قد يكون من الصعب جداً التعبير عن الألم البشري روائيا، إذ يتطلب من الكاتب قدرا كبيرا من الشجاعة، وكذلك عمقا يتجاوز الفكرة المطروحة بالعمل إلى الفلسفة، أي نعبر عن ذلك الألم بطريقة أقرب منها إلى فلسفته لا كتابته ضمن عمل روائي، خاصة إذا كانت الرواية كرواية «وسادة الموت» للكاتب الجزائري عبد الحفيظ عمريو. إنها من النصوص الروائية الحديثة التي تحيلنا إلى أقدم النصوص الروائية العالمية، ولعل اختيار هكذا موضوع، وتناوله بهذه الطريقة في ثاني عمل لروائي شاب، يؤكد أن لهذا الكاتب مشروعه، إذ نلحظ في كتابات عمريو ذلك القلق الوجودي الذي يرافق كتابات المبدع الحقيقي.
وعودة للعمل فإن رواية «وسادة الموت» تطرح السؤال: هل العيش فكرة تستحق الحياة؟
يقول عمريو في الرواية: «تنبثق الحياة من رحم الموت ثم لا تلبث أن ترجع رغما عنها مهما حاولت عدم الرجوع. الحياة ليست سوى أنفاس يتنفسها الموت ثم يستعيدها بإرادته وجبروته متى قرر هو ذلك. إنها مجرد فاصلة بين شهيق وزفير يصدرهما الموت».
الرواية كما هو واضح من العنوان تطرح فكرة التعامل مع القتل كحل من وجهة نظر البطل لتخليص المقربين منه من آلامهم متخذا الوسادة طريقته في قتلهم، معتقدا أنها الوسيلة الأكثر نجاعة في حمايتهم. وإلى جانب فكرة الموت تتعمق الرواية أكثر في مسألة الهامش، لكن في جزئه الخيالي الذي لا يمكن الاقتراب منه، ولا رؤيته لكنه موجود أكثر من أي شيء آخر، ذلك الجزء الأكثر تأثيرا في الإنسان، إذ أنه مرتبط به وملازم له في كل مكان.
تقودني هذه الفكرة تحديدا إلى عبارة علي عزت بيغوفيتش التي يرى فيها أن: «المعنى النهائي للفن أن يكتشف الخصوصية الإنسانية في الذين أساءت إليهم الحياة؛ وأن يكشف عن النبل الإنساني عند أناس صغار منسيين في خضم الحياة. وكلما كان وضع الإنسان متدنيا في الحياة فإن اكتشاف نبله يكون أبلغ إثارة». وهذه العبارة بين أصدق ما يمكن التعبير عنه حوا أفكار الرواية التي تبدأ أحداثها انطلاقا من جملة على لسان أحد شخوصها في الصفحة ما قبل الأخيرة: «شخصيتان متناقضتان اجتمعتا في جسد واحد، لكن أيهما كانت آنذاك». إذ يأخذنا السارد في جولة بإحدى الشوارع، حين يناديه شيخ كبير تبدو عليه علامات التشرد، طالبا منه أن يشعل له السيجار، الذي دفعه الفضول لاكتشافه: «لا أكذب إن قلت إن فضولا ما دفعني لمعرفة هذا الشيخ وسبب الحال التي آل إليها».
خطرت بباله الكثير من الأسئلة حوله، فهو مختلف عن باقي المشردين، سأله مرة ثانية: «فالفضول في معرفة هذا الإنسان يدفعك إلى إعادة تلك السخافات» على حد تعبيره. ومن هنا تبدأ القصة التي تأخذك بعيدا حيث الموت الذي وجد ما يبرره وما يصوغه، وحيث الظلم الذي لا هروب منه في مجتمع يعيش كل التناقضات، يقول: «الموت هو الحقيقة المطلقة والوحيدة التي أسلم بها ويسلم بها أي إنسان، وهو أعدل قسمة بين الكائنات، غير أنه لا يحترم عداد الزمن، فتجده يعبث بالصغير قبل الكبير ومع ذلك فهو عادل وصريح، إن طرق بابك فلن يغادر إلا بصحبة روحك ويترك جسدك بطاقة ذكرى لأهلك».
تصوغ الرواية الكثير من الأسئلة الوجودية بشأن الحياة والموت، «الإنسان هو أول الموجودات التي تسعى لتحقيق الخلود، لأنه ببساطة يخاف الموت. هذه الكلمة وحدها كفيلة بجعله يرتعد خوفا، حتى ولو كان مؤمنا بفكرة الخلود في الآخرة سيظل يخاف الفناء».
وكيف يعبر عن ذلك الشيخ الذي آلمه يوم ولدت أخته مريضة، ومرضت معها والدته، ثم متحدثا كيف قتلهما كي يجنب الاثنتين الألم. أليس الألم هو ما لا نستطيع التعبير عنه! لا تنفع معه لغة ولا حركة … ولا أي شيء غير ذلك. للألم كبرياء وسلطان وجبروت يخضع لها الجميع ويرضون بها. إننا متى استطعنا التعبير عن الألم نفقده قيمته فلا يصبح ألما بل مجرد عاطفة هوجاء أفصحنا عنها في لحظة ما.
في رواية «وسادة الموت» نقرأ تجربة إنسانية مؤلمة عن امتهان الموت أو بعبارة أخرى اتخاذ القتل كوسيلة لإنقاذ الآخرين من الحياة، تقول الرواية: «إن عقدة الإنسان تسكن في الحقيقة التي يدركها إدراكا ماديا وروحيا، يدركها ماديا لأنه أوجد القبور ليدفن فيها الموتى، وروحيا لأنه يفكر في مسألة ما بعد الموت، وهذا سؤال مرهق».
الملاحظ في نص عمريو أنه لم يتناول الموت فقط بل راح يخوض في شخصية الفرد وعلاقته بأسرته، وبمحيطه أيضا، وتصرفاته إزاء كل ما يحدث، يقول: «في بعض المواقف يحاول الإنسان تقمص دور ما كي يوهم نفسه أنه فعلا شخص مهم؛ كأنه يثبت ويبرر في الوقت نفسه وجوده المؤثر. هذا ما يفعله غالبا، الأشخاص الذين يشعرون بنقص ما. أولئك الذين فقدوا الثقة في أنفسهم. فيحاولون تعويض النقص الذي يعانونه. لكنهم سرعان ما يرجعون إلى حالتهم الطبيعية لأنهم يدركون في لحظة من اللحظات أنهم ــ حتى وهم ينتحلون شخصية مزيفة ــ يظلون فاشلين».
هنا الرواية تحاول التعبير عن الإنسان في المجتمع، الإنسان من الداخل وليس كما نراه، بل كما لا نراه. ذلك أن كل ما لا نراه هو ما يشكل الفارق الحقيقي، الذي يمنح لشخصيته مركزيتها واتزانها أو تذبذبها، كما أن الانتحار الذي تناولته الرواية هو عبارة عن مشاكل متأزمة تقود البعض لاختيار الموت كحل نهائي للتخلص من كل الآلام.
قارئ رواية «وسادة الموت» يلحظ أمرا مهما وهو أن الروائي لم يسمّ شخصياته الروائية، لعله أراد القول إن الأسماء ليست مهمة، المهم ما نضيفه للحياة. ذكرني نصه هذا، وخاصة في عدم شغل القارئ بالأسماء، برواية «ليلة القدر» للروائي المغربي الطاهر بن جلون.
أعتقد أن الهموم الإنسانية تتجاوز أسماء الشخصيات الروائية لذا تركها مفتوحة على التأويلات، لكنه في الأخير وضع اسم الشخصية المحورية الذي انتحر بعد ذلك، وكأنه تعرف على نفسه وهو على مقربة من النهاية… وهذا سؤال وجودي: من نحن ولماذا نعيش وهل الموت هو الخلاص؟
لا أؤمن بفكرة مشروع كاتب، وهذه العبارة من وجهة نظري خطأ، عندما تتوجه للكتابة بالضرورة يجب أن تكون كاتبا وليس مشروعا، لكن المشروع يتجسد في الكتابة. ذلك لأنه ليس كل كاتب لديه مشروع وفكر ورؤية معينة، ومن هنا أريد القول أن عمريو يحمل هموم الكتابة ولديه فيما أعتقد مشروعه الذي يشتغل عليه باتزان. وطبعا في نصه بعض الفجوات، ككل التجارب الروائية، لكن ليست تلك الفجوات التي لا يمكن سدها مع الاشتغال، فأهم شرط يتوفر في عمريو هو الحرفة، حرفة الكتابة وإذابة معارف شتى داخل المتن الروائي بطريقة ممتازة تعطي لعمله القوة، وفي الوقت ذاته يتأكد لك أن لديه مشروعه كما ذكرت سابقا الذي يحاول أن يشتغل عليه ويطوره. فالملاحظ أنه قارئ عارف، ولربما من الخطأ القول عن كاتب قارئ لأنه بالأصل يجب أن يكون كذلك، ولكن المتابع لبعض ما ينشر على أساس أنه رواية، بات من الضروري قول ذلك، خاصة عندما نقرأ عملا لكاتب شاب فيه تقاطعات مع نصوص عالمية، وظفها بذكاء، خاصة في اشتغاله على موضوع الموت في الفضاء المحلي وهران، ليحاكي بذلك نصوصا عالمية.
إن تجربة «وسادة الموت» تبرز صدق الأعمال التي تنطلق من خلفية معرفية وفكرية رصينة، إذ أنها لا تعتمد فقط على موهبة الكتابة، فالكتابة تحتاج إلى صقل كل الخبرات والمعارف في رواية تقرأ بسلاسة دون أن تشعرك أو تثقلك بمحمولاتها، ما يحيلني لقول مايا أنجلو: «لا بد لي مـن جعل كتابتي مصقولة إلى درجة أنها لا تبدو مصقولة على الإطلاق. أريد أن أجعـل القارئ، يمضي في روايتي نصف ساعة قبل أن يدرك أنه يقرأ فعلا.»
عبد الحفيظ عمريو:
«وسادة الموت»
منشورات ميم، الجزائر 2019
208 صفحة.