لأسباب كثيرة ذات صلة بالموقع الجيو-سياسي والاقتصادي والتكنولوجي الذي أخذت اليابان تشغله خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت الدراسات العربية حول هذا البلد تتنامى في الكمّ وفي الكيف، بالارتباط الوثيق مع سياسة طوكيو البراغماتية لحماية اقتصادها، وفي المقابل تكاثر بالتالي عدد المستعربين اليابانيين في إطار الدراسات الشرق أوسطية، الفرعية منها أو الشمولية. وقد توزعت اختصاصات هؤلاء بين قضايا الإسلام والتيارات الإسلامية، وتاريخ الأديان، وصراع القوميات، والأنثروبولوجيا الثقافية، والجغرافيا السياسية، وتاريخ العرب، بالإضافة إلى الفلسفة والأدب والترجمة وكتب الأطفال والموسيقى والفنون والمسرح، ثمّ المدن والأرياف والبداوة وغير ذلك.
وكتاب د. مسعود ضاهر «تطور الدراسات العربية في اليابان 1945ـ2016» مساهمة دراسية هامة، ويمكن أن تكون فريدة في طابعها ومحتواها، من حيث نجاحها في تقديم لوحة شاملة عن الاتجاهات الأساسية في الاستعراب الياباني خلال الفترة بين 1945 وحتى 2016، وكذلك من زاوية النظر إلى ذلك الاستعراب كمدرسة علمية لا تزال مجهولة نسبياً لدى غالبية الباحثين العرب.
ينهض الكتاب على مقدمة منهجية عرضت الإشكاليات النظرية حول مشكلات التفاعل الثقافي بين العرب واليابانيين، وتناولت الفصول الخمسة الموضوعات التالية:
ـ أضواء على نشأة الدراسات العربية في اليابان خلال الفترة المحددة زمنياً، 1945ـ2016
ـ المؤسسات والمشاريع الثقافية لتعزيز الدراسات العربية في اليابان،
ـ دور الترجمة في التفاعل الإيجابي بين الثقافتين العربية واليابانية،
ـ الاستعراب الياباني في مرحلة الرواد الأوائل، 1973 ـ 1993،
ـ تطور الدراسات العربية في اليابان، 1993 ـ 2016،
وخاتمة تتلمس الآفاق الجديدة للدراسات العربية في اليابان.
كما أضاف المؤلف سبعة ملاحق، مسهبة وموسعة في الواقع لأنها تناهز الـ100 صفحة، حول مختلف ميادين التواصل بين اليابان والعالم العربي.
ومن اللافت أن تباشير الدراسات اليابانية تختارت البحث في الشؤون المصرية وخاصة ثورة أحمد عرابي، ثم ترجمة القرآن الكريم وبعض الأبحاث حول شخصية النبي محمد وسيرته، حيث كانت جامعة أوساكا هي الحاضنة الأولى لتدريس اللغة العربية. لافت كذلك أن هذا التوجه نحو العالم العربي والثقافة الإسلامية جوبه بمعارضة من المدارس اليابانية ذات التأثر بالاستشراق الغربي أو بالاستشراق الصيني. وفي رصد تأثير الاقتصاد والعلاقات الدولية على دراسات الاستعراب اليابانية يتوقف ضاهر عند آثار حظر النفط العربي سنة 1973 على اتجاه الدارسين نحو إنشاء مؤسسات علمية وتدريسية متخصصة مثل «معهد الاقتصادات النامية»، وانتهاج سياسة التبادل الثقافي مع الجامعات والمعاهد العلمية العربية. وفي الفصل الثالث الخاص بدور الترجمة في التفاعل الإيجابي بين الثقافتين العربية واليابانية، يقرّ ضاهر بالتقصير العربي في مجال نقل المؤلفات اليابانية إلى لغة الضاد، ويعدد في الآن ذاته أسماء قرابة 350 من المؤلفين العرب الذين تُرجمت أعمالهم إلى اليابانية.
من حيث أفقه العام يسعى الكتاب إلى إبراز المسار العلمي الدقيق لتطور الدراسات العربية في اليابان، وإلى تناولها انطلاقاً من «تميزها عن الدراسات الاستشراقية الغربية في النظر إلى الثقافة العربية ومبادئ الإسلام»، كما يقول ضاهر. وقد غطّت الدراسة مرحلتين في التطور التدريجي لهذه الدراسات:
1 ـ مرحلة الدراسات اليابانية الشمولية عن العالم العربي على أسس علمية معرفية، وبخصائص يابانية.
2 ـ مرحلة استخدام العلوم العصرية والتكنولوجيا الحديثة في تطوير التوثيق الجيد للعلاقات الثقافية بين العرب واليابانيين.
وبصفة إجمالية تعتبر الدراسة متفردة في حقلها، وكذلك في ما توفّره من مادة توثيقية حول موضوعها.
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ المؤلف اعتمد على عدد من الباحثين اليابانيين في إعداد بعض موادّ الكتاب، وخاصة الملاحق، وكان أميناً في نسبة تلك المواد إلى أصحابها.
ويشدد الناشر على أن الكتاب يبرز دور المستعربين اليابانيين الرواد في إنصاف تاريخ العرب وثقافتهم رغم تجاهل الغرب لهم، وفي أنهم درسوا بعمق المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكذلك النزاعات الداخلية بين القبائل والطوائف في العالم العربي. وهم عكفوا أيضاً على معالجة المشكلات الناجمة عن الصراع العربي-الإسرائيلي المستمر منذ بواكيره في التفكير الصهيوني، والتدخلات الإقليمية والدولية التي كانت عديدة واسعة النطاق على امتداد التاريخ العربي الحديث، ولكنها تزايدت مع الانتفاضات العربية الأخيرة. ولهذا فإن الكتاب سجل علمي حافل بأفضل ما أنتجه المستعربون اليابانيون من مقولات نظرية عن المشكلات العربية، وسجالهم مع الاستشراق الغربي لدحض مقولاته الاستعلائية ضد الثقافة العربية. وقد تضمن تحليلاً معمقاً لمنهجية كبار المستعربين اليابانيين من خلال مقابلات شخصية أجراها المؤلف معهم، بغرض الاستفادة من ثمرات أعمالهم.
وإذ لا يختار المؤلف الانحياز إلى مدرسة محددة في البحث، خاصة وأن خياره في العرض التوصيفي لميادين الاستعراب الياباني لا يتطلب اعتماد ركائز نظرية تسمح باستقصاء ملامح انتماء إلى تيار ملموس، فإن العمل تتويج لاشتغال ضاهر الطويل على الدراسات اليابانية. ومن المعروف أنه أقام في اليابان ردحاً من الزمن، وحاز من إمبراطور اليابان على الوسام الذهبي لنشر الثقافة اليابانية، وضمن مؤلفاته الكثيرة ثمة كتب مختصة باليابان، مثل «اليابان بعيون عربية»، و«النهضة اليابانية المعاصرة: الدروس المستفادة عربياً»، إلى جانب عشرات المقالات العلمية والصحفية ذات الصلة بذلك البلد.
وبالنظر إلى النقص الحاد في التوثيق الكافي لمادّة الكتاب، لجهة المادة المعرفية وكتابات المستعربين اليابانيين حول قضايا أساسية في تاريخ العرب وثقافتهم، والتراث الإسلامي، والصراع العربي ــ الإسرائيلي، وما إلى هذا كله؛ فقد اعتمد المؤلف منهج التوصيف الشمولي من جانبه، وإدرج مساهمات يابانية كُتبت خصيصاً للدراسة، وبدا الخيار منسجماً عموماً مع متطلبات البحث وخلاصاته. وفي هذا كله كانت لغة المؤلف سليمة، ودقيقة، ومبسطة، وناقلة جيدة للمعنى، من دون تعقيد أو إسهاب. وأسلوبه في العرض مباشر يعتمد تقديم المعلومة وشرحها والبناء عليها، على نحو سلس يفي موضوع الفقرة حقه. والمصطلحات نادرة بحكم طبيعة الدراسة، من حيث هي توثيق لمنجزات الاستعراب الياباني وليس لإشكالات فلسفية أو فكرية اكتنفت مساراته.
وقد يؤخذ على الكتاب افتقاره إلى التحليل النقدي لبعض ظواهر الاستعراب الياباني ضمن السجالات الداخلية التي عصفت بعدد من كبار المستشرقين اليابانيين، خاصة خلال حقبة صعود الإمبريالية اليابانية، وانفجار الأسئلة الشائكة حول الهوية الحضارية والسياسية لليابان الحديث والمعاصر، في سياقات العلاقة مع العالم الخارجي شرقاً وغرباً. وفي هذا الصدد اعتمد المؤلف على عدد محدود من المصادر العربية أو المترجمة إلى العربية، وعلى عدد أكبر بلغات أجنبية أو مترجمة من اليابانية إلى لغات أجنبية؛ جرى تسخير محتوياتها بشكل ملائم عموماً.
«دراسة فريدة في بابها من حيث أصالة التوثيق وشموليته، وتنوع المقابلات الشخصية، ووفرة الملاحق التي أعدها باحثون يابانيون خصوصاً لهذا الكتاب» يقول الناشر، مضيفاً أن عمل ضاهر «يبني ركيزة صلبة لفهم بنية الاستعراب الياباني ودوره في تقديم صورة منصفة للقضايا العربية»، وهو «دراسة أكاديمية عربية بامتياز، قدمت مادة معرفية غنية بالوثائق، وتسد نقصاً مزمناً في المكتبة العربية. وعنصر الجدة فيها بارز بقوة من خلال مشاركة المستعربين اليابانيين الرواد الذين أنجزوا ترجمات مباشرة من العربية إلى اليابانية».
د. مسعود ضاهر: «تطور الدراسات العربية في اليابان 1945ـ2016»
دار الفارابي، بيروت 2019
292 صفحة.