بغداد ـ «القدس العربي»: لم تُفلح القوى السياسية العراقية في استكمال الاستحقاق الدستوري، المتمثل بالتصويت على رئيس جمهورية جديد، يكلّف «الكتلة البرلمانية الأكبر» باختيار رئيس حكومة وكابينته الوزارية، بعد مضي خمسة أشهر على إجراء الانتخابات التشريعية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وفيما انتقد سياسيون ومختصون في الدستور العراقي، خطورة تجاوز التوقيتات الدستورية، تبنوا دعوة لإجراء انتخابات جديدة.
البرلمان يجتمع اليوم للتصويت على إعادة فتح الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية
وأكد الخبير في الدستور العراقي، النائب السابق، حسن الياسري، أن التوقيتات الدستورية مقيّدة وملزمة، فيما أشار إلى أن مخالفتها تضع البرلمان تحت طائلة الخرق.
وقال في إيضاح له إن الدستور العراقي وضع مدّداً دستورية «تُعرف بالتوقيتات الدستورية؛ بغية إتمام عملية تأليف الحكومة، وما يسبقها من خطواتٍ وما يلحقها من أخرى»، مبيناً أن هذه التوقيتات تعدّ «مُلزِمةً ومُقيِّدةً للبرلمان والسلطات كافةً، وتوقيفيةً لا يجوز مخالفتها بأيّ نحوٍ من الأنحاء».
وأشار إلى إن «مخالفة هذه التوقيتات توقع البرلمان تحت طائلة الخرق الدستوري لا محالة، بصرف النظر عن سبب المخالفة وحيثياتهِ»، عاداً «إخفاق البرلمان في اختيار رئيس الجمهورية، ضمن السقف الزمني الدستوري المُقيِّد، خرقاً دستورياً، وإنْ كان أحد أسبابه الرئيسة اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا ثم تفسيرها القاضي بأنَّ أغلبية الثلثين مطلوبةٌ للانعقاد والتصويت معاً».
ومضى الياسري يقول: «لن يكون البرلمانُ بمنأى عن المسؤولية عند تحقُّق هذا الخرق، والحَلُّ في ذلك يكمنُ في الحَلِّ، أي بحلِّ البرلمان ذاته والاحتكام إلى الشعب عبر إجراء الانتخابات مجدداً؛ تحملاً للمسؤولية الناجمة عن الخرق، وحسماً للخلاف المستحكم وخروجاً من حالة الانغلاق، ورجوعاً إلى الشعب، الذي منحهم الثقة ابتداءً ؛كي يَحسم الخلاف، ولئلا يجترئ البرلمانُ -أيُّ برلمان- على الخرق ويراهُ أمراً مستساغاً لا مسؤولية تترتب عليه، ولكي نخلق ثقافةً دستوريةً قائمةً على احترام مضامين الدستور وتوقيتاتهِ الزمنية، تلك المضامين والتوقيتات التي هُتكت غير مرة بلا مساءلةٍ».
ووفقاً للخبير في الدستور العراقي، فإن «آلية حلِّ البرلمان -في هذه المرحلة- تنحصر بأعضائهِ، طلباً وحلاًّ، وذلك عبر تقديم طلبٍ من ثلث أعضائه، ثم موافقتهم على الحلِّ بالتصويت بالأغلبية المطلقة، وهذا أمرٌ يمكن تحقُّقه إنْ تحصَّلت القناعة به».
وتابع: «قد نعلمُ أنَّ ما تقدَّم بيانه بصدد الحلِّ بسبب الخرق ليس بمنصوصٍ عليه صراحةً في الدستور، وهكذا ليس هو بمذكورٍ صراحةً في أغلب الدساتير، بيد أنه يُستشفُّ من الأعرافِ الدستوريةِ والتجاربِ البرلمانيةِ الدولية؛ وبخلافِ هذا القول تفقدُ التوقيتاتُ الدستورية قيمتها، وتغدو مجرد رقمٍ يمكن تجاوزه باستمرار بلا رادعٍ، خلافاً لحكمة الدستور وإرادة الشعب».
وختمّ الياسري بالقول: «ليس بخافٍ صعوبة هذا الحل، وشخصياً أُقرُّ بصعوبتهِ البالغة وآثارهِ الكبيرة، لكنه الحقُّ الذي لا غُبار عليه، وإنْ كان مُرَّاً صعباً».
وهو تولى مناصب عدة، من بينها نائب في البرلمان العراقي، ورئيس لهيئة النزاهة الاتحادية.
ويعيش العراق حالياً أزمة «انسداد سياسي» تقرّ بها جميع القوى السياسية المشاركة في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول، والتي شارك جُلّها في إدارة دفّة الحكم في هذا البلد المليء بالأزمات، منذ عام 2003.
والسياسي والكاتب العراقي، جاسم الحلفي، علقّ على الأزمة السياسية، قائلاً: «يبدو أن السؤال في شأن مأزق الفراغ الدستوري ومآله يفرض نفسه بقوة، ويتطلب جواباً عملياً غير قابل للتسويف. لكن فكر طغمة الحكم أوصد أبواب الحل، حين أغلق مسار الإجراءات الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية، وتمهيد الطريق نحو تسمية الكتلة الأكثر عدداً، وتكليفها باختيار من يكلف بتشكيل مجلس الوزراء الجديد. فهذه الطغمة لا يشغل بالها سوى الاحتفاظ بالسلطة، لانها لا تعبأ بغير مصالحها الذاتية والحزبوية الأنانية الضيقة، والأمثلة على ذلك لا حصر لها».
وأضاف الحلفي في «تدوينة» مطوّلة على صفحته في «فيسبوك»: «يدور الصراع السياسي بين محورين: محور الإطار التنسيقي الذي يجمع قواه ويحشدها لتبلغ 138 نائباً وربما أكثر، وهو العدد الذي يؤمن لهم ما يسمى بالثلث المعطل، الذي يتلخص هدفه في إعاقة مسعى التحالف الثلاثي لتشكيل حكومة الأغلبية الوطنية. من جهة أخرى لم تتبلور رصانة التحالف الثلاثي ومتانته، فهو لم يطرح برنامجه المعتمد بإجماع أطرافه، ولم يعلن آليات تنفيذ هذا البرنامج. لذلك لم يحظ بتأييد شعبي علني، بل إن التوجس والشك في جدية أطراف التحالف في تحقيق الإصلاحات هما السائدان، ولم تصدر وثيقة تتعهد بالإصلاح السياسي بما يرسخ المواطنة، وتقضي بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية – الاجتماعية ابتداءً بإرجاع قيمة الدينار العراقي، وتنويع اقتصاديات العراق، وتوفير فرص العمل للشباب، وضمان العيش الكريم للمواطنين، ومكافحة الفقر ودعم الشرائح المهمشة، وفتح ملفات الفساد، وتقديم الفاسدين للقضاء، واعتماد الموقف الحازم إزاء التدخلات الإقليمية».
ووفقاً للحلفي، فإنه «لا يلوح في الأفق مخرج من حالة الانسداد. ولم تجد نفعاً محاولات المتنفذين الاتكاء على القضاء، ورمي الكرة في ملعب المحكمة الاتحادية. فقضاة المحكمة أكثر حنكة وفطنة وهم أصحاب الخبرة بالقانون، لذلك سرعان ما ردوا الكرة إلى ملعب مجلس النواب. حيث قضت المحكمة، الثلاثاء الماضي، بعدم دستورية فتح رئاسة البرلمان باب الترشيح مجدداً لمنصب رئيس الجمهورية، وألزمتها بعرض فتح باب الترشيح مجدداً للتصويت في البرلمان وفق المادة ٥٩ من الدستور العراقي، ولمرة واحدة فقط».
وأشار إلى أن «البحث عن مخرج من هذا الانسداد هو من أولويات التفكير السياسي لانتشال النظام السياسي من هوّة أزمته المستفحلة، المتواصلة منذ التغيير عام 2003. إلا أنه من الواضح أن فكر الطغمة الحاكمة وصل إلى أشد حالات بؤسه، وهو عاجز عن إيجاد منهج بديل للمحاصصة. ولذا فإن فكر المحاصصة المأزوم الفاشل والمخزي، بكل ما خلّف من خراب وما أنتج من فساد، هو كل ما تقدمه الطغمة، التي تعرضه اليوم باسم التوافق والمشاركة».
ورأى أن «أزمة انتخاب رئيس الجمهورية تشكل كاشفاً جديداً لعمق أزمة النظام السياسي. فما من حل في الأفق يرضي طرفي الصراع، ولهذا ستبقى الأزمة مفتوحة أشهراً أخرى، وربما تمتد أكثر لتصل الأمور حد الدعوة إلى انتخابات مبكرة أخرى».
ومن المقرر أن يعقد مجلس النواب العراقي (البرلمان)، اليوم السبت، جلسة للتصويت على إعادة فتح الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية.