في بلادنا وزارة تسمى وزارة التربية والتعليم، كانت قبل ثورة يوليو/تموز 1952 تسمى وزارة المعارف. ليست هناك مشكلة في الاسم. لكنها حين كانت تسمى وزارة المعارف كان فيها كل وسائل التربية. ففي المدرسة الابتدائية أو الثانوية ـ لم تكن هناك مرحلة الإعدادية ـ كنت تجد ملاعب لكرة القدم وكرة السلة والكرة الطائرة وركنا لألعاب الجمباز وجماعات للموسيقى والأدب والرحلات والتمثيل وغيرها. كان كل ذلك إلى جانب الكتب المقررة للدراسة، يجعل المعارف لا تقتصر على الكتب فقط، بل تساهم مساهمة كبيرة في التربية.
كان حظي أن التحقت بالمدرسة عام 1952 بعد ثورة يوليو، لكن مدرستي الابتدائية كان فيها كل ذلك، والأمر نفسه في مدرستي الإعدادية والثانوية. كانت العلاقات بين مدارس البنين الإعدادية أو الثانوية تتجلي في أنشطة مشتركة مثل التمثيل.. أجل كان يتم عمل مسرحيات مشتركة بين المدارس، أي أن المرأة لم تكن غائبة عنا. انتهى هذا كله تقريبا من التعليم الأساسي الآن. المدارس لم تعد فيها ملاعب، بل تم استغلال الأرض في كثير منها لزيادة عدد الفصول، فليس هناك مدارس يتم بناؤها بما يناسب الزيادة السكانية، المهم العمل على تشجيع إقلالها، والعمل على الاستفادة منها، وظهر التعليم الخاص بشكل واسع.
أستطيع أن أجزم بأنه ليس أفضل من التعليم الحكومي في شيء إلا قلة عدد التلاميذ في الفصل. لقد فاقت أعداد الفصل في المدارس الحكومية الثمانين تلميذا أحيانا، ويقول لي بعض المدرسين، إنها قد تصل إلى المئة، خاصة في المرحلة الابتدائية. باختصار فقدان المدارس للملاعب وغيرها، مما أشرت إليه، يجعلها تفقد الجزء الأول من اسم الوزارة، أعني التربية. بينما حين كانت تسمى وزارة المعارف كانت التربية قائمة دون إعلان ذلك. باختصار صار التعليم الأساسي مجرد معلومات يقولها الطالب في الامتحانات، ويمضي دون حياة حقيقية. من أين تأتي الحياة الحقيقية؟ من خارج المدرسة في القرى أو المدن وقبلها البيوت. هذه كلها تعاني منذ خمسين سنة من توغل الأفكار الوهابية أو السلفية المتخلفة، في ما يخص العلاقة مع المرأة وغيرها، فضلا عن العشوائيات التي تشجع على كل أشكال الضياع. أركز على العلاقة مع المرأة، لأنه في الأيام الأخيرة رأينا حوادث مروعة، يقوم بها الرجال ضد زوجاتهم، قتلا أو ضربا حتى في ليلة الزفاف في الطريق، وهي الليلة التي لا تضيع من الذاكرة. أصبحت أخبار الاعتداء على النساء يومية، وقفزت مشاكل عجيبة مثل حق الرجل في ضرب المرأة، وضرورة الإقرار بذلك، لأن الموجود من فتاوى يعطيه هذا الحق. صار الأمر حديث البرامج التلفزيونية أيضا، ورغم أن الإمام الأكبر شيخ الأزهر قال عكس ذلك، لكن يتم اقتطاع جزء من حديثه ليكون موافقا على ضرب الزوج لزوجته، ويصبح الرأي المقتطع من سياقه « تريندا» على الميديا. صار الأمر مشكلة مصر الفكرية، وهو سهل جدا فالحياة الزوجية لا تقوم إلا على الصواب في السلوك. والصواب هو أن تكون الزوجة سكنا والبيت وطنا. غير ذلك فالفراق بهدوء وإحسان.
التربية في المدارس ليس أن تحفظ المعلومات، لكن أن تعيش حياة ثقافية مثل ما أشرت إليه. شيء آخر في التعليم وهو غياب التراث الجميل عن المرأة، وعن علاقة الرجل بها وعن الحب.
لم يفكر أحد أن يعيد النظر في بناء المدارس واتساعها، لتصبح مكانا للثقافة والتربية، ولا في العلاقات الفنية بين مدارس البنات والبنين. حقا لا يوجد حل نهائي لأي مشكلة إنسانية، فقد تجد شخصا حاصلا على أعلى الشهادات ويتبوأ أهم المراكز، لكنه يمكن أن يضرب زوجته. هنا تعود إلى التربية لا إلى التعليم فقط. والتعليم الأساسي ينقصه الكثير عن الحب والمرأة وسوف أتحدث فيه.
التربية في المدارس ليس أن تحفظ المعلومات، لكن أن تعيش حياة ثقافية مثل ما أشرت إليه. شيء آخر في التعليم وهو غياب التراث الجميل عن المرأة، وعن علاقة الرجل بها وعن الحب. لدينا في الحضارة الفرعونية الكثير جدا في ذلك، تراتيل أو أناشيد في حب في المرأة سبقت بها مصر الدنيا، وقصص حب فائقة الجمال، لكن هذا غائب عن التعليم الأساسي. الموجود فقط هو حروب القادة، لماذا يغيب ذلك حقا؟ لماذا تبدو مصر الفرعونية كأنها بلد حروب وغزوات فقط؟ لماذا تغيب الحياة الحقيقية؟ يأخذني هذا إلى سؤال آخر وهو غياب الحياة الدينية أيضا، فلا يوجد أي نصوص عن الموت والبعث والحساب بشكل مؤثر، ولا توجد نصوص من كتاب «الموتى أو الخروج في النهار». هذه النصوص طبعا ستؤكد سبق المصريين إلى معرفة الله ومعرفة القيامة. والأهم قد تتشابه نصوص كثيرة جدا مع ما جاء في الإنجيل والتوراة والقرآن، ومن ثم قد يفهم التلاميذ أن مصر هي الأصل.
طبعا لن أزيد واتحدث عن الحضارة البابلية أو السومرية مثلا، وملحمة جلجامش التي فيها كثير من القصص التي أخذها اليهود أيام السبي البابلي وضمنوها كتابهم التوراة. ربما تخشى وزارة التربية والتعليم أن تتفجر الأسئلة من نوع، ما دام هذا كان عندنا فما معنى أن يقال إنه ظهر أول مرة في الكتب الدينية. الإجابة طبعا سهلة، فالكتب الدينية، السماوي منها والموضوع، لم تكن ستأتي بالغريب عما عرفه الناس وغاب عنهم بفعل الزمن حتى يقتنعوا. الناس سعت إلى العدل والحق وكرهت الظلم وبرّت والديها ورفعت من شأن الحب، لكن تمر عصور يضمحل فيها هذا كله فيظهر الأنبياء. كل ما يعرفه التلاميذ من قصص الحب هو عن قيس وليلى، ومن خلال قصيدة أو جزء منها. لكن لا يعرفون أن نقوش المعابد المصرية القديمة وما خلفوه من أوراق البردي، فيها قصص حب كبيرة بين رمسيس ونفرتاري، على سبيل المثال، أو نفرتيتي وإخناتون وغيرها كثير. وفي كل القصص هناك أناشيد تمجد المرأة وتجعلها أساس الحياة، فهي الأرض التي منحها الله للرجل ليثمرها لا ليدمرها. أتذكر هنا صحافية كبيرة هي إيمان رسلان تتابع منذ بدايتها الشأن التعليمي في مجلة «المصور»، تفاجئنا كل حين بما هو خطير جدا. آخر ما فاجأتنا به كيف تتسلل أفكار سيد قطب إلى طلاب الإعدادية. وهذا جزء من حديثها:
(في صفحة 21 من كتاب التربية الدينية ترد الفقرة الآتية: قالت المعلمة إننا نردد كثيرا كلمة الدين، والآن نريد أن نعرف مفهوم الدين في التصور الإسلامي، فقالت الطالبة أسماء، سمعتُ أحد العلماء الأجلاء فى التلفزيون يقول إن التصور الإسلامي هو المنهج السماوي، الذي ينظم كل أمور الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية والأدبية). وتستمر قائلة: انتهى الاقتباس من الدرس المدرسي المقرر على ما يقرب من مليوني تلميذ في المرحلة الإعدادية ومنذ سنوات، أي أن عددهم الآن تجاوز هذا الرقم بكثير؟ وهنا علينا أن نتوقف ونسأل هل هناك فارق بين الكلمات السابقة في الدرس، وكلمة حسن البنا الإسلام دين ودولة؟! إنها الكلمات نفسها والمضمون نفسه، ولكن دون إمضاء حسن البنا.. المقال فيه الكثير من هذه الاستشهادات على أن التعليم لا تحكمه أي من عوامل التطور الفكري.
لكني سأبتعد عن هذا الأمر الخطير، وأعود أتساءل ما هو موقع المرأة في التعليم؟ كيف ولدينا أناشيد وقصص الحب العظيمة والتقدير للمرأة، يغيب هذا عن التعليم؟ ما هو موقع كلمة التربية في اسم الوزارة. كل شيء حولنا يدفع الرجال لمعاملة المرأة ككائن شيطاني ولا يهتم التعليم بتغيير الصورة.
روائي مصري