تُطرح في الفترة الأخيرة مشاريع فدرالية لكي تطبق على النظام السياسي اللبناني الحالي بحجة تطويره نحو الأفضل. وتأتي هذه المشاريع تحت مسميات مختلفة وبينها «اللامركزية الإدارية حسب المحافظات» أو «الفدرالية الإدارية في ظل سلطة مركزية قوية» أو غير ذلك.
ويرى الكاتب سليم فوزي زخور أن النظام السياسي والدستوري في لبنان فشل سياسياً برغم كل تحديثاته ولم ينجح في إدارة التعددية المذهبية والأثنية المكرسة في البنية الدستورية للبلد.
ويطرح زخور اعتماد مسارٍ تصحيحي يؤسس لفدرالية توافقية محصنة بدستور عصري يكفل حسنَ إدارة التعددية المذهبية.
ينطلق الكاتب من أن الفدرالية التي يطرحها ليست جغرافية فحسب، بل تكرس أيضاً المذاهب كوحدات فدرالية ولا ينتج عنها أي تفوق لمكون فدرالي مذهبي على حساب المكونات الأخرى برغم انه يعتمد الدمج بين الفدرالية الأثنية (يسميها الشخصية المذهبية) مع الفدرالية الجغرافية. كما يؤكد أهمية الاستقلال الذاتي للوحدات الفدرالية المقترحة وتوسيع صلاحياتها يرافقه حصر السلطات الاتحادية المركزية.
ويشير إلى أن الدافع والرؤية لهذا المشروع يسعيان لتعزيز الاستقلال الذاتي للمكونات اللبنانية. ويطرحُ ما حدث في العراق، بعد إقصاء النظام البعثي فيه كنموذج يمكن الاستفادة من اختباراته في السنوات الأخيرة وخصوصاً في تعامل القوى الأساسية الثلاث فيه (الشيعة والسنّة والأكراد) في تقاسم السلطة السياسية القيادية والخيرات الاقتصادية في البلد.
ويقول انه اعتمد أيضاً على تجارب فدرالية جرت في دول كالولايات المتحدة وألمانيا وبلجيكا وسويسرا. (ص9 و10).
وفي صفحات تالية، يستخدم الكاتب تعبير «تقاسم السلطة المركزية لصلاحياتها التشريعية والتنفيذية والقضائية مع السلطات القائمة في الوحدات الفدرالية». (ص 15) ويركز على تعبير «تقاسم».
ويضيف: «من الضروري أن تشارك هذه الوحدات (المكونات الفدرالية) في أي تعديل دستوري قد تجريه السلطة المركزية، ومثل هذا التوجه يشكل توجهاً ديمقراطياً، فيما قد يراه آخرون مسبباً للمزيد من المشاكل والمواجهات».
فمبدأ الحفاظ على الاستقلال الذاتي والمصالح الخاصة بالوحدات الفدرالية يساهم (في رأيه) بالمشاركة والاستقلالية ولكنه يرتكز (برأي آخرين) على منطلق يعترف بان الدولة التي تُطبَق فيها «الفدرالية التوافقية» دولة متعددة القوميات وليست دولة موحدة القومية.
إنتاج وحدات جغرافية متعددة فيها تضم أثنيات ومذاهب مختلفة متعايشة مع بعضها الآخر داخل وخارج مكونها الجغرافي هو (حسب قوله) ما اعتمدته فدراليات العالم الكبرى والناجحة كما في الولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا، ولكن طرحه يتخطى ذلك في هذا الكتاب.
ولعل النموذج الأقرب إلى ما يطرحه الكاتب هي إسرائيل، حيث تتجاوز الدولة العبرية مشروع اللامركزية الإدارية الجغرافية وتقسم كيانها حسب الأديان، وعبر تغليب المكون اليهودي على المكون العربي وعن طريق القمع والتسلط والاستيلاء على الأراضي والتطهير العرقي. وهذا ما قد يحدث في فدرالية مبنية على المذاهب عندما تكون إحدى هذه الفدراليات أقوى من غيرها عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.
