التخلي عن الحرية خلال المعركة على الإرهاب لا يضمن الحصول على الأمن

حجم الخط
2

وسط الكثير من القبح والموت الذي يحيط بنا، وبعد حادث إرهابي آخر في سيناء وضحايا جدد وآلام لا تغيب، قد يبدو العنوان صادما وربما خـــــارج ســــياق الأحداث. ولكن كلمات الأغنية التي كتبها بهجت قمر وارتبطـــت بأحداث فيلم «عسل أسود» كانت في خلفـــية المشــــهد بحثا عن بقايا جميلة أو «حلوة» من تلك التي نحتفظ بها في مكان خاص من القلب، بوصفها كنزنا الذي يمنحنا القوة والقدرة على الاستمرار، وعلى رؤية النور من أجل تجاوز السواد.
ولكن في حين تملك الأغنية الكثير من المشاهد الدافئة التي احتضنها بقوة لمصر، أصرت الأحداث على أن تفرضها بشكل مختلف، وبدلا من حديث «فيها نية صافية.. فيها حاجة دافية»، نقلت لنا الأخبار أن الإسكندرية القادرة وحدها على إثارة الكثير من مشاعر الدفء والجمال، وضعت على أجندتها للمؤتمر الاقتصادى لدعم مصر، المخطط أن يعقد في مارس 2015، جزءا آخر من الأغنية الذي جاء فيه «سوبيا.. فول.. طعمية.. كشري.. كوز بطاطة سخنة جدا». فقررت المحافظة أن تضع مشروع تشغيل عربات كبدة وترمس وبليلة على كورنيش النيل تعمل بالطاقة الشمسية ضمن مقترحاتها. 
قد يرى البعض أن المقترحات تتسق مع مشاريع عربات الخضار والمصابيح الموفرة، التي ارتبطت بالانتخابات الرئاسية. وقد يكرر البعض فكرة الترحيب بفرص العمل أيا كانت، في حين أن السؤال يتعلق بقدرة المشاريع المقترحة على مواجهة مشاكل المحافظة ومصر بشكل حقيقي.
ووسط البحث عن «حاجة حلوة»، يصدمنا استغلال البعض لكل فرصة ممكنة لتأكيد أن النار فقط تطفئ النار، وأن الدم يحتاج المزيد من الدم.
 والغريب أن من يطالب بالدم يرى أنه مباح بلا سؤال عن القانون أو المحاسبة أو وجود تهمة لشخصيات محددة وإثبات ارتكابها تلك الوقائع. ينتقل الحدث من كونه إرهابا، إلى كونه بوابة للتفتيش في الضمائر والبحث بين السطور والصدور عن الوطنية والخيانة، وفقا لتعريف محدد للسلطة ومن حولها. 
يرى البعض أن الدولة لها الحق في أن تفعل ما تشاء وقت ما تشاء لوجود أحداث إرهابية.. تتفق في أن الإرهاب مجرم، وتتفق على ضخامة الأحداث وما تخلفه من حزن مبرر، ولكن يصعب قبول فكرة إطلاق يد السلطة في أن تعاقب بلا قانون أو بانتقائية. تتفق في ضخامة التحدي ولكن تختلف في حجم ما يمكن أن تضحي به من حقوق لقيام السلطة بدورها المفترض في حماية الأمن والتصدى للتهديد.
ووسط تصعيد خطاب حق السلطة وتراجع حقوق المواطن يعود الحديث عن تفويض جديد، وكأن السلطة تحتاج لتفويض للقيام بدورها، أو تحتاجه لأنها تتجاوز أو يفترض بها أن تتجاوز هذا الدور. بدوره أشار الرئيس في اللقاء مع الإعلاميين في بداية فبراير وبعد حادث سيناء، لما تمتعت به مصر خلال حرب الاستنزاف من مميزات، فرغم سقوط العديد من الشهداء لم يتم تناول تلك الاخبار وهو ما «كان يحافظ على إرادة القوات وروحها المعنوية»، مضيفا أن هذا لا يعنى «حجرا على الناس ولكن خوفا عليهم». أما السبب المباشر وراء تلك المطالبة فقد استكمل في ما نقل عنه من انتقاد لاستخدام الحادث الإرهابي لتوجيه النقد للقوات المسلحة «والحديث عن وجود إهمال وتقصير رغم وجود ضحايا من الجنود الذين ضحوا بأرواحهم وتصدوا بصدورهم أمام سيارة كانت تحمل 3 أو 4 أطنان من المتفجرات».
 يحتاج الخطاب الدائر حول فكرة الموت لإعادة صياغة، لأنه يقوم على عدم النقد والتسليم بفكرة حتمية الموت بدلا من سؤال القدرة على المواجهة، في حين أن المطالبة بالتقييد تتعارض – نظريا- مع تأكيد الرئيس في أحاديثه المماثلة على أن ما تواجهه مصر هو حرب وجود. خطاب يدعم التفويض، ولكن عندما يتعلق بالتساؤل عن تأمين الجنود أنفسهم يتحول الحديث على الجنود بوصفهم دروعا بشرية اختارت الموت بدلا من المواطنين، ويصبح على الإعلام أن ينتقي ما ينشر.
انتشار حديث التفويض مع خطاب دور الإعلام في ضبط ما يصل للجماهير تحد شديد الخطورة في ما يمكن أن يحدث لوطن يختار أن يسلم مفاتيح حريته مقابل أن تقوم السلطة بدورها المفترض في مواجهة ما يهدده. نصبح في مواجهة خطاب ضرورة التنازل عن الحرية من أجل السلطة، أو من أجل الإرهاب، بدون الحديث عن خيار قابل للحياة أساسه أن الحرية حماية، وان قيام السلطات بدورها لا يفترض ان يكون بالانتقاص من حقوق وحريات المجتمع بلا حدود.
لا يتوقف سؤال الاختيارات الغريبة التي تواجهنا عند خيار التسليم العام بمفاتيح الحرية، ولكنه يتحول إلى خيار المواطنة مقابل الحرية. أن تكون أجنبيا أو يكون لديك فرصة التخلى عن جنسيتك المصرية من أجل الخروج من السجن، كان خيار صحافيي قناة الجزيرة الثلاثة المقبوض عليهم منذ ديسمبر 2013 في القضية المعروفة باسم «خلية ماريوت». القضية التي أثارت الجدل حول العمل الصحافي وأنه ليس جريمة، تحولت لنقاش آخر عن الجنسية المصرية، حيث تم الإفرج عن بيتر جريست الأسترالي، وأعلن عن موافقة المصري- الكندي محمد فهمي على إسقاط جنسيتة المصرية مقابل حريته، في حين لازال موقف باهر محمد المصري بدون جنسية أجنبية محل سؤال. 
الفعل والاتهام واحد ولكن الفارق بين السجن والحرية أن تتنازل عن الجنسية المصرية في حالة فهمي، وتتعقد الأمور أكثر إن لم يكن لديك بديل آخر.
ولكن تحدي الجنسية ليس للجميع مثل عدالة القانون التي تلتزم بالنص- كما تقول لنا- في التعامل مع الرئيس الأسبق مبارك ورموز نظامه وتحتفي بحق أحمد عز في الترشح لانتخابات البرلمان لعدم وجود مانع قانوني، ولكنها نفسها لا تجد مانعا من تبرير التشدد في الأحكام ضد بعض من اخترق قانون التظاهر، فيتحدث القاضي على أن اللحظة التي تشهدها مصر توجب تطبيق أشد العقوبات، وأنه اختار ان يكون الحكم على أحمد دومة ومن معه وفقا لأشد ما يمكن. في كل الحالات ستجد من يبرر التناقض القائم، في الحالة الأولى باسم احترام أحكام القانون وعدم التعقيب عليها، وفي الثانية باسم إعلاء الوطن وأولوية الحرب على الإرهاب. في حين لا يرى البعض تلك الأحداث إلا من عيون الإعلام والنظم الغربية، وكيف سترى مصر بعد هذا الحدث أو ذاك وكأن النظم تحكم من مرآة الآخرين وليس من أجل المواطنين.
يرى البعض أن الإشارة إلى الأسود غير مفيد، ويندد البعض بأي حديث عن الحرية والحقوق والعدالة الاجتماعية باعتبار ألا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ولكن ان تتخلى عن حريتك لا يضمن أن تحصل على أمنك، وأن تحصل على «أمن» ما لا يعني أن تحصل على حياة. وربما يكون أهالي ضحايا «عبارة السلام 98» والقطارات المحترقة والقوارب الغارقة وشهداء ثورة يناير، هم أكثر من يعرف معنى الأمن الهش والحياة التي لا تشبه الحياة حين يغيب العدل. من حقهم طرح علامات التعجب على من يجد مبررا للتباكي على مبارك أو الترحيب برموزه في المشهد السياسي، وهم ينتظرون عدالة غائبة.
وفي النهاية ورغم محاولة البحث عن «حاجة حلوة» في المشهد، تصل إلى أن ما هو حلو لا ينمو بدون حرية، ومن أجل تحققه يكون من المهم التذكير بكلمات اللاهوتي الألماني مارتن نيمولر في قصيدته «أولا جاءوا» التي توجد بصيغ مختلفة ويقول فيها: «في ألمانيا أولا جاءوا للشيوعيين لم أبال لأنني لست شيوعياً، وعندما اضطهدوا اليهود لم أبال لأنني لست يهودياً، ثم عندما اضطهدوا النقابات العمالية لم أبال لأني لم أكن نقابيا، بعدها عندما اضطهدوا الكاثوليك لم أبال لأني بروتستانتي، وعندما اضطهدوني أنا لم يبق أحد حينها ليدافع عني». ومن أجل هذا الوطن تبقى الكلمة حقا ومن أجل «الحاجة الحلوة» تبقى الكلمة ضرورة حتى نستعيد كنز الجمال المخبأ بين خطاب القبح والدم المتحقق على الأرض، الذي لا ينفصل عن مشهد الدم الحقيقي، لأن النار لا يمكن أن تطفئ النار أبدا، ومحاربة الإرهاب لا تعني توسيع الحرب لتضمن كل من يخالف السلطة، ولا تعني محاربة الحياة بخطاب الموت.

٭ كاتبة مصرية

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية