مباريات مصر الأخيرة في كأس افريقيا أعادت إلى ذهني زمنا جميلا وحادثا ارتكبته لا أنساه. في طفولتي وصباي في خمسينيات القرن الماضي كان العالم متسعا. الشوارع شبه خالية من السيارات، والأرصفة تكفي من يمشي عليها، فكان صبية وشباب الأحياء الشعبية يلعبون كرة القدم في تلك الشوارع. كانوا عادة يختارون آخر النهار وأحيانا الليل، فيكون اللعب على أضواء أعمدة الإنارة. كنت واحدا من هؤلاء الصبية. أنا ابن حي كرموز، فكان اللعب على شاطئ ترعة المحمودية، التي كانت قائمة ذلك الوقت، وكان لا يمر جوارها من سيارات إلا عدد قليل يناسب السفن المقبلة من أعالي النيل تحمل البضائع. كانت للسفن أماكن محددة تقف فيها لإنزال البضائع، مثل منطقة كفر عشري، أو أمام شركات الغزل والنسيج في كرموز، ومن ثم كانت المساحة الخالية من الطريق طويلة جدا.
كذلك كان ميدان الساعة في كرموز يتسع للعب في المساء، فأكثر محلات الميدان هي لمستلزمات دفن الموتى من أكفان وغيرها تُغلق مبكرة، ومحلات لبيع القماش تتردد عليها النساء نهارا أكثر من الليل. كانت أيضا منطقة كوم الشقافة ظهير كرموز فيها مساحة خالية يتم فيها لعب الكرة. منطقة مجاورة لمستشفى الصدر هناك، والحديقة الصغيرة أمامها ذلك الوقت. في المدارس كانت ملاعب للكرة وكنا نلعب فيها. باختصار كانت الكرة جزءا من حياتنا، أحببتها جدا وكنت ماهرا فيها إلى درجة مذهلة للصبية الذين يلعبون معي، يساعد على مهارتي وقتها طولي وسرعتي. هكذا أحببنا الكرة دون تأثير من أحد، إلا المكان المتسع والمدارس الجميلة.
لم يكن هناك تلفزيون في الخمسينيات، وكانت «ماتشات» الأندية الكبيرة تذاع في الراديو، لكنني لم أكن من محبي الاستماع للماتشات في الراديو. ماذا يعني أن أسمع شيئا لا أراه. مع التلفزيون أدمنت مشاهدة الكرة. أحببت لاعبين مشاهير كبارا مثل مصطفي رياض والشاذلي من نادي الترسانة، وصالح سليم ورفعت الفناجيلي من النادي الأهلي، ويكن وحمادة إمام من نادي الزمالك، وفؤاد مرسي من نادي الاتحاد السكندري، ومحمود بكر وأحمد الكاس من النادي الأوليمبي، وميمي درويش وسيد عبد الرازق وعلي أبوجريشة من نادي الإسماعيلي. كنت على غير أصحابي لا أشجع الزمالك ولا الأهلي. كنت أرى الناس منقسمة بينهما، فكنت أشجع نوادي الترسانة أو الاتحاد أو الإسماعيلي أو الأوليمبي «عنداً» في الزمالك والأهلي، اللذين أشعر بأن الدولة تهتم بهما أكثر من غيرهما. كنت من السعداء جدا حين هزم نادي الترسانة النادي الأهلي مرتين في عام واحد من الدوري في الستينيات، مرة بخمسة أهداف مقابل هدف، ومرة بأربعة أهداف مقابل صفر وأردد النكتة التي اشتهرت جدا ذلك الوقت «تعرف رقم تليفون النادي الأهلي؟ طبعا.. خمسة واحد أربعة زيرو» وأغيظ بها أصحابي الأهلاوية في المدرسة الثانوية وأضحك. ظللت على هذا الحال أشجع من أراهم مظاليم، حتى انتقلت إلى متابعة «الماتشات» الدولية، التي تكون مصر طرفا فيها. كانت ميزة التجمع في المقاهي في مثل تلك المباريات أن الجميع على قلب رجل واحد، ولا انقسام في التشجيع أو حتى الصمت والقلق. الكل يهتف ويشجع عندما يرى شيئا جميلا من اللاعبين المصريين، أو يصمت في قلق حين يكون الهجوم كبيرا على اللاعبين المصريين.
كنت من السعداء جدا حين هزم نادي الترسانة النادي الأهلي مرتين في عام واحد من الدوري في الستينيات، مرة بخمسة أهداف مقابل هدف، ومرة بأربعة أهداف مقابل صفر وأردد النكتة التي اشتهرت جدا ذلك الوقت «تعرف رقم تليفون النادي الأهلي؟ طبعا.. خمسة واحد أربعة زيرو» وأغيظ بها أصحابي الأهلاوية في المدرسة الثانوية وأضحك.
مع الزمن لم أعد حريصا على مشاهدة مباريات الأندية، لكنني حافظت على مشاهدة المباريات الدولية، حتى جرت أحداث ثورة يناير/كانون الثاني التي شغلتني مثل غيري. وشيئا فشيئا لم أعد أشاهد حتى المباريات الدولية. لم يكن ذلك لاقتناعي بما قرأته أو سمعته من أصدقائي أيام الشباب في القاهرة، حين كنا منضمين إلى أحزاب شيوعية سرية في السبعينيات، وكان بيننا الكثيرون يرون أن تشجيع الكرة أفيون للشعوب، كما كانوا يرون أن أم كلثوم أفيون آخر، خاصة أن ليلة حفلتها تكون الليلة الأكثر مبيعا في الحشيش. كنت دائما أتذكر متعتي باللعب أيام الصبا والشباب الأول، واتساع الدنيا حولي في الشوارع والمدارس والحدائق والميادين، وأسأل نفسي أيّ أفيون هذا؟ ماذا يفعل الإنسان في هذا الاتساع غير أن يفرح به ويلعب، وهل الدول الأوروبية المتقدمة خالية من الكرة مثلا؟ الديمقراطية والعدل مفتاح التقدم يا سادة، ولن تغطي الكرة على الظلم. لم أقتنع أبدا بأن أم كلثوم كانت أفيونا للناس، وكنت عاشقا وما زلت لأغانيها وصوتها. كل ما جرى أني أسمعها قليلا الآن لأنها تذكرني بأيام حلوة ضاعت، وبأصحاب اختفوا مع الزمن، وقصص حب انتهت بالفراق، وأحاول أن ابتعد عن الشجن الذي يتحول إلى حزن. في الشهور الأخيرة عدت أتابع مباريات مصر الدولية. ربما أبحث عن أي سبب لحب الوطن. وجاءت مباريات مصر في كأس افريقيا الأخيرة، التي خسرنا مباراتها النهائية مع السنغال فصرت مثل الطفل مجنونا بالفرح مع كل انتصار لفريقنا. ومع كل مباراة صرت أتذكر يوما غريبا من شهر يناير عام 1970.
كان عبد الناصر لا يزال حيا وكنا نعاني نفسيا من أثر الهزيمة. ترفع من روحنا المعنوية حرب الاستنزاف، لكن كنا في حاجة إلى أي نصر، في ذلك الوقت كنت أعمل في محطة الكهرباء الرئيسية في شركة الترسانة البحرية في الإسكندرية، في الوقت الذي كنت التحقت بكلية الآداب. عملي في الكهرباء كان لحصولي على دبلوم الصنايع قسم الكهرباء، ثم حصلت على الثانوية العامة لأدخل كلية الآداب لأنمي موهبتي في الكتابة بدراسة الفلسفة. كانت المباراة النهائية على كأس دوري أندية افريقيا بين النادي الإسماعيلي المصري طبعا ونادي الإنجلبير من زائير فهل أتركها؟ لا يمكن. كان عملي في ذلك اليوم في وردية العمل التي تبدأ في الثالثة عصرا إلى الحادية عشرة مساء. كان معي مساعد قررت أن أتركه وأذهب إلى مقهى خفاجي القريب منا في منطقة الورديان، أشاهد المباراة. المباراة التي احتشد لها في ستاد القاهرة مئة وعشرون ألفا من المشجعين باحثين آو آملين في نصر ما، لم تتم إذاعتها في وقتها عصرا، لكن تم تسجيلها وإذاعتها في التلفزيون في المساء. لم يحضر المساعد ذلك اليوم إلى العمل فلم أتردد في ترك المحطة والذهاب لمشاهدة المباراة في مقهى خفاجي. قلت ماذا سيحدث؟ العمل في المحطة لا يزيد عن فصل الكهرباء عن الورش التي ينتهي العمل فيها فلتظل مضيئة حتى أعود. انتهت المباراة ونحن في سعادة مذهلة من نصر الإسماعيلي على الإنجلبير، وعدت إلى المحطة فوجدت أمامها كل خفر الشركة ورجال بوليس! ماذا جرى في غيابي ليحدث هذا؟ قالوا لي كيف تركت المحطة.. كانت هناك غارة تجريبية أفسدتها، لأن الميناء كله أظلم في الغارة إلا الترسانة البحرية. كيف فعلت ذلك؟ طبعا هم خافوا من أن يدخلوا المحطة لفصل الكهرباء، فهم لا يعرفون كيف. كانت الغارات التجريبية تحدث كثيرا استعداد للحرب يوما ما. قلت لهم زهقنا من الغارات التجريبية، نريد غارات حقيقية على إسرائيل. ودخلت المحطة وانصرفوا هم وانتظرت تحويلي للتحقيق ولم يحدث. مع كل مباراة للفريق المصري في هذه التصفية الأخيرة كنت أتذكر تلك الليلة ومغامرتي العجيبة، التي كان وراءها حب الكرة والبحث عن أي نصر. وفعلت ذلك مع مبارياتنا الأخيرة في كأس افريقيا وكنت أتمنى العودة بالكأس وآلمتني دموع محمد صلاح كثيرا.
روائي مصري