في لبنان هناك 18 طائفة دينية وتسكن هذا البلد قوميات متعددة بينها الأرمن والأكراد والآشوريون واللاجئون الفلسطينيون والسوريون، ففي أي كانتونات سيتم نشر هؤلاء؟ وماذا سيكون مصيرهم؟
أما في حال الفدرالية الجغرافية أو اللامركزية الجغرافية فقد تشكلان خيارين أكثر واقعية وخصوصاً في ظل وجود دولة مركزية قوية في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والقضائية والاجتماعية.
وعندما يطرح الكاتب العراق بعد 2003 نموذجاً للاحتذاء به، فهل حقق هذا العراق، كما يقول زخور: «تجربة ممتازة في إدارة تعددية خاصة من خلال الفدرالية التوافقية». وهل الأكراد مرتاحون إلى الوضع الحالي لتقسيم السلطة ولتدخل الجهات الأخرى في البلد في هوية الأشخاص والقياديين الذين يمثلونهم في النظام؟ وهل المكونات العراقية الأخرى مرتاحة إلى بعض ممارسات إقليم كردستان الاقتصادية والديموغرافية وخصوصاً المرتبطة باستثمار النفط والطاقة؟ أين تتواجد السلاسة في التعامل بين المكونات العراقية والتقاسم فيما بينها؟ وهذه أسئلة يجب أن تُطرح.
تبدأ خلاصات مقاربة الكتاب أكثر وضوحاً في الفصل الثاني منه حيث يطرح المؤلف مواقفه السياسية «المنحازة» فيتحدث في الصفحة (102) عن تهديد حزب الله بالسلاح لباقي المكونات اللبنانية الذي انفرد بحيازته هذه الأسلحة، ويرى بان أحد أسباب نهاية الكيان اللبناني ومصلحته الوطنية هو، «ارتهان حزب الله وخضوعه الكامل لسياسة إيران في المنطقة وتنفيذه أجندات خاصة بها، ومشاركة حزب الله في القتال العسكري في سوريا وغيرها من الدول تنفيذاً لسياسة طهران التوسعية وحفاظاً على موقعه المتقدم في لبنان، وهيمنة حزب الله على قرار الحرب والسلم مع إسرائيل، ليصبح لبنان رهينةً يُستخدم في السياسات الإيرانية». (ص 103).
أما بيت القصيد في ما يطرحه الكاتب عبر مشروعه «الفدرالي التوافقي» فيظهر في الصفحة (123) من الفصل الثاني حيث يقول: «تساهم الفدرالية أيضاً في إرساء معادلة أمنية وتطرح حلولاً لمعضلات السلاح الخارج عن السلطة المركزية، خصوصاً مع إنسداد أفق حل مسألة سلاح حزب الله، حيث يمكن لسلاح حزب الله (من خلال النظام الفدرالي) ان يتحول لقوى أمن يُتفقُ على حجمها وتسليحها ضمن حل وتنظيم شامل لمسألة السلاح داخل الوحدات المسيطرة عليها سياسياً من قبل حزب الله وعبر رضى سكان تلك الوحدات، مقابل قوى أمن في الوحدات الأخرى ما يحقق توازنا قويا بين جميع المكونات والوحدات الفدرالية». (ص 123).
وبين الصفحات (127) و(130) يطرح المؤلف ما يسميه «المجلس الاتحادي» الذي يصبح بديلاً لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعاً (حسب اتفاق الطائف) في اتخاذ القرارات.
يعني بان الكاتب يطرح مشروع تقسيم في غالبيته طائفي ـ مذهبي تحت شعار فدرالية توافقية، علماً ان مشروعاً مشابهاً طُرِحَ لتقسيم لبنان في منتصف سبعينيات القرن الماضي لدى انطلاق الحرب الأهلية اللبنانية وخلال ازدياد حدتها. وقد فشل آنذاك ولعله سيفشل مرة أخرى لدى طرحه في قالبه الجديد في هذا الكتاب.
ويقترح الكاتب إسماً جديداً للبنان بحيث يسميه «جمهورية لبنان الاتحادية» بدلاً من «الجمهورية اللبنانية» وهي جمهورية ترتكز على إلغاء المحافظات والأقضية الحالية وتشكيلها مجدداً على أسس ولايات تناسب مشروع الكاتب التقسيمي الطائفي. (ص 131).
ويوضح زخور ان إدارة النفط والغاز في هذا المشروع ستكون إدارة مشتركة بين السلطة الاتحادية المركزية وسلطات الولايات المتحدة المذهبية المختلفة. وهنا يعود إلى طرح النظام العراقي كنموذج برغم المشاكل الاقتصادية والسياسية فيه حالياً. (ص 154).
ولعل أوضح المواقف للمنحى التقسيمي لهذا المشروع، ورَدَ في الصفحة (163) حيث يقول زخور: «نحن نسعى إلى قيام الدولة الاتحادية من خلال إنحلال الدولة المركزية وتفويضها للصلاحيات بشكل كبير إلى الوحدات الفدرالية (أي الولايات والمكونات والمذاهب والسلطات المحلية في الأقضية والبلديات). (ص 163).
ولعل المطلوب في هذه المرحلة من تاريخ لبنان للتعامل مع مشاكله الاقتصادية والسياسية هو تضامن جميع مكونات وفئات هذا البلد، وتعاون السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بدلاً من زيادة حدة الانقسامات فيه عبر مشاريع تقسيمية.
فهناك عدة أسئلة حول هذا المشروع الذي طُرح سابقاً ويُطرح حالياً وإن بشكل دراسة علمية موثقة، أولها: هل أثبت علم الاجتماع ان انتماء أي إنسان في أي بلد في العالم إلى طائفة أو مذهب ديني هو أمر نهائي لا يمكن تغييره؟ وان كل دوافعه وتصرفاته مرتبطة وتابعة لهذا الانتماء؟ أو ان الإنسان كيان ديناميكي متحول ومتطور بحسب البيئة الاجتماعية والتطورات الإنسانية التي يخضع لها ويعيش ضمنها؟ إذن، فأي مشروع مستند على نهائية متجمدة للولاء الطائفي والمذهبي في عقول وقلوب الناس هو مشروع تقليدي ضعيف علمياً.
ثانيها: ماذا سيحدث للفئات والمجموعات القومية والأثنية والمذهبية التي تحتّم مصيرها ان تكون في أحد هذه المكونات الجغرافية في الفدرالية التوافقية؟ هل على هؤلاء ان يخضعوا لإملاءات قادة هذه الكانتونات، أو أن يتم تطهيرهم عرقياً وتهجيرهم إلى كانتونات أخرى، كما حدث في بعض مراحل الحرب الأهلية اللبنانية لعام 1975 ـ 1990؟
وثالثها: ماذا لو اختلف الكانتون المذهبي ذو الأكثرية المسيحية مع الكانتون الآخر الذي أكثريته مسلمة (شيعية أو سنيّة) حول قضايا سياسية أو اقتصادية ومالية؟ هل تبقى الغلبة للأقوى؟ أو هل يُفتح المجال للتدخل الأجنبي، كما حدث في عام 1975 وبعده؟
إذن، لعله من الأفضل، إذا كان المفكرون سيطرحون أفكاراً للبنان المستقبل ان تكون هذه الطروحات أقل تعقيداً وخطورة. فمثلا، طَرحُ اللامركزية الإدارية، حسب المحافظات واعتماد النسبية العادلة، قد يُحسن التمثيل، أما «جمهورية لبنان الاتحادية» تحت قيادة مجلس اتحادي، فهي بعيدة عن الواقع حالياً وربما من شبه المستحيل تحقيقها بالاقناع والتوافق.
سليم فوزي زخور: «الفدرالية التوافقية في لبنان»
دار سائر المشرق، جديدة المتن، لبنان 2022
254 صفحة.