لأن الدهن في العتاقي، فإن السيدة فريدة الشوباشي، الإعلامية المخضرمة والبرلمانية القديرة، لا تزال تبهرنا بقدرتها على إعطاء الدروس في الوطنية، لا سيما للأجيال الجديدة، التي لم تعاصر الجيل الذي تنتمي اليه، فتقريباً هي الوحيدة التي لا تزال على قيد الحياة من جيلها، حيث أنها من مواليد سنة 1938، قبل اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، فمن الواضح أنها نجت من الموت بإعجوبة!
كان هذا الدرس العملي لتنمية الشعور الوطني لدى النشء، عندما نشرت صورتها في صحفتها على «فيسبوك»، وكتبت أنها تتابع (بشدة) تطورات الأزمة الأوكرانية على قناة «سي بي سي اكسترا». وإن كانت لم تعرض شاشة القناة المذكورة، فنظرتها الحالمة في الوضع مشاهدة تكفي للوقوف على صدقها، فهي تتابع (بشدة) هذه القناة المصرية العملاقة، وإن كنت لا أعرف دلالة وصف المشاهدة (بشدة) فنعلم أن المتابعة بدأب، وبتركيز، وباهتمام، وبنشاط، وإنما (بشدة) فهذا درس في الابتكار اللغوي غير مسبوق!
ذلك بأنه في الملمات الكبرى فإن قناة «الجزيرة»، تبهر المشاهدين، وتجذب الانتباه، لقدرتها على التغطية الواسعة، وهذا الابهار ينتقل إلى المصريين، ويعبرون عنه بحسرة، لعجز الإعلام المصري (الرائد) عن المنافسة، لتترسخ صورة عجز النظام، فحيث أن الإعلام في قبضة السلطة، فإن الفشل (في اللاوعي) ينسب اليها، وقد انتبهت النائبة المخضرمة لذلك، فكانت هذه الصورة، ومن الواضح أنها كانت بعد العودة مباشرة من محل (الكوافير) وهو أمر يمكن للمشاهد المتابع لها مثلي، يقف عليه بسهولة، فنحن أمام تسريحة جديدة، وألوان هادئة، وقد سبق لها أن استخدمت اللون الأحمر الفاقع، وذات مرة أعادتنا إلى سنة 1984، ولا زلت أتذكر ما نشر في إحدى الصحف المصرية في هذا العام، أن «الموضة» هي الشعر المنكوش!
وربما انتبهت هي من تلقاء نفسها، إلى أن البشرية تجاوزت هذا العام 1984، وعندما كان الشعر المنكوش هو الموضة، ومن هنا كانت هذه التسريحة الجديدة، التي بدت عليها وهي تتابع (بشدة) تطورات الأزمة الأوكرانية عبر شاشة «سي بي سي اكسترا»، فلم تذهب بعيداً، ولم تروج لقنوات الأعداء، صحيح، أن القوم قطعوا شوطاً كبيراً في المصالحة، لكنها تعرف بحكم النشأة والتكوين الحكمة البليغة «يا كنيسة الرب.. ما في القلب في القلب»، وهو مثل مصري شائع يردد بصياغة أخرى هي: «ما في القلب في القلب يا كنيسة»!
هذا فضلاً، عن أن ما ذكرته له بواعث أخرى، فلا يجوز وطنياً أن يقال إن السلطة فشلت في مجال الإعلام، الذي يدار من قبل حضرة الضابط، ومن أعد قوائم المرشحين للبرلمان بغرفتيه، ومن وضع قوائم المعينين، هو ضابط أيضاً، وهي مدينة لهذه المرحلة بأن حملت لقب النائب والبرلمانية، وهو أمر لم يكن ستصل اليه في أي نظام آخر، سواء في عهد مبارك، أو عهد محمد مرسي، لحسابات بالغة التعقيد، لأن مثل هذا الاختيار من المتحولين للإسلام قد يُغضب الكنيسة، وهي حالات فردية لبعض أهل اليسار، عندما لم يكن الدين مطروحاً لديهم على جدول الأعمال، فأسلم منهم من أسلم للزواج بمسلمة، واعتنقت، فريدة، ولميس جابر، الإسلام، لتتزوج الأولى من اليساري الكبير علي الشوباشي، وتتزوج الثانية من الفنان الكبير يحيى الفخراني!
وقد ضُرب الشيوعيون المصريون في عقيدتهم بسقوط الاتحاد السوفييتي، وكان انهيارهم أكثر من انهيار الروس أنفسهم، وإذ كان لا بد من ساحة للنضال، فكان بالالتصاق بالسلطة والعداء للتيار الإسلامي، وكان هؤلاء المتحولون هم الأشد قسوة، لا سيما وأن نظام مبارك منذ برلمان سنة 1987، أعطى البابا سلطة اختيار من يتم اختيارهم من المسيحيين لعضوية البرلمان ولمناصب السلطة الأخرى، ورغم أن المتحولين بالغوا في حالة العداء للتيار الإسلامي إلا أنه لم يجلب لهم الغفران الكنسي، فلم يحصل عليه سوى المفكر غالي شكري، الذي أشهر إسلامه عندما كان يعيش في المهجر، أمام العقيد معمر القذافي!
بيد أن السيسي استغل علاقته المتميزة برأس الكنيسة، واختار اثنين من هؤلاء دفعة واحدة لعضوية برلمانه، الأولى هي «فريدة» والثانية هي «لميس»، وكان كريماً مع الأخيرة فعين بعلها «الفخراني» نائباً برلمانياً أيضاً!
القواعد المتبعة:
ومعلومة التحول هذه لم تعد سراً، وقد ذكرها الشيخ حازم أبو إسماعيل في مواجهة تلفزيونية، شارك فيها أسامة الغزالي حرب، رئيس حزب الجبهة الوطنية حينذاك، والذي ذكرتني به فريدة، وقد ذهب للمجهول، ولم يشفع له العداء للرئيس محمد مرسي، وتأييد الانقلاب العسكري (مع أنه ليبرالي يا إلهي)، وهنا يتأكد أن السيسي خالف القواعد المعتمدة لديه في التعامل مع فريدة الشوباشي!
فقد طوى صفحة هؤلاء الذين شاركوا في الثورة (كما لو كان وفاء منه لمبارك)، ولمن شاركوا في الانقلاب العسكري على الرئيس المدني المنتخب (كما لو كان من الإخوان)، حتى وإن كانوا من مؤيديه، وبقيت هناك استثناءات منها «فريدة»، ومحمود بدر، منسق حركة تمرد، الذي اختاره عضواً في البرلمان لدورتين، مع أنه هاجم الجيش بالصوت والصورة في مرحلة قبل الانقلاب مباشرة، وتطاول على المشير طنطاوي في مداخلة تلفزيونية، في حين أن التنكيل بالنائب السابق زياد العليمي هو للوصف الجارح للمشير بعد الثورة في قصة الحمار والبردعة، لكن يتردد أن منسق تمرد مسنود اماراتياً!
وإزاء هذا الكرم، كان لا بد أن تخلص فريدة الشوباشي، لهذه اللحظة التاريخية، إلى درجة الدعاية لقناة «سي بي سي اكسترا» مع أنها تقدم تغطية باهتة عن الحرب الروسية الأوكرانية، لتعطي درساً بليغاً في الوطنية، وقد استخدمت خبرتها الإعلامية، كمذيعة سابقة في راديو «مونت كارلو»، قبل أن تقدم برنامج «مطلوب للتعقيب» على «النيل للأخبار»، في اختيار الوسيلة المناسبة لتوجيه رسالتها، فاختارت «فيسبوك»، حيث أنه الخيار المفضل للمصريين، ولم تنشر هذا المنشور الوطني على «تويتر»!
محظوظ أنا هذه الأيام، فلم تقتصر رؤيتنا لها على الإعلام الجديد، حيث شاهدتها على «ماسبيرو زمان»، في برنامج استضاف الأديب (الراحل) جمال الغيطاني وضيوفه، فوقع اختياره على (الراحلين) محمد عودة، ومحمود أمين العالم، وكانت ثالثتهم هي (الباقية، مضاد الراحلة) فريدة الشوباشي.
ولولا أن البشرية عرفت التلفزيون في مرحلة متأخرة، لعثرت عليها في برنامج تلفزيوني في عهد الملك فؤاد، ملك مصر والسودان!
لا تزال فريدة الشوباشي تبهرنا!
أرض – جو:
قال حافظ المرازي إنه سيلجأ إلى منصة «يوتيوب» لإطلاق قناته، وهي خطوة مهمة، بعد تجاهل الإعلاميين في البداية لهذه المنصة، والتي وقعت فريسة في يد أصحاب الخطاب المنفلت، وإذ طلب اقتراح شخصيات ليحاورها، فأعتقد أنه إذا نجح في اقناع كاثرين أشتون، فسيكون قد اختصر على نفسه الطريق، لأن النجاح للإعلام الجاد في هذه المنصة ليس سهلا، وقد يحدث بالتراكم، وقد يحبط المرازي، إذا لم يكن استقباله كما يتوقع، فقد غطى الزيت على الفول!
اختفاء أخبار كورونا بسبب الحرب الروسية -الأوكرانية لا يعني أن الفيروس كان لعبة إعلامية، فكثير ممن نعرف ماتوا به، بيد أن الأولوية لما هو أكثر أهمية، بدليل اختفاء أخبار قيس سعيد، وجماعة العسكر في السودان، مع أنهم حقيقة ماثلة!
واضح أنها حملة؛ ففي يوم واحد كان حديث أسامة الأزهري، المستشار الديني للسيسي في قناة «دي إم سي»، وحديث مبروك عطية في قناة «أم بي سي مصر» عن تنظيم الأسرة وتحديد النسل، ولأن من كثر كلامه كثر لغطه، فكان طبيعياً أن يقع الأخير في شر أعماله بوصفه ثلاثة أرباع الشعب المصري بأنهم نتاج زيجات حرام. لم يهن الشعب المصري في طول تاريخه كما أهين في هذا العهد.
٭ صحافي من مصر