ما الإيقاع؟ نحو التفكير في تاريخية الكلام الشعري

فك الالتباس

لم يطرح القدامى السؤال بهذه الصيغة، وإنما بصيغ مختلفة ومتنوعة؛ ولهذا، تعددتْ إجاباتهم الصريحة والضمنية عنه، من مصطلحٍ إلى آخر، ومن إشكال معرفي إلى آخر، ومن ذات إلى ذات في تأمل موضوعها. فالإيقاع من أندر المصطلحات التي لم يُدرك طابعها المفهومي والمجرد ليس في الثقافة العربية وحدها، بل في ثقافات ثانية؛ لأنه يُوجِد واقعا ذهنيا، وليس شيئا طبيعيا، وهو ما يجعل تأويل الإيقاع ومَفْهمته يتحول إلى خبرة ورؤية وحساسية. وهو مثل غيره من الألفاظ، كان يحتاج إلى الانتقال من مرحلة إلى تالية متطورة؛ أي من الحقيقي والمحسوس إلى المجاز، فالاصطلاحي. ذلك ما ينبهنا إليه الفارابي في حديثه عن «أصل اللغة واكتمالها» عندما أشار إلى أنه توجد في أول الأمر محسوسات مدركة بالحس، وأن فيها أشياء متشابهة وأشياء متباينة، إذا استقرت الألفاظ على المعاني التي جُعِلت علامات، صار الناس يتجوزون في العبارة بالألفاظ.
نجد لدى القدامى وَعْيا مُبكرا بأهمية المصطلح وقيمته في بناء العلم، فوضعوا تآليف كثيرة في هذا الشأن، تحتفي بالحد والتعريف أمْنا للالتباس والاضطراب والخلط، بل إننا وجدنا عندهم، في أحايين أخرى، تَمايُزا في مدلول المصطلح، من حيث مرجعيته وآلية اشتغاله. ورغم وفرة المصطلحات في علم العروض، إلا أن (الإيقاع) لم يرد عند العروضيين على نحو يثير التساؤل والحيرة: هل يُعقل أن عِلْما جعل الإيقاع في صميم البحث لا يصطلح عليه باسمه ودلالته؟
يمكن أن نربط المسألة بالفكر الجمالي لدى هؤلاء العلماء، ولدى غيرهم في حقول لها صلة مباشرة بالإيقاع اللفظي في الشعر، وهو الفكر الذي غلب عليه الطابع الحسي في رؤيته للعالم، وفي تذوقهم للجمال وانفعاله بصوره انفعالا حسيا، كما ناقش ذلك عز الدين إسماعيل في «الأسس الجمالية في النقد العربي». لقد كان هذا الفكر يشتق مصطلحاته من البيئة التي يحيا فيها، ومن الاستعارات التي كان يحيا بها، دون أن يرتقي إلى خبرة المفهوم وتعقده. وبما أن دال الإيقاع بقي في الكمون، ولم يُطْرح في سياق النقاش النقدي الذي أفاد بلاغة الشعر العربي لدى القدماء، فقد تعرض أكثر من غيره لغموض شديد والتباس بمفهوم الوزن نفسه، الذي طالما أخذ مكانه وعبّر بالنيابة عنه، إلى حد أنْ ساد الاعتقاد لفترة طويلة بأن الإيقاع ليس إلا حصيلة الوزن والقافية، وبالتالي انحصر الهم في دراسة الأوزان والقوافي للقصيدة العربية من أجل استخلاص ما فيهما من انتظام ومزية، أو بخلافه؛ ما جعل هذا النمط من المشاغل في حرج كبير نتيجة التطور الذي أخذ يمس بنية القصيدة.

بين الشعر والموسيقى

إن لفظ الإيقاع هو، في الأصل، من مصطلحات علم الموسيقى، يتردد كثيرا في كتب الفلاسفة المسلمين وموسيقييهم، وندر أن نجده في كتب غيرهم من علماء العروض واللغة والشعر والبلاغة، الذين شق عليهم أن يتمثلوا الإيقاع بقوانينه في اللغة من حيث هي أصوات، وفي الدلالات التي لهذه الأصوات، ويجدوه في ألفاظها وجُروسها وصورها ما يعنيه في مُتصورهم إيقاعا. لذلك، بدا من السهل تحديد الإيقاع ودراسته في الموسيقى وكشف القوانين التي ينغلق عليها، بقدر ما أن الموسيقى فن زماني. وفي المقابل، بدا من العنت تعيين الإيقاع اللفظي وتسميته باسمه في الشعر بوصفه فنا قَوْليا. بيد أن القوانين التي استكشفوها وعملوا على إبرازها من خلال دراستهم للشكل، تمثلتْ الإيقاع في تعبيراتٍ جمالية، لكن دون أن تسميه. وإذا حصل أن وجدناهم يستعملون مصطلح الإيقاع للتعبير عن موسيقى الشعر، فإنه يكون حينذاك مصطلحا منقولا من علم الموسيقى إلى علم العروض.
يلتقي الشعر والموسيقى في خاصية الإيقاع ومادته التي هي الصوت وامتداده في الزمن، غير أنه في الموسيقى يكون غاية في ذاته، ويحمل طابعا غفلا بالمعنى، بينما يرتبط الصوت في بنية اللغة بعلاقات ذات أبعاد متنوعة، وهو ما يفرض على الوزن الشعري أن يكون منتظما بكيفية مخصوصة، ويجعله نظاما إشاريا معقدا ينطوي على عالمٍ من الدلالات والصور المحسوسة. بهذا المعنى، الإيقاع في الشعر هو أكثر خفاء، وغير مرئي؛ وعليه، نفهم لماذا حصل الالتباس عند علمائنا القدامى بين الإيقاع والعروض، ولم يستسيغوا وجود الإيقاع إلا في الموسيقى، ولم يلحظوه في الشعر إلا من خلال الوزن، ولا يتعدى إلى غير الوزن. ومع ذلك، فطنوا، بنسب متفاوتة القيمة، إلى مبدأ الإيقاع مِما لمسوه في الشعر من عناصر الانتظام والتساوي والتوازي والتكرار والتغير، وهي القوانين نفسها التي تنتظم القصيدة وتتمثل فيها، بل هي تشكل «أول المظاهر المادية المحسوسة للنسيج الشعري الصوتي وتعلقاته الدلالية» على حد تعبير صلاح فضل.
إن قوانين التوازي والتناسب والانتظام، بما هي مظاهر دالة على الإيقاع نفسه، والتي كانت تتيحها أجزاء الشعر باعتباره كلاما منظوما، لم يكن بالفعل يُخْطئها وعيهم الجمالي، إذ حدسوا هذه القوانين الصوتية وما تضفيه على بنية الشعر في حسنه واعتداله وائتلاف عناصره. لذلك، ربطوا أبنية القصيدة، بما في ذلك البناء العروضي – الإيقاعي، بالظواهر البلاغية التي لا تخفى وظيفتها في توجيه العلاقات التي تحمل على جمال الشكل الفني، ويُحاسَب الشعراء على هذا الأساس الجمالي وخاصته الصرف. وكثيرا ما فعلوا ذلك بدافع الذوق، ولم يُقننوه أو يجعلوه في قواعد، ولسان حالهم ما قاله إسحاق الموصلي عندما سئل عن النغم، فقال: «إن من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة ولا تُؤديها الصفة».

نظرية محتملة

لم يكن عمل العلماء من بلاغيين ونقاد بالأمر الهين، وهم ينقلون اهتمامهم من حاصل المعرفة بالعروض الذي يهتم بالوزن المجرد القائم على أنساق زمنية معلومة، إلى تدشين المعرفة بالإيقاع وأحواله، بعد الذي رأوه من انتظام المستوى الصوتي وتردده بِكيفيات مخصوصة. فلم يُعنوا في ذلك بالتوازنات الصوتية وضروب التجنيس اللفظي فحسب، بل اهتموا بالبعد البصري في تشكيل لغة الشعر ونُظُم دلالاته، ونظروا إلى القصيدة كمبنى غير قابل للفصل عن المعنى، يتـم تقويم جمالياته ضمن جملة شروط بلاغية تحكم عليه بالتناسب أو التنافر.
مع ازدياد وعيهم بأجروميات البناء الشعري وما فيه تتجسد عناصر ماديته التي تشكل المستوى المحسوس للنص، وانفتاحهم على أصول ومصادر قرآنية وبلاغية، وأخرى فلسفية ومنطقية نتيجة تعرفهم على تراث شعوب كالهنود والفرس والإغريق، لم يعد همّ علماء الشعر وبلاغييه، إبراز وجوه البديع ومحسناته الصوتية، بل كذلك كشف ما يرتبط به من سهولة العبارة وترابط الأجزاء، وحسن التخلص والخروج، واتفاق الألفاظ واختلافها بين الجودة والرداءة، ثم ما يراعى في ذلك من تناسب مع المعاني والصور البيانية: كلماته، صوره، وصياغته اللغوية؛ وهو أتاح لهم أن يكشفوا عن طبيعة علاقات الانتظام الصوتي والدلالي بجميع أجزائه، ويبرزوا تطورها في سياق كُلي يوحي بسيطرة قانون خاص يحتاج إلى جهد تنظيمي مُضاعف.

بيد أن نظرية الموشح نفسها لم تستطع أن تتحرر من النظرية الأصل؛ أي اختزال هذا الشعر في النظر العروضي. فابن سناء صاحب (دار الطراز في عمل الموشحات) بذل مجهودا كبيرا لاستقراء أوزان عدد كبير من الموشحات وأعاريضها الخاصة، غير أنه أعيته الحيلة لضبط موشحات كثيرة ظلتْ خارج مصطلحاته وقواعده، ولم تنضبط لقياس، إذ «عز عليه ذلك وأَعْوز».

يجسد مفهوم التناسب مثل هذا القانون ضمن رؤيتهم إلى مجموع عناصر العمل الشعري، إما بلفظه الصريح (التناسب، المناسبة، النسبة) أو بمصطلحات من جنسه تدل على معناه وتكمله (التلاؤم، المشاكلة، التعادل، المطابقة) من أجل تفسير ما وجدوه في الشعر من حسن النظم واعتدال أجزائه، وترادفها، وتشاكلها صوتيا ودلاليا. وفي هذا السياق، تدل محاولات نظرهم إلى القصيدة بوصفها بنية متكاملة تتآزر فيها الألفاظ والمعاني، على نمو شعور قوي بأنه من مجموع عناصر نسيجها واعتدال أجزائه يتحقق ما يسمى (الإيقاع)؛ فهذا الأخير ليس صورة للتجانس البديعي ولا للمحسنات اللفظية والمعنوية وحسب، بل هو نتاج قانون عام يقوم على تناسب النظام الإيقاعي الذي يعمل عبر اللغة، ويستقي مادة بنائه وانتظامه من تردد الوحدات الصوتية على مسافات زمنية متساوية أو متقابلة، ومثل ذلك من تردد الوحداث الدلالية والنفسية.
كان من المفيد إدماج علم العروض في تطوير نظرية للشكل الشعري، لكنه لم يكن في واقع الأمر سوى نظرية في «تبدل أحوال» أوزان الشعر العربي، وليس في إيقاعه، وكان نسق مفاهيمه جزء من نسق هذه النظرية ومفاهيمها التي لا غنى له عنها؛ ولهذا بقي علما مكبوتا ليس له ما يقوله بما هو علم مجرد قائم على الوحدات العروضية وأقيستها، وكانت هوامش البلاغة التي لم تأل جهدا لتطوير عملها، تعبر عن فكرة الإيقاع وتُبقيها حية، كأنها كانت تفكر في «نظرية محتملة» لإيقاع الشعر العربي. فالقصيدة العربية كواقعة ثقافية وجمالية كانت تتحول باستمرار، على الرغم من ثباتها الظاهري وخضوعها لـ»نظام هندسي صارم». وعبر تاريخ الشعر العربي، لم يكف الشعراء لحظة عن إنتاج النماذج الشعرية التي لا تتفق – كليا- مع قواعد العروض، فيما هم يرسمون سبل إلهامهم الخاص.

ويعكس شعر الموشح ذروة اختراق النظرية في القديم، فقد نازع سلطة المركز الشعري، ونزع اللغة الفصحى من قدسيتها، وراح ينتزع باستمرار اعتراف المؤسسة، بما هو فعلٌ شعري يتمرد على أعاريض الشعر التقليدي، ويخلق نِسَبا إيقاعية جديدة في توزيع البنية المكانية والزمانية، وبالتالي يتيح لعمل الإيقاع السمعي- البصري حيزا أوفر مما كانت تسمح به بنية النمط الأصلي للبيت الشعري.
بيد أن نظرية الموشح نفسها لم تستطع أن تتحرر من النظرية الأصل؛ أي اختزال هذا الشعر في النظر العروضي. فابن سناء صاحب (دار الطراز في عمل الموشحات) بذل مجهودا كبيرا لاستقراء أوزان عدد كبير من الموشحات وأعاريضها الخاصة، غير أنه أعيته الحيلة لضبط موشحات كثيرة ظلتْ خارج مصطلحاته وقواعده، ولم تنضبط لقياس، إذ «عز عليه ذلك وأَعْوز». فممارسات هذا الفن الطليق من عِقال النموذج، على اختلاف أشكاله ضمن ما سموه الفنون الشعرية الملحونة أو غير المعربة، كانت تتطور بشكل مدهش ضمن بيئة الغناء والمشافهة، وكانت تجسد بنية مفتوحة لا تخضع في معماريتها الإيقاعية للنظام العروضي التقليدي، بقدر ما تتجاوز رتابته من خلال ابتكار أنماط إيقاعية جديدة فيه، وتتخذ أشكالا من الصوغ الباهر باختلاف أنماط البناء النصي للموشح، وترفد موسيقاها الداخلية من حساسية الذات واللغة والمتخيل في آن. لكن لم يدرس شيء من ذلك.

نقد الإيقاع

بقيت الجهود النظرية متفرقة، ولم يحصل حوار نظري ومعرفي بين هوامشها الواعدة، يمكن أن يتجاوز المثبطات ويقدم إطارا مُوحدا لدراسة الإيقاع. فقد كانت «نظرية» الإيقاع الوحيدة والمتاحة هي «النظرية القَدَمية» التي تقدم الوزن وتقاربه «زمانيا» بوصفه هو الأساس، وليس الإيقاع. فأنساق النظْم ظلت مجرد معايير متفق عليها، فيما هي تنظم الوحدات غير الدالة: التفاعيل وعدد المقاطع. ومثل هذه الخطاطة لا تؤثر في ماهية الصوت، ولا المعنى، كأن الوزن الشعري يشتغل مستقلا عن المعنى. لهذا، فالمفهوم العروضي الذي اختاره القدامى هو ما حجب النظام الإيقاعي، ولم يكن حاصل عطالة في اللغة نفسها.
لقد أقام الخليل بن أحمد نظامه على أساس المتحرك والساكن، وقام باستقراء ناقص للشعر العربي على ضوئه أقام قواعد العروض العربي المعياري، التي شكلت «نظرية» في إيقاع الشعر العربي، ثُم تحولت إلى «معتقد» جامد، بعد أن باتت فرضياتها مُقررات ذهنية وسابقة عن الواقع الشعري وتجديداته، يمليها علماء العروض الذين لم يزيدوا على الخليل أو يُضيفوا إلى علمه مسائل ذات اعتبار كانت تفرضها واقعة القصيدة العربية وتاريخيتها، بل «أقاموا بِناء فِكريا بعيدا عن الزمان والمكان، فلا هو يُمثل أوزان العرب القدماء، التي زادوا ونقصوا فيها، ولا هو يُمثل أوزان المحدثين التي أنكروها وأهملوها» على رأي محمد شكري عياد. مثلما حصل أن هؤلاء لم ينفتحوا على معارف عصرهم وأفكاره، ولا على بعض الحقول التي كانت تشهد تطورا، ولاسيما في علوم البلاغة والموسيقى والتجويد بوجه خاص.
باتت «النظرية» مجرد نظرية للبيت، بل بوصفها «نظرية مجردة للإيقاع» أي نظرية الإيقاع المجرد. وهكذا لم تستطع أن تُطور نفسها، فتخلفتْ عن تتبع حركة التطور الإيقاعي ووصف منحنياته الداخلية في بعض منعطفات القصيدة العربية. كان المفهوم العروضي «المجرد» لإيقاع الشعر العربي هو السائد، وهو ما ساهم في الحيلولة دون تبلور التصورات الأخرى الممكنة. وكان بعض هذه التصورات يتفتقُ ويعِدُ بنتائج مذهلة، لكنها انتهت إلى عصر بدا غير مهيإ لاستقبال الأعمال الواعدة واستثمارها، بعد أن تفشتْ في فضاء الثقافة العربية العالمة آليات النقل والاجترار والتلخيص. كما غنمت كتب المُقلدين، في علوم شتى، صمت العقل وروحه المبدعة فأخذت تُشقق الأبواب وتكثرها وتُردد صورها منفصلة عن بعضها البعض، بلا إنتاجية ولا فهم. مثلما اجتر العروضيون أنفسهم نظرية الخليل وقتلوها شرحا، وانتهى أهل البلاغة إلى أن جعلوا منها علما كُليا، واشتق بعضهم منها، ووجدوا البديع في كل صيغة فيها شيء من الغرابة مُحسنا بديعيا، وأطلقوا عليه اسما من الأسماء، ما أحال الكلام في البديع ومحسناته إلى صورة غثة أفقدته حيويته.
إذن، ظل الإيقاع في الشعر العربي سجين «النظرية» وجهازها العروضي- القياسي، ولم يتبلور بما يكفي في مشاغل أهل الشعر، أو عند البلاغيين، لغياب حوافز الإشكالية وموجهاتها التي قد تفضي إليه وتقدح زناد الفكر فيه على نحو من الأنحاء, ومن هنا، فأي نقد ممكن للإيقاع لن يكون إلا نقدا للشعر، وبلاغته، وسياساته، ولتاريخ ممارساته الأدبية وأعرافه الثقافية إجمالا، ضمن منظور يرتفع بمستوى التحليل من البيت إلى الخطاب، ومن التأمل إلى النظرية التي تُفكر في الكلام الشعري داخل تاريخيته وشروط معناه وإنتاجه من عصر إلى آخر، ومن كتابة إلى أخرى.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية