كما أن للرئيس أنصار دفعوا إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات الردعية تجاه المناوئين، لديه أيضا معارضين لم يروا فيما قام به بعض أعضاء البرلمان عملا قد يؤدي إلى تقسيم البلاد.
تونس ـ «القدس العربي»: تسارعت الأحداث السياسية بشكل لافت في تونس خلال الأيام الماضية، وتحديدا منذ الإعلان عن انتهاء المرحلة الأولى من خريطة طريق الرئيس قيس سعيد للخروج من المرحلة الإستثنائية والتي أعلن عنها في وقت سابق. وتتمثل المرحلة الأولى في الإستشارة الوطنية الإلكترونية التي لم تلق إقبالا جماهيريا واسعا.
وقد كان من المفروض ان يقع المرور مباشرة إلى المرحلة الثانية من خريطة الطريق والمتمثلة في تشكيل اللجان التي ستتولى تعديل الدستور وتنقيح القانون الانتخابي وقانون الأحزاب وغيره، قبل أن يذهب التونسيون يوم 25 تموز/يوليو، أي ذكرى الإطاحة بالنظام الملكي في تونس وإعلان الجمهورية سنة 1957 إلى الاستفتاء على هذه الإصلاحات. لكن المعارضة دفعت باتجاه عقد جلسة للبرلمان انقسم التونسيون بشأنها بين رافض يعتبر ذلك تصعيدا ضد الرئيس وبحثا عن مشاكل إضافية تبدو البلاد في غنى عنها، وبين من يعتبر ذلك أمرا طبيعيا وحقا أساسيا لمؤسسة دستورية تم الإنقلاب عليها من قبل الرئيس قيس سعيد ومن حقها أن تصحح الأوضاع وتعقد جلساتها.
وذهب أصحاب الرأي الأول بعيدا معتبرين أن في عقد جلسة البرلمان محاولة لخلق سلطتين في البلاد على غرار ما هو حاصل في ليبيا وهو ما سيؤدي بتونس، برأيهم، إلى ما لا يحمد عقباه، أي التقسيم وتدويل الملف ليصبح من أنظار الأمم المتحدة والقوى الدولية والإقليمية والمحيط. كما قد يحصل اقتتال أهلي بين أنصار السلطتين، على غرار ما هو حاصل في ليبيا أيضا، وهو ما قد ينهي وجود تونس من الأساس باعتبارها لا تمتلك تلك الثروات الهائلة التي ترقد عليها ليبيا لإعادة الإعمار في حال تم تخريبها بحرب أهلية لا تبقي ولا تذر.
رئيس الجمهورية سارع إلى حل البرلمان وإلى تتبع النواب الذين عقدوا هذه الجلسة وذلك تطبيقا لأحكام الفصل 72 من الدستور التونسي لسنة 2014 الذي ينص على أن «رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، ورمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام الدستور».
اتهامات باطلة
وكما أن للرئيس مساندين وأنصار هللوا لما قام به ودفعوا باتجاهه وإلى اتخاذ المزيد من الإجراءات العقابية الردعية تجاه «المناوئين» لديه أيضا معارضين لم يروا فيما قام به بعض أعضاء البرلمان عملا قد يؤدي إلى تقسيم البلاد. واعتبر هؤلاء أن من حق البرلمان الشرعي المنتخب عقد جلسة عامة، ومن حقه أيضا التصويت على إلغاء التدابير الاستثنائية المعلنة من قبل الرئيس قيس سعيد يوم 25 تموز/يوليو 2021 بما في ذلك تجميده البرلمان، باعتبار وأن الامر يتعلق برأيهم بانقلاب عن الشرعية وجب تصويب ما نتج عنه.
ويرى هؤلاء أنه لم يصدر عن النواب ما يؤكد على رغبتهم في تقسيم تونس وخلق سلطتين متوازيتين في البلاد، حتى أنهم، أي النواب، منحوا صفة الشرعية لحكومة نجلاء بودن التي أصروا على اعتبارها حكومة تصريف أعمال تتولى إدارة البلاد إلى حين إجراء الانتخابات. وفي هذا الإطار اعتبر النائب عماد الخميري عن حركة النهضة أنه لم يرد في مداخلات النواب ما يستدعي رد فعل الرئيس ذاك، فقد اقتصر الأمر على الدعوة إلى حوار وطني وإلى تغليب المصلحة العليا للبلاد والرجوع عن مسار رئيس الجمهورية الذي وصفه الخميري بـ«الهلامي والتعسفي والذي بني على المغالبة والتشفي وتجاوز الدستور».
ديكتاتورية ناشئة
ويرى البعض أن الرئيس قيس سعيد غير جاد في تتبع النواب قضائيا وأن استدعاءهم من قبل الفرقة الأمنية المختصة في مكافحة الإرهاب هو للترهيب لا غير والدليل أنه لم يلاحقهم قضائيا ولم يزج بهم في السجون طيلة الفترة الماضية خاصة وأن القضاء بات طوع بنانه بعد أن تم حل المجلس الأعلى للقضاء السابق. كما أن الأبحاث الأولية تمت في كنف احترام حقوق الإنسان بشهادة النواب أنفسهم ولم تحصل انتهاكات مثلما جرت العادة سواء مع أنصار بن علي خلال العشرية الماضية أو مع عموم المواطنين الذين كثيرا ما اشتكوا خلال عهدي الإستبداد والديمقراطية من سوء المعاملة من قبل السلطات الأمنية.
بالمقابل يرى البعض أن هذه التتبعات هي مقدمة لا غير وأن ما ينتظر المعارضة هو الويل والثبور، وأن هناك بالفعل ديكتاتورية تنشأ تدريجيا في تونس، وأنه وجب التصدي لها بكل الوسائل الممكنة، وأن الصمت على انتهاكاتها البسيطة سيؤدي إلى حصول انتهاكات جسيمة. ويضرب هؤلاء مثل بن علي الذي لم يكن في بداياته ديكتاتورا، بل أطلق الحريات واحترم حقوق الإنسان وجمع الطبقة السياسية حول ميثاق وطني وقعت عليه أغلب التيارات، لكن الصمت على بعض الانتهاكات التي حصلت خلال سنوات حكمه الأولى شجعته على التمادي إلى أن وصلت البلاد إلى ما وصلت إليه من خنق للحياة السياسية.
انتظار خريطة الطريق
بالمقابل يرى البعض أن خريطة الطريق التي قدمها ساكن قرطاج للخروج من المرحلة الإستثنائية مقبولة زمنيا باعتبارها ستنتهي مع نهاية هذا العام وذلك بإجراء الانتخابات التشريعية، وبالتالي وجب الانتظار، برأيهم، إلى حين التفرغ من جميع مراحلها. فإذا لم يلتزم قيس سعيد بما جاء في خريطة الطريق، جاز برأيهم التمرد عليه واتهامه بالاستبداد والالتفاف على الدستور والمسار الديمقراطي الذي اختاره التونسيون بالإجماع وأهل بلادهم في وقت ما لتكون أول ديمقراطية عربية غير طائفية وغير محروسة بمؤسسة ملكية أو عسكرية.
وردا على هؤلاء يؤكد معارضو الرئيس على أن ما يقدمه بعض المقربين من ساكن قرطاج من تصورات لشكل النظامين السياسي والانتخابي لا يبشر بخير وهو أقرب ما يكون إلى النظام الهلامي الذي يصعب تطبيقه على أرض الواقع. ولذلك ينادي هؤلاء إلى التصدي له ومعارضته والوقوف بوجهه باعتبار أن تكريسه سيزيد من تعميق الأزمة السياسية في البلاد والتي أدت بدورها إلى تأزم الوضعين الاقتصادي والاجتماعي خلال السنوات الماضية.
ويرى هؤلاء أن الحل هو في احترام الدستور وترسيخ مبادئ الديمقراطية والدعوة لحوار وطني شامل لإيجاد الحلول للأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مع العودة إلى الشعب التونسي صاحب السلطة الأصلية من خلال إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية سابقة لأوانها. أما ما سوى ذلك فهو برأيهم استبداد واستفراد بالحكم وعودة من جديد إلى الديكتاتورية التي اتفق التونسيون على جعلها من الماضي ولا يمكن بأي حال من الأحوال التفكير في العودة إليها تحت أي ظرف.