح وخارج عن المألوف في الحياة الأدبية، وتقدّم في ذلك حتى صار هدفا للنشر لدى كل موهوب أو كل سابق لعصره، لا تتماشي جرأته مع وسطية وسكونية الجرائد والمجلات الرسمية في مصر أو غيرها. أصبح العدد الشهري من هذه المجلة الإلكترونية محل انتظار وترقب لما فيه من جرأة في البحث وطموح كبير للكتّاب، ولما فيه من جديد تأليفا أو ترجمة. استقر لهذه المجلة مكان قوي في الحياة الثقافية.
ومنذ وقت قريب ظهر الشاب إسلام وهبان، الذي أسس الموقع الإلكتروني تحت عنوان «مكتبة وهبان» وهو مجموعة عامة تهدف إلى زيادة القراء وصار نافذة رائعة واسعة وعميقة على الإنتاج الثقافي بكل أنواعه، وتساوى عنده الاهتمام بكل الناس ما دامت الأعمال جيدة، بعيدا عن تأثيرهم أو تأثير دار النشر. الموقع ليس مجلة شهرية مثل ميريت، لذلك صار نافذة كل يوم على الأعمال الجديدة، يجذب إليها القراء بالحديث الجميل عنها، أو بإقامة المسابقات حول مؤلفها وحده، أو متعاونا مع مواقع أخرى. المدهش لي أني كثيرا ما أظن إسلام وهبان أسرع من دور النشر في الحديث عن أعمالها، وأحيانا أتخيل أنه هو الذي يصدرها وأبتسم. كل ما في الأمر أنه يتابع بشغف ما يتم نشره، ولا يتأخر هو عن قراءته، أو نقل قراءات الآخرين من الكتاب المحترمين عنه.

صار لموقع مكتبة وهبان الإلكتروني مكان يفوق مواقع كثيرة وصار مرجعا لأهم الأعمال الجديدة في الإبداع والفكر والثقافة عموما.
وفجأة منذ ثلاثة أشهر ظهر موقع أو صفحة إلكترونية تحمل عنوان «نقد 2021» وهو موقع لمجلة إلكترونية تحمل هذا الاسم. كان لا بد من أن يكون الموقع مثيرا، فصاحبه هو محمود الغيطاني الكاتب والناقد والمؤرخ السينمائي، صاحب الآراء الجديدة والجريئة، التي قد يراها البعض صادمة في جرأتها، فمحمود الغيطاني على صفحته بعيدا عن المجلة الجديدة، يستخدم ألفاظا يندهش لها الكثيرون في الرد على البعض، وهو يرى ـ كما نقول في مصر ـ أن على الإنسان أن «يجيب من الآخر» فلا معنى ولا قيمة للمعاملات الوسطية، ولا تنتظر عودة لمن يهينك، فلترد له الإهانة أكبر من إهانته فالعالم واسع. ورغم أن أكثر ظهوره على فيسبوك يكون في كافتيريا الجريون، أو غيره من أماكن الشرب والسهر، إلا أن محمود الغيطاني يقظ جدا وكتبه تكسر كل مألوف، بل هو غزير الإنتاج، إذ ليس لديه عمل محدد يذهب إليه كل يوم فهو بلا عمل، ومن ثم لديه الوقت ليكتب الرواية والقصة القصيرة والأهم السينما، التي كتب عنها كثيرا، ثم دخلها صادما بابها ليفتحه بقوة الواثق بكتابه الملحمي الذي صدر منه جزءان وسيكتمل إلى خمسة أجزاء، وأعني به كتاب «صناعة الصخب». طبعا لم أسرد كل أعماله، لكن أتذكر شيئا من الصخب الرائع الذي يدهشنا به أعمالا فكرية وفنية بصرف النظر عن لهجته على فيسبوك، التي تؤكد أن من الأفضل أن تصل الأمور لنهايتها، لا انتظار النهاية مع من لا يعجبهم حاله معهم، والذي يكون في معظم الأحيان أنه لم يقرأ عملهم الجديد، كأن عليه أن يقرأ كل شيء. موقع هذه المجلة من المواقع العظيمة في النقد الأدبي بحق، التي تضاف إلى المواقع الإلكترونية، ويبدو الإقبال على الكتابة فيها من العالم العربي جبارا وعميقا فهي مجلة مثل محمود الغيطاني لا ولن تمسك الأمور من الوسط.
هناك بالطبع مواقع عربية مهمة، لكنني أحببت أن أقف عند هذه المواقع الثلاثة بحكم متابعتي لها في الأشهر الماضية أكثر من غيرها، وكيف رأيتها تعيد إليّ الشباب بمقالات كتابها، وتشعرني بأن هناك في الحياة الثقافية جيلا جديدا لديه الكثير جدا يقدمه من الجديد الجريء غير التقليدي. ربما كان مقالي هذا دعوة للإقبال على هذه المواقع ولا أخجل من ذلك، لكنني أكتب لأني رغم عمري أحب المغامرة في الكتابة والجرأة، ورأيت هذه المواقع أو الصفحات تفعل ذلك، واعتقد أن مجلة 2021 التي يديرها محمود الغيطاني بجرأتها سوف تغير أسلوب الكتابة النقدية في كثير من المواقع. ميريت بجرأتها فتحت أبوابها لكل جريء، لكن أن يكون لدينا موقعان بهذه الجرأة يعني فتح طريق جديد لغيرهما فتصبح الجرأة وعدم التوافق مع المجتمع بأقانيمه القديمة في الثقافة والإبداع هما الحل الذي سيسعي إليه الكثيرون.

روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية