ماذا يضير المشاهد العربي، لو استيقظ من النوم فوجد كل القنوات التلفزيونية الناطقة بلغة الضاد، والتي تبث من العواصم الغربية قد توقفت؟!
من حسن حظ البيوت المفتوحة من وراء العمل في هذه القنوات أنه لم يتم اختراع وسيلة للوصول إلى أعداد المشاهدين، فالعمل الذي يقدم في السينما (الشاشة الكبيرة) يمكن الوقوف على نجاحه أو فشله، من خلال أعداد من يشاهدون العمل في دور العرض قبل انتقاله عبر (الشاشة الصغيرة)، الأمر نفسه يسري على الصحافة المطبوعة والصحافة الإلكترونية، وكذلك اليوتيوب وهو الشاشة الأصغر، لكن ظل التلفزيون والإذاعة بعيدين عن عملية القياس، ومن ثم يصبح الحديث عن النجاح والفشل نسبياً.
وهناك من يعتمد على قياسات مختلفة، من حيث أعداد المشاهدين لبرنامج ما على منصات التواصل الاجتماعي، لكن تظل أدوات القياس هذه، اجتهاداً فليس بالضرورة أن نجاح برنامج ما عليها يعني أنه نجح في العرض التلفزيوني، فضلاً عن أن كثيراً من البرامج الرائجة عبر المنصات، انما يرجع رواجها إلى اختيار فقرة مثيرة، بعناوين جذابة وهذا ليس دليلاً على النجاح، وهو ما قلته عندما تحدث البعض عن نجاح برنامج عمرو أديب بالقياس على رواج بعض فقرات برنامجه، الأمر الذي يختلف بالمقارنة عن برامج حققت رواجاً كبيراً على منصات التواصل بالحلقات الكاملة، مثل حلقات برنامج “الاتجاه المعاكس”، وكذلك برنامج “شاهد على العصر”، والأخير يحرص المشاهد على متابعته عبر اليوتيوب، مع أن الضيف الواحد يُسجل معه حلقات عدة، تتجاوز الثلاثين حلقة أحياناً، فلا يزال جيل الرواد في «الجزيرة»، هو الأكثر رسوخاً والأعلى قدراً عند المشاهد!
وهو الجيل الذي تفوق بالمحتوى، وليس ببهرجة الأستوديو والشاشة المزدحمة بكل ألوان الطيف، وعندما كانت «الجزيرة» كما أبو علاء “علبة كبريت”، وكان الأستوديو مائدة متواضعة وعدداً من الكراسي لزوم البرنامج؛ ضيف كما في “شاهد على العصر”، أو ضيفين كما في “الاتجاه المعاكس”!
إذا استبعدنا “بي بي سي عربي”، فكل القنوات العربية التي انطلقت من العواصم الغربية، بدأت كفكرة لمنافسة “«الجزيرة»”، أو مزاحمتها، وإن كانت “الحرة” أطلقت لهدف تبيض الوجه الأمريكي، وقد أغرى القوم هذا النجاح الذي حققته «الجزيرة» مع أنها قناة إخبارية وسياسية، وكان الشائع أن العرب لا يقدمون على هذا اللون من القنوات.
وقد فشلت “الحرة” في مهمتها فاندفعت في اتجاه تحقيق القطيعة مع أهداف رعاتها، فكانت أداة تشويه، والمشاهد يجدها تحتفي بالآراء التي تجذب الأعداء بدلا من استيعابهم، فإبراهيم عيسى مثلا يقدم برنامجاً فيها، ومعه إسلام البحيري ولا ندري إن كان ضيفاً أو مذيعاً، لكن مثل هذه الاحتفاء يمثل إعلان حرب مع الرأي العام المسلم، فهل لدى مستخدميهم قناعة أنهما يملكان القدرة على اقناع الناس برسالتهما؟ وأين دس السم في العسل، والقوم يجهرون بالمعصية بدون خجل أو أوجل!
تألق ««الجزيرة»»
مع الأحداث الكبرى تتألق «الجزيرة»، ويتبدى ضعف القنوات الأخرى للناظرين، فالضد يظهر حسنه الضد، ومع أن العدوان الروسي على أوكرانيا كان فرصة ذهبية لتألق “روسيا اليوم”، صحيح إنها لن تستطيع أن تكون «الجزيرة»، من خلال عرض كل الأراء والتغطية من كل الأماكن، لكنها كانت ستتفوق لو أنها عرضت الرؤية الروسية بشكل مكتمل وغطت الداخل الروسي، لكنها بدت كما لو كانت خارج إطار الخدمة، وللإنصاف فقد كانت في مستوى قناة “النيل للأخبار”، تتنافسان معاً على الريادة الإعلامية، بحسب النطق الفخيم للرائد متقاعد صفوت الشريف لـ “الريادة الإعلامية”!
في الانتخابات الأمريكية الأخيرة كانت فرصة مواتية لـ “الحرة” لأن ترسخ أقدامها في المنطقة، لكنها بدت كما لو كانت تبث من المريخ، وكانت فرصة «الجزيرة» لتصول وتجول، وتقوم بالتغطية على مدار الساعة، فينام المشاهد ويستيقظ على هذه التغطية!
وكانت “فرانس 24″، فرصة لاستكمال مهمة عميد الأدب العربي، طه حسين، في مذكراته “الأيام”، ونحن جيل تربى على هذه الرواية، حيث فرنسا بلد النور، وأنها بلد الجن والملائكة، قبل أن نكتشف أننا رأينا باريس بعيون كفيف، فأقلعنا عن الغواية، ورغم جرائم الاحتلال الفرنسي في مصر، فلأنه لم يمكث كثيراً في المحروسة، فان كتب التاريخ المقررة على تلاميذ المدارس لم تقف طويلاً أمام جرائمه، لكن فزعنا عندما علمنا بما فعل في الجزائر لأنه طال عليه الأمد هناك!
بيد أن “فرانس 24” التي تتميز بفخامة أصوات مذيعيها، وتألق الاستوديو مع بساطته، تحولت إلى أداة في يد أيديولوجيين عرب ينتصرون لأفكارهم هم، وقد شاهدت أمية لا تقرأ ولا تكتب ضيفة على مذيعة بها وتتحدث عن العلمانية، وتكرر نفس الكلام عند كل سؤال وكأنها قامت بحفظه على طريقة “مذاكرة ليلة الامتحان”، بينما المذيعة تسندها، وتمنيت حينئذ أن أكون الضيف المقابل لكي أسألها ما هو تعريف العلمانية، وقد ذكرتني ردودها المتهافتة، بفكرة باب في صفحة “النادي السياسي” التي كنت أشرف عليها في منتصف التسعينات!
أما الباب فكان بعنوان “على مقهى في النادي السياسي”، وهو مأخوذ من عنوان لمقالات احسان عبد القدوس “على مقهى في الشارع السياسي”، أما فكرة بابنا فكانت تقوم على توجيه أسئلة في السياسة لبسطاء؛ عمال وحرفيين وغير متعلمين ونحو ذلك، وأحيانا كان المحرر يستضيف فناناً لتقديم رأي بعيد عن الفن وقريباً من السياسة.
كان الهدف في الجانب الأول فكاهياً، عندما تبدو الإجابات متواضعة، وكم سيكون جيداً لو كانت الضيفة هي مفكرة العلمانية لـ “فرانس 24″، وسألناها أسئلة تليق بمكانتها لدى تلفزيون بلد الجن والملائكة، الذي يعمل على استفزاز المشاهدين بمثل هذه العاهات، وتكون النتيجة أن ينفض المشاهدون من حوله، وعند الحوادث الكبرى، يهرعون إلى قناة «الجزيرة»، التي تقف على خط النار، وكأنها فرصتها لتظهر أنها لا تزال قادرة، فلم تخذل مشاهديها. ومن خلال كتيبة المراسلين، كانت التغطية الشاملة للعدوان الروسي على أوكرانيا، وبدا من الواضح أنه لا يوجد لديها مراسل مقيم في أوكرانيا، فكان مراسل تركيا من هناك.
والقصة ليست أموالاً، فما ينفق على “العربية” وابنتها من الرضاعة “الحدث”، بجانب “سكاي نيوز عربية”، ليس بالقليل، ثم إن عشرين صحافياً في مصر يتقاضى الواحد منهم راتباً شهرياً أكثر بكثير مما يتقاضاه أي اعلامي ناجح، وإن كانت المنافسة بالتجهيزات الحديثة، فأستوديوهات “سكاي نيوز”، و”دي أم سي” على أحدث مستوى، وهل مشاهد «الجزيرة» الذي بدأ معها مشغولاً بالمحتوى الذي يقدم في استوديو “عشة الفراخ”، يشغله عدد الكاميرات، ووقوف المذيع أو قعوده، والابهار؟! فليس بالمال وحده يحيا الإعلام. وعموماً لا جديد، فقد تفوقت «الجزيرة» في تغطية العدوان الروسي.
سطور أخيرة:
“دي أم سي” هي واحدة من القنوات التلفزيونية المملوكة لأهل الحكم في مصر، وإن كانت بتمويل اماراتي كامل، وعندما تستضيف اللاعب الدولي محمد صلاح، وتدفع له 17 عشر مليون جنيه مقابل ذلك فان من الطبيعي أن يكون السؤال: من أين لهم ذلك؟!
ليس معروفاً الجهة التي سربت هذا الرقم الضخم، والذي وإن كان شائعة، فلماذا لم تنفه القناة أو مقدمة البرنامج الفنانة إسعاد يونس، ولماذا لم ينفه هو نفسه، لا سيما وأن ضخامة الرقم مثلت استفزازاً لا بد وأن ينال من شعبية صلاح بدرجة أو أخرى!
وإذا كان السكوت علامة الصحة، فإننا سنقف على أن العجز عن المنافسة ليس لقلة المال، ولكن لأن المال يدفع في مصارف أخرى، فبهذا المبلغ كان يمكن تغطية العدوان الروسي على أوكرانيا ومنافسة «الجزيرة»!
إن قلة المال ليست هي السبب في الفشل!
٭ صحافي من مصر