صيف 2009، حلّت سيزاريا إيفورا في الجزائر العاصمة، غنت في القاعة البيضاوية، عشر دقائق، قبل أن يخمد صوتها وتنوب عنها بافلات في إذاعة أغنية أخرى، عنوانها «سُوْداد» فقد قاربت يومها تلك المغنية ـ القادمة من جزر الرأس الأخضر – سنّ السبعين، وهي تطوف المسرح بخطوات متثاقلة، منتعلة شبشباً، محاطة براقصات يافعات، لعلها كانت آخر حفلات سيزاريا، فبعد ذلك التاريخ سوف تُجري عملية القلب المفتوح، ثم تتوإلى عمليات جراحية أخرى، هزل بدنها وأغمضت عينيها إلى الأبد شتاء 2011، لقد كان ظهورها في الجزائر، بمناسبة المهرجان الثقافي الافريقي، أشبه بتحية وداع، لاحظ الجميع متاعبها الصحية وتراجع صوتها.
أكثر من عشر سنوات مرّت على رحيل «الدّيفا» نجمة موسيقى المورنا، لكن عبد القادر ضيف الله أراد لها حياة أخرى، أن يبعثها، ثم يدفنها في الجزائر، في روايته الأخيرة «سُوْداد» هذه الكلمة العامية المشتقة من البرتغالية، التي تعني الحنين، أو حنين تشوبه كآبة.

تدور فصول هذه الرّواية بين شخصيتين: بن يمين سعد، وهو روائي يبحث عن الشهرة، يحنّ إلى حياة ما قبل الكتابة، وسامي، حلاق شاب، يحنّ إلى حبّ ضائع. تتناوب الشخصيتان على استعادة أطياف سيزاريا إيفورا وصوتها، في تكرار أغنيتها سُوْداد، يبعثانها من مرقدها، ثم يدفنانها من جديد، ويدفنان حنينهما إلى ماضيهما.
نجل الفقير
يولد سامي في قرية، يعاني من الفقر ومن قسوة والده، «هناك صدمات كثيرة في طفولتي أكثرها قسوة حالة خوفي الهيستري من جنون والدي، فمنذ وعيت وأنا أشعر به أنّه سيذبحني يوماً ويذبح أمّي بخنجره. أذكر جيداً ذلك اليوم الذي جاءته فجأة نوبة جنونه وهو جالس قرب جدتي، فوجدتني أتمسّك بأمي وأتبعها أينما ذهبت لأحرسها منه». هذه الفوبيا التي عانى منها في صغره ستجعله شخصاً مضطرباً، لا يشعر بأمان، يبحث عن الخلاص من قربه من رجال آخرين، في التّعلّق بهم، يريد رجالاً ينسونه والده، وخيباته، وهذا كليشيه تسرعت إليه الرواية في تبرير المثلية من منظور اجتماعي وأخلاقي، مع تغييب الشقّ النّفساني، دون تكلّف البحث العلمي، سيواصل سامي حياته ويصير حلاقاً في الجزائر العاصمة، في محلّ يقتسمه مع صديق له، ويلتقي بالروائي، الذي لا نعرف الشيء الكثير عن حياته، سوى يومياته المكتظّة بخصومات مع زوجته، التي لم تطق صبراً من انشغاله في الكتابة وإهمال واجبات البيت، فهو يعكس الحالة التي يحيا فيها غالبية الكتّاب في الجزائر، حيث أن أمهاتهم هن اللواتي يحدّدن لهم الزّوجة التي يقترنون بها، المهمّ أن تكون من العشيرة نفسها، ولا يهمّ إن كانت مثقفة أو تفهم أو لا تفهم في انفعالات الكاتب وتقلباته. تلتقي الشّخصيتان عن طريق فيسبوك، أولاً، ثم في معرض الجزائر الدّولي للكتاب، ويشرع سامي في سرد حكايته وبن يمين سعد يكتب، نستمر في قراءة قصتيهما، وكيف أن سامي كان يتعالج بقصّ حكايته، بينما الروائي يرجو منها شهرة، بعدما فشل في روايته السابقة، هكذا تستمر الرواية إلى النهاية، في استعادة تاريخ الجزائر المعاصر، وفي محاولات كشف الخفيّ من حياة الناس والمسؤولين، كلّ ذلك على إيقاع صوت سيزاريا إيفورا.
في رواية «سُوْداد» تشريح للحالة الجزائرية وأمراضها، مثل عنصرية بعض الناس إزاء ذوي البشرة السمراء، وسخريتهم من فقراء يأتون من دول جنوب الصحراء الكبرى.
سيرة كاتب
هل هذه الرواية (التي صدرت عن دار خيال) سيرة ذاتية للمؤلف؟ من البداية يطغى صوت المثقف على الشخصيتين. سامي، الذي ولد في بيئة قروية صعبة، بين والد عنيف انتهى به المطاف في مصحة الأمراض العقلية، وأخ متشدّد دينياً، في فقر وحاجة إلى الأكل والملبس، والذي كان يعمل في ورشات بناء ثم في الحلاقة، مسكونا بحنين إلى شقيقته زهرة، التي فرّت من البيت مع عشيقها، يخبرنا أنّه قارئ نهم، أنّه قرأ أهمّ الرّوائيين، ثم طالع الأدب العالمي عقب تعرفه إلى شخصية الكولونيل! يبدو الأمر غير منطقي نسبياً، بل لاحقا سوف ندرك أنّه يفهم ليس في الأدب فقط، بل في الصحافة أيضاً، ويطلق أحكاماً عن مؤلفين وصحافيين، وينطبق الأمر نفسه على شخصية بن يمين سعد، من كاتب مغمور، لكنه كان ملمّاً بكل تفاصيل الحياة الثقافية في البلد، ثم تظهر نقطة أخرى نقصد منها جلد الذات، من خلال السخرية من كتّاب جزائريين باللغة العربية، ومدح نظراء لهم باللغة الفرنسية (على غرار ياسمينة خضرا) هذا الأمر لا ينقص من قيمة الرواية، التي يمكن أن نطالعها بشكلّ سلس، في تتبع قصتيهما، لكن يبدو أن هناك إسرافا في تغليب صوت المثّقف/ المؤلّف على أصوات النّاس العاديين.
أمراض جزائرية
في رواية «سُوْداد» تشريح للحالة الجزائرية وأمراضها، مثل عنصرية بعض الناس إزاء ذوي البشرة السمراء، وسخريتهم من فقراء يأتون من دول جنوب الصحراء الكبرى، لكن أيضاً في طرح هذه العلاقة المرضية التي تربط القادمين من عمق البلاد مع عاصمة البلاد، يعيشون فيها ويحقدون عليها في آن، بحكم أنّها استأثرت بمكانة عليا مقارنة بالمدن الأخرى: «العاصمة التي يقال عنها بيضاء وما هي ببيضاء، كلّ شيء فيها أسود ومعتم مدينة، من مدن العدم والغيب، منذ أن سكن الموت ذاكرتها مع بداية سنوات التّسعينيات، وهي على هذا الحداد المعلن، وغير المعلن». هكذا يقول الروائي في رأي يقاسمه إياه غالبية القادمين من مدن الداخل، ينزحون إلى العاصمة، من أجل العمل أو طلباً لمآرب أخرى، لكنهم يمقتونها في دواخلهم، يستقرون فيها رافضين مغادرتها، لكنهم لا يذكرونها سوى بسوء، وهذه الحالة لا نجد مثيلاً لها سوى بين الجزائريين، لقد حاول عبد القادر ضيف الله قول أشياء كثيرة في رواية واحدة، من زمن الإرهاب إلى الربيع العربي، من وصول بوتفليقة إلى جلوسه على كرسي متحرك، تحدّث عن مافيا المال في الشمال وعصابات التهريب في الصحراء، عن صفقات السلاح وجوع الفقراء، وهو أمر قد لا تحتمله رواية واحدة، لكنه فتح باباً جديداً عن حياة الهامش، عن أولئك المرفوضين في مجتمع تغلب فيه الرأي الواحد، وصار العامة فيه يرفضون كلّ ألوان الاختلاف في العرق أو المعتقد أو الميول العاطفية.
روائي جزائري