كتاب المشي والتأمل والقراءة

الكتاب الذي سأتحدث عنه حملني إلى فضاء رحب من اللغة الشعرية والتصوير والتعبير، عبر مقالاته التي سبق نشرها منذ أعوام قريبة في صحف خليجية للشاعرة والمترجمة والقاصة ظبية خميس. لظبية خميس أكثر من أربعين كتابا، يحتل الشعر فيها المنزلة الأكبر. ثلاثة وعشرون ديوانا آخرها قرأته قبل هذا الكتاب وهو بعنوان «على حافة الجنة» صدر مع هذا الكتاب مؤخرا عن مركز الحضارة العربية في القاهرة. لظبية خميس أربع مجموعات قصصية وحوالي عشرة كتب مترجمة والعديد من كتب الدراسات، فتجاوزت مكانها، هي بنت الإمارات، مبكرا، لتكون علما من أعلام الثقافة العربية في كل البلاد. أربعون مقالا موزعة بين المشي والتأمل وقراءة في كتب أكثرها أجنبي وأقلها عربي، سأتحدث عنها دون ترتيبها، بل وفقا لموضوعها.
تتحدث عن متعتها في القراءة أكثر من الكتابة فهي متلازمة وجودها الدائمة. كيف تشعر بالحرية أكثر وهي تقرأ بالإنكليزية آداب وفلسفات العالم، دون شطب ولا تجريم ولا تحريم أو رقابة، وجولاتها في مكتبات الهند ومكتبات دبي ومولات أبو ظبي، ثم الرحلة من باريس بعد الحرب العالمية الأولى، حين كانت ملاذا لأدباء أمريكا وأوروبا، وكيف عاش فيها همنغواي وأبدع مع غيره مثل، جيرترود شتاين وجيمس جويس وإيزرا باوند وسلفيا بيتش، التي أنشأت مكتبة شكسبير في الحي اللاتيني، التي لا تزال قائمة. ومن حسن حظي أنا أني عرفتها منذ ربع قرن وصارت زياراتي لباريس لا تنتهي، إلا بزيارة هذه المكتبة وشراء شيء منها.
وتتحدث عن الروايات في مقالات تتفرق بين الكتاب فتبدأ، برواية «زوجة باريس» للكاتبة بولا ماكلين، التي صدرت عام 2012 وفيها همنغواي شاب، وكيف كانت باريس هي المكان الذي أخذ همنغواي إلى ساحات كل أعماله، وكما قالت زوجته الأولى هادلي، فرغم الأسطورة التي صنعها من حياته، كان لا يزال ضائعا يخاف الموت، ويبحث عنه فاختار الانتحار في كوبا. ويستمر حديث الروايات فتتحدث عن روايات عظيمة مثل «ناركوبولس» للشاعر جيت ثايل، التي بلغتها تنتمي لروايات عالم القاع، التي تذكرك بـ»الخبز الحافي» لمحمد شكري و»مدار السرطان» لهنري ميلر.
عن عذابات ابن سينا مع الولاة وسجنه، ورواية جيلبرت سينويه عنه «ابن سينا أو الطرق إلى أصفهان» وكتابات كارلوس زافون الروائية وعلاقتها بنائيا بالمعمار القوطي، والمشهدية السينمائية، وتحلل روايته «لعبة الملاك» وتعرض لكتاب «أصوات الرواية» وهو حوارات ترجمتها الكاتبة العراقية لطفية الدليمي، وحديث جميل عن رواية «الصعود» للإماراتي حارب الظاهري، وتكوينها وموضوعها.
تتحدث عن المشي ملاذها، فبه يصفو الذهن وترتاح النفس، فالمشاؤون كانوا أول الفلاسفة في اليونان ومصر والهند وكريشنا مورتي، أشهر المشاة في القرن العشرين، تكتشف المدن والعالم، وكيف مشت هي في شوارع القاهرة وحفظتها في الثمانينيات مع الشاعر إبراهيم عبد الفتاح، فالقاهرة المدينة التي لا تشبه إلا نفسها وتسوقك إلى إدمانها. وتطوف بسيناء والأقصر ومعابدها، وعلى شاطئ الإسكندرية ينهض أمامها فلاسفة الإغريق، وتظل مصر روح الزمان وسط الخراب في العالم العربي، رغم كل شيء وتأسى لما يحدث في بلاد العرب القديمة أصل الحضارة من هجمة هكسوس القرن الواحد والعشرين على تراثها الحضاري من الآثار في العراق وغيرها.
ورحلة إلى تايلند حيث شعب يعشق الحياة اليومية العادية والطعام والتجوال والطبيعة، حيث المعابد في كل مكان والتدليك أكثر اللافتات. تتحدث عن بريخت فيأخذها الحنين إلى شعراء مثل ناظم حكمت ومحمود درويش ولوركا ونيرودا وبوشكين ووالت ويتمان وغيرهم، ممن صاروا ميراثا للإنسانية كلها. وحديث عن الشاعرة الليبية تهاني الدربي وكتابها الشعري «يعربد بك» حيث العذاب الأنثوي والأمومي والغفراني، وعن المجموعة الشعرية «ترسلين سكينا أرسل خنجرا» لصالح دياب السوري المقيم في فرنسا، التي استمعت إليه يلقيها في مهرجان في فرنسا. غريب ليس كغريب كامو الوجودي، إنما هو شرق ضائع في غرب يزيد من ضياعه. ثم ديوان الشرقي للمؤلف الغربي لجوتة، المحاولة المبكرة لحوار الثقافات. وعروة بن الورد أمير الصعاليك، والتمتع بالحرية للشعراء في الزمن الجاهلي.

ويأتي المقال الأربعون والأخير بعنوان فاكهة الثمانينيات وحلوى التسعينيات محبة في الحياة الثقافية في القاهرة وأماكنها من مقهى ريش إلى البستان وستيلا والجريون إلى الإتيليه وأيام اللقاءات وعروض الفن التشكيلي في الإتيلييه، ومراسم وكالة الغوري وغيرها

أما الحديث عن الشاعر المغربي عبد الوهاب المؤدب فمرتان، وبشكل أوسع بين كتاباته الشعرية بالفرنسية وترجمتها إلى العربية، التي قام بها الشاعر محمد بنيس. لقاءاتها به وشعره وحياته وولعه بزيارة المقابر ووفاته. الشعراء يحتلون المساحة الأكبر، فنزار قباني شاعر الحب والغضب، وأونجاريتي الإيطالي السكندري المولد، ثم لوركا طفل الريف الأندلسي. لوركا الذي دفع ثمن موقفه ضد الفاشية وتم إعدامه في غرناطة وتحققت نبوءته «وعرفت أني قُتلت.. وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس.. لكنهم لم يجدوني قط» ثم مقال ضاف عن ديوان «الوصايا في عشق النساء» لأحمد الشهاوي، يأخذنا لمقال عن ابن زيدون وقصته مع ولادة بنت المستكفي، التي كانت مثل صراعات الطوائف في الأندلس، بما كان في دروبها من خيانات وصراعات ووهن، وننتقل إلى المتنبي بين الحل والترحال، حتى تم قتله وفي شعره يكرس سلطة الشعر التي تعلو على سلطة السيف.
وكتب مثل «الاتفاقيات الأربع» لدون ميجيل ريز، والتجربة الروحية واتفاقك مع نفسك أن تكون نزيها ودودا في كلماتك، فالكلمة قوة الخلق، وأن لا تأخذ أي شيء بشكل شخصي، فآراء الآخرين تخصهم وأن تحصن نفسك ضد زبالة الآخرين ولا افتراضات مسبقة فكثير من الخيبات تأتي من ذلك، ثم أن تفعل أفضل ما يمكنك فعله.
وحديث رائع عن أوبرا وينفري وكتابها «ما أعرفه بالتأكيد». وكتب لويز هاي المرشدة الروحية والصحية، وكيف تعيد النظر في فلسفة الحياة اليومية.
ونصل إلى مقال عن الرئيس الهندي الراحل أبو بكر جلال الدين عبد الكلام، الطفل الفقير المسلم، الذي صار عالما في الصواريخ والطاقة النووية، وله كتب عديدة ومنها كتاب «رحلتي» الصادر عام 2013 وحبه للشعر والأدب، فالكتاب رحلة عالم فذ وكاتب جميل ورئيس دولة لم يحط نفسه بالمنافقين والمطبلين، ولم يستعرض إنجازاته في الصحف، ولم يأمر باعتقال ناقديه ومعارضيه.

حين وصلت لقراءة هذا المقال توقفت ليلة ونهارا عن القراءة، وتستطيعون أن تدركوا أين ذهب تفكيري وأنا أنظر حولي. تابعت القراءة في اليوم التالي عن السحر الكبير للكتابة، من خلال كتاب اليزابيث جيلبيرت «سحر كبير» ثم عن عمر الشريف وازدوجية حياته بين المسيحية والإسلام، ومن تجارة الخشب إلى السينما، ومن الجذور اللبنانية إلى المصرية ومن السينما المصرية إلى العالمية، ومن فاتن حمامة التي لم ينسها إلى نجمات هوليوود، ومن مصر في زمنه إلى مصر في آخر حياته، التي يضربها الإرهاب، ثم عن المثقفين بلا شعوب وشعوب بلا مثقفين، فسلامنا كاذب مرهون بالطاعة والولاء وخلف المثقفين السياف والسجان والمكفر والمخون وقاطع الأرزاق، حتى الإنترنت صارت مصيدة تأخذ كتابها إلى المعتقلات. على الجانب الآخر مثقفون يكذبون ويتحولون إلى بهاليل السلطان.
ويأتي المقال الأربعون والأخير بعنوان فاكهة الثمانينيات وحلوى التسعينيات محبة في الحياة الثقافية في القاهرة وأماكنها من مقهى ريش إلى البستان وستيلا والجريون إلى الإتيليه وأيام اللقاءات وعروض الفن التشكيلي في الإتيلييه، ومراسم وكالة الغوري وغيرها، وحديث عن الفن والفنانين ثم عن مخرجي السينما الجدد للسينما البديلة خيري بشارة وعاطف الطيب ومحمد خان ورأفت الميهي وداود عبد السيد وعلاء كريم ومنير راضي، ومخرجي المسرح مثل ماهر سليم وناصر عبد المنعم وناجي كامل ومنصور محمد وغيرهم، وليل القاهرة الذي لا يقارن في الثمانينيات. يالها من مقالات حملتني إلى فضاء من المشي والتأمل والبهجة رغم الآلام.

روائي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية