تونس ـ «القدس العربي»: احتدم الجدل في تونس بشأن مستقبل السلطة القضائية وتأثير جمع الرئيس قيس سعيد لجميع السلطات بيده على الديمقراطية الوليدة في البلاد، وذلك منذ أن حل المجلس الأعلى للقضاء بعد أن جمد البرلمان مع نهاية تموز/يوليو من السنة المنقضية. وازداد الجدل مع إعلان الرئيس عن تركيبة جديدة لمجلس مؤقت للقضاء ضم القضاة من دون غيرهم من الفاعلين في العمل القضائي ومنظومة العدالة على غرار المحامين، وقيل عن هذا المجلس المؤقت أنه «سيقترح الإصلاحات الضرورية لضمان حسن سير القضاء واحترام استقلاليته» من دون أن تكون هناك ضمانات.
فبالإضافة إلى الإنتقادات التي طالت تركيبة المجلس المؤقت للقضاء بسبب غياب المحامين وبعض المهن القضائية الأخرى، فإن المرسوم المتعلق بتشكيله تضمن عدة نقاط أزعجت المدافعين عن الحقوق والحريات وكثيرا من السياسيين والفاعلين في المشهد التونسي. ومن بين هذه النقاط التي أثارت القلق لدى الكثيرين من نشطاء حقوق الإنسان والمنتمين إلى مرفق عام العدالة وغيرهم، الصلاحية التي منحها المرسوم المشار إليه لرئيس الجمهورية والمتمثلة في إعفاء كل قاض يخل بواجباته المهنية.
ولم يقم محرر المنشور بتحديد دقيق لهذه الواجبات المهنية التي سيُعفي بموجبها رئيس الجمهورية القضاة عند إخلالهم بها وذلك خلافا لصياغة النصوص القانونية التي تقتضي الدقة وتعريف المصطلحات التي يتضمنها النص حتى لا يحصل أي حيف بمقتضى تأويل يصب في مصلحة طرف ما. وبالتالي فإن هذه المبالغة في العمومية عند صياغة النص تجعل الكثيرين يخشون من أن يتم فتح الباب على مصراعيه لإعفاء كل قاض لا يتماهى مع المنظومة الحاكمة بتعلة إخلاله بواجباته المهنية، وبالتالي يصبح رفض الإنصياع إلى الأوامر في تأويل البعض «إخلالا بالواجبات المهنية».
ومن النقاط المثيرة للجدل أيضا في المنشور المشار إليه، المنظم للمجلس المؤقت للقضاء، منع القضاة من الإضراب ومن كل «عمل جماعي منظم من شأنه إدخال اضطراب أو تعطيل في سير العمل العادي بالمحاكم» بحسب ما جاء في النص. فهناك من أيد هذا التمشي معتبرا أن القضاء سلطة وليس مهنة وبالتالي لا يجوز للسلط أن تُضرب، بينما اعتبر البعض الآخر القضاء مهنة ومن حق القضاة أن يُضربوا عن العمل مطالبة بحقوقهم شأنهم شأن باقي المهن وأن حق الإضراب مكفول بالدستور وهو حق من حقوق الإنسان تضمنه المعاهدات والمواثيق الدولية ولا يجب المساس به مادام منظما ومؤطرا بالقانون.
كما أعطى المرسوم الحق لرئيس الجمهورية على الاعتراض على ترقية القضاة أو تسميتهم من قبل المجلس وهو ما يمثل عودة صريحة إلى ما كان سائدا قبل 14 كانون الثاني/يناير 2011 أي إلى دستور سنة 1959 الذي جعل من رئيس الجمهورية رئيسا للمجلس الأعلى للقضاء وبإمكانه الاعتراض على تسمياتهم وترقياتهم. وبالتالي سيصبح كل قاض لا يطيع الأوامر يمكن أن لا تشمله الترقيات في السلم الوظيفي كعقاب على عدم التماهي مع السلطة التنفيذية كما كان يحصل في السابق عندما كان رئيس الجمهورية بنص صريح هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء.
هيمنة السلطة التنفيذية
وفي هذا الإطار يرى الناشط الحقوقي التونسي صبري الثابتي في حديثه لـ«القدس العربي» أن المرسوم عدد 11 لسنة 2022 المؤرّخ في 12 شباط/فبراير 2022 المتعلق بإحداث المجلس الأعلى المؤقت للقضاء والمرتكز على الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 المؤرخ في 22 ايلول/سبتمبر 2021 المتعلق بالتدابير الاستثنائية، هو من دون شك تكريس لهيمنة السلطة التنفيذية على نظيرتها القضائية. فهذا المرسوم، بحسب محدثنا، وإن لم يقر صراحة بأن رئيس الجمهورية هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء إلا أنه من خلال الصلاحيات التي منحها له يجعل منه رئيسا فعليا لهذا المجلس من خلال منحه صلاحية إعفاء القضاة من مهامهم بتعلة الإخلال بواجباتهم المهنية من دون أن يقع سرد حالات الإخلال بالتفصيل.
ويضيف الثابتي قائلا: «إن صلاحية الاعتراض على ترقية القضاة أو تسميتهم بدورها تجعل من رئيس الجمهورية الحاكم بأمره في الشأن القضائي التونسي ولا وجود لأي سلطة بإمكانها معارضته أو التصدي له في إطار نظرية مونتسكيو للسلط المتفرقة والمتوازنة التي تراقب بعضها البعض منعا لحصول أي انحراف بالسلطة أو تعسف في استعمالها. فلا شيء يضمن اليوم أن لا تعود الديكتاتورية من جديد بعد جمع طرف واحد أوحد للسلطات الثلاث بيده، وقد يأتي الدور قريبا على السلطة الرابعة، أي الإعلام، الذي كان مكسب التونسيين الوحيد خلال العشرية الماضية في ظل الخراب الذي عاشوه اقتصاديا واجتماعيا وحتى في المجال الصحي.
لكن ذلك لا يمنع من القول إن أوضاع القضاء التونسي لم تكن أفضل في السابق مع المجلس الأعلى للقضاء المنحل، حيث عُرف عن البعض داخل هذا المجلس ولاءهم لطرف سياسي بعينه عملوا على خدمة مصالحه دون سواه طيلة السنوات الماضية. كما وفر هذا المجلس الحماية لمن تورط في تعطيل عديد الملفات الهامة التي لها علاقة بالشأن السياسي، وهي قضايا تهم الرأي العام والحسم فيها كان ضرورة ملحة ومطلبا شعبيا من عموم التونسيين الراغبين في كشف الحقائق لفهم حقيقة ما يحصل في البلد.
إلا أن كل ذلك لا يمنع من القول أنه من غير المقبول إصلاح خطأ بخطأ آخر، وإذا كان أداء المجلس الأعلى للقضاء المنحل سيئا فمن المفروض البحث عن حلول لإصلاحه، كأن تُجرى انتخابات جديدة يصوت خلالها رجال القانون لاختيار مجلسهم مثلما حصل في سنة 2015 مع الحرص على أن تكون الانتخابات نزيهة وشفافة يغيب عنها تأثير الأحزاب السياسية الفاسدة. كما يمكن أن يتم تعيين مجلس مؤقت بدون تلك الصلاحيات الكبيرة لرئيس الجمهورية والتي تجعله سيد السلطة القضائية بامتياز والمُهاب من قبل القضاة خشية من حرمانهم من الترقيات أو من عزلهم حين يتراءى للرئيس صاحب السلطات المطلقة أنهم أخلوا بواجباتهم المهنية».
مُهلة السنة
من جهة أخرى يرى المحامي والناشط السياسي التونسي باديس الكوباكجي في حديثه لـ«القدس العربي» أن الصلاحيات الواسعة التي حاز عليها رئيس الجمهورية قيس سعيد في علاقة بالمجلس المؤقت للقضاء يمكن تقبلها إذا استمر هذا الوضع الاستثنائي لسنة واحدة فقط مثلما تقتضي خريطة الطريق التي أعلن عنها سعيد، ليتم لاحقا انتخاب مجلس أعلى للقضاء من جديد وذلك بعد انتخاب البرلمان الجديد الذي تسبقه إصلاحات تطال القانون الانتخابي وقانوني الأحزاب والجمعيات بالإضافة إلى التعديل الدستوري الذي سيشمل شكل النظام السياسي. أما إذا لم يحترم رئيس الجمهورية تعهداته التي ضمنها في خريطة الطريق جاز وقتها القول إن استقلالية القضاء في خطر، حسب محدثنا، وأن النضال من أجل هذه الاستقلالية المنشودة التي يطمح إلى تحقيقها كل المتدخلين في مرفق عام العدالة وليس فقط القضاة، بات واجبا لا محيد عنه.
ويضيف المحامي قائلا: «إن ما يمكن أن يُعاب على المجلس المؤقت للقضاء أنه يضم في تركيبته قضاة دون غيرهم في حين أنه سيقترح الإصلاحات الضرورية لضمان حسن سير القضاء واحترام استقلاليته، مثلما تم الإعلان عن ذلك. ويدرك القاصي والداني أن حسن سير القضاء واحترام استقلاليته هو أمر يهم كل المتدخلين في الشأن القضائي بما في ذلك جناح العدالة الآخر، إلى جانب القضاة، وبحسب الدستور، أي المحامين. فلو كان هذا المجلس سينظر فقط في ما يهم القضاة من نُقل وترقيات وتأديب جاز أن يتركب فقط من القضاة، لكنه سينظر في شأن مرفق عام العدالة برمته وبالتالي جاز لكل الأطراف المتدخلة أن تكون ممثلة فيه لأنها معنية بذلك بحكم عملها اليومي في المحاكم وذلك صونا لحقوق المواطنين وليس من أجل تموقع المحامين أو غيرهم.
فالأسلم أن يمثل الجميع في المجلس حين ينظر في شأن العدالة بوجه عام، لكن حين يتعلق الأمر بشؤون القضاة يتركب المجلس فقط من القضاة على غرار ما كان معمولا به في المجلس الأعلى للقضاء المنحل وفي عديد دول العالم التي تتوفر فيها المعايير الدولية لاستقلالية القضاء. ويبدو أن هناك حالة من عدم الرضا في صفوف عدد لا بأس به من المحامين بعد الإعلان عن التركيبة الجديدة للمجلس المؤقت للقضاء حيث لم يجدوا من يمثلهم ويضمن حقوقهم التي هي بالأساس حقوق المتقاضين باعتبار أن المحامي هو وكيل خصام يتحدث بالنيابة عن من أنابه من المواطنين للدفاع عن حقوقه».
إصلاح مشترك
من جهتها تعتبر المحامية وأستاذة القانون سامية بن محمد في حديثها لـ«القدس العربي» أن القضاء يعتبر رافدا من روافد التنمية واستقرار الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وغيره سواء في تونس أو في غيرها من دول العالم. وأضافت قائلة: «القضاة يعتبرون ان المجلس الأعلى للقضاء هو مؤسسة قائمة الذات تختص بترتيب وتنظيم قطاع القضاء والإشراف على نقل القضاة وغيرها من المهام التي تهم القضاة دون سواهم، والمجلس بالنسبة للمجال القضائي الواسع هو الضمان باعتباره مؤسسة دستورية يمثل فيها الجميع وتوفر استقلالية القضاة. وبين هذا وذاك يرى البعض ان القضاء هو إحدى الوظائف التي توفرها الدولة وأن استقلالية القضاء تكون في الأحكام التي يتم إصدارها وفي التعاطي مع القضايا التي سيتم الفصل فيها وفي حسن تطبيق القانون وفي المساواة أمام القانون بالنسبة للمتقاضين جميعا.
السؤال الذي يطرح نفسه هو هل التدخل في المجال القضائي هو ضرب لاستقلاليته أم لا، وهل ان هناك إمكانية لإصلاح المنظومة بمعزل عن مكوناتها؟ تجيب محدثتنا : «أكيد لا، لان أي قطاع لا يمكن إصلاحه إلا من خلال المشتغلين به وهو خبزهم اليومي ومسارهم المهني، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن ان يخضع أي نوع من النشاط للقطاعية المطلقة لأن القطاعية، في تونس للأسف تغلب في أحيان كثيرة وتصبح الغاية ليست توفير مجال للاستقلالية أو ضمانات أوفر لنجاح هذا القطاع بقدر ما تصبح حماية هذه لهذه القطاعية. وتضيف: «يجب ان نجد الاعتدال في التعامل مع هذه المسألة ليرفع الإشكال وينتهي، لأنه لا يمكن إصلاح المنظومة القضائية من خارج المنظومة مطلقا وبإقصاء القضاة، بل يجب تشريك القضاة انفسهم في أي إصلاح لأنه مجالهم ومعركتهم اليومية لتطهير القطاع، وفي الوقت نفسه لا يجب ان يكون إصلاح المنظومة فقط من داخلها ويجب قبول ان تكون هناك مقترحات وتصورات ورؤى أيضا قد ترد من خارج هذه المنظومة. فالاستقلالية يجب ان تكون أوسع من فكرة من يتدخل في الإصلاح، الاستقلالية تكون من خلال الأداء المهني والأحكام وتطبيق القانون ومساواة الجميع أمام القانون».