ثمة إجماع على ثلاث صفات تحت بند «الأول» اقترنت بالمستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل (1954 -): أنها أوّل امرأة في تاريخ ألمانيا تتبوأ منصب المستشار الأرفع، وأوّل زعيمة سياسية أو زعيم سياسي في ألمانيا يحمل الدكتوراه في ميدان علمي (كيمياء الكم)، وأوّل مستشار(ة) تُنتخب لهذا المنصب قادمة من ألمانيا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية. يصح كذلك التوقف عند حقيقتين تاريخيتين لا تقلان أهمية: أنها مكثت في المنصب 16 سنة فعادلت راعيها وقدوتها المستشار الأسبق هلموت كول، وأنها أوّل مستشار يتخلى طواعية عن المنصب في ذروة شعبية طاغية لدى الجمهور وكتلة الناخبين.
كاتي مارتون، مؤلفة كتاب «المستشارة: الأوديسة الرائعة لأنغيلا ميركل»، نشأت في هنغاريا الشيوعية قبل أن تهاجر إلى الولايات المتحدة وتعمل في الإعلام والصحافة، وتتزوج من الدبلوماسي ذائع الصيت ريشارد هولبروك، وتترأس مكتب صحيفة «نيويورك تايمز» في ألمانيا، حيث أتيح لها أن تتابع سنوات ميركل في موقع المستشارة. كذلك نشرت مارتون كتاباً بعنوان «مؤمن حقيقي: جاسوس ستالين الأمريكي» عن حياة نويل فيلد، وكتاباً ثانياً بعنوان «أعداء الشعب: رحلة عائلتي إلى أمريكا». وكتابها هذا عن ميركل ليس سيرة بالمعنى التقليدي للكلمة، ولكن فصوله الـ18 ترصد الكثير من تفاصيل حياة المستشارة الألمانية، مع تركيز خاص طبيعي على تنشئتها في ألمانيا الشرقية كإبنة قسّ بروتستنانتي، وعلى أدائها السياسي بصفة إجمالية، والمواقف والخيارات الكبرى التي جعلتها واحدة من أبرز ساسة أوروبا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وبين الأكثر شعبية في ألمانيا.
المسارات السياسية تبدأ من نائبة المتحدث الرسمي باسم أول حكومة منتخبة ديمقراطياً في ألمانيا بعد انتفاضات 1989، فالانتخاب في البوندستاغ بعد سنة، والتعيين وزيرة المرأة والشباب في حكومة كول سنة 1991، فوزيرة البيئة سنة 1994، وصولاً إلى الأمانة العامة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. النقلة الحاسمة وقعت في سنة 2005 حين انتُخبت ميركل مستشارة تترأس ائتلافاً حاكماً واسعاً ضمّ حزبها الديمقراطي المسيحي، والحزب البافاري، والاتحاد المسيحي الاجتماعي، والحزب الديمقراطي الاجتماعي. على صعيد غير مباشر، اعتُبرت ميركل زعيمة الأمر الواقع الأقوى في أوروبا، وكان لافتاً أن مجلة ّفوربس» اختارتها 10 مرات لصفة المرأة الأقوى في العالم.
ومع ذلك، يثير الدهشة في كتاب مارتون الوقائع الكثيرة حول مقدار حرص ميركل على إبقاء حياتها الخاصة بعيداً عن الأنظار، حتى ليمكن القول إن قسطاً غير قليل من شعبيتها راجع إلى أنها لا تفرض صورتها على الجمهور، وهي ليست كثيفة الحضور في وسال الإعلام، ولا تغرد على تويتر مثلاً، ولا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، ولا تكتب مذكرات يومية. ورغم معرفة القليل عن الحياة الخاصة لمستشارتهم، خاصة لجهة أنها تعيش حياة عادية لا تختلف كثيراً عن حياة غالبية الشعب، فإنّ الألمان انتخبوها وأعادوا انتخابها 3 مرات، بأغلبية مريحة في كلّ مرّة، كما تكتب مارتون، التي تسرد حكاية لافتة مفادها أنّ واحداً من أبرز حلفاء ميركل السياسيين استُبعد من دوائرها المقرّبة لأنه ذات يوم سرّب إلى العلن رسالة إلكترونية قصيرة منها، تقول فيها: «شكراً على الاقتراح، أ. م.»
وفي سياق الخصوصيات، لعل أبرز ثغرات كتاب مارتون هو التركيز على التربية المسيحية/ البروتستانتية، أو بالأحرى اللوثرية على وجه التحديد، التي كانت في خلفية تنشئة ميركل، ولكن من دون التعمق في تفاصيل ما مارسته تلك الخلفية الدينية على سلوكها وأدائها وخياراتها السياسي، وذلك رغم تلميح المؤلفة إلى دور الدين والكتاب المقدس في نفسية الصبية أنغيلا دوروتيا كاسنر، التي ستحمل كنية ميركل نسبة إلى زوجها الأول قبل انفصالها عنه. كذلك تشدد مارتون على انتماء ميركل إلى الأفكار النسوية رغم حرصها على عدم استخدام المفردة بصورة مقصودة، ورغم ما عُرف عنها من بعض مواقف تجعلها تبدو بعيدة عن النسويات، كما في اعتراضها ذات يوم على اقتراح وزيرة العمل في حكومتها أورسولا فون دير لين (رئيسة المفوضية الأروبية حالياً) بتخصيص حصص قانونية على أساس الجنس في وظائف المراتب العليا.
وتروي مارتون أنها التقت مع ميركل أثناء حفل أقامه المخرج السينمائي الألماني فولكر شلوندورف، خريف 2001، وتصادف أيضاً وجود الناقدة والروائية والناشطة الأمريكية سوزان سونتاغ، ذات التوجهات النسوية المعروفة، حيث دار حوار جانبي بين السيدتين. وتقول مارتون إنّ ذاكرتها عن الواقعة سجّلت إغراق سونتاغ في الكلام والمساجلة، مقابل إغراق ميركل في الصمت والإصغاء، مع أنّ ذلك الحوار كان مناسبة ذهبية للوقوف على آراء المستشارة الألمانية في العديد من القضايا التي لا تخصّ الأدب والفنّ والفلسفة عموماً فقط، بل تشتمل أيضاً على قضايا المرأة بصفة خاصة ومحددة. وظلت ميركل تعتبر أنّ أفضل سلاح في حوزتها ضدّ نزوعات التمييز على أساس الجنس هو إحراز النجاح على صعيد حياتها هي ذاتها، باعتبارها أيضاً مثالاً يمكن للآخرين الاحتذاء به، ولأنّ شخصيتها القيادية في هذا المضمار لا تعتمد على التكلّف والتضخيم.
وقد يكون تعاطف الكاتبة مع دولة الكيان الصهيوني، أو حرصها في الآن ذاته على تبيان موقف ميركل من المسؤولية الألمانية عن الهولوكوست، وراء تخصيص صفحات مطولة من كتابها للتوقف عند زيارة ميركل إلى إسرائيل وإلقاء خطاب أمام الكنيست مطلع ربيع 2008. وللقارئ الذكي أن يفهم من هذا السرد مقدار التعنت الإسرائيلي في النظر إلى الشعب الألماني، إذْ كان عدد من أعضاء الكنيست قد قاطعوا الجلسة تحاشياً للاستماع إلى اللغة الألمانية بوصفها «لغة القتلة» كما عبّروا، وذلك رغم أنّ ميركل بدأت خطابها باللغة العبرية وبها نطقت الجملة التالية كاملة: « أشكر الله لأنه أتاح لي أن أخاطبكم، هنا، في الكنيست»، وبعدها فقط تابعت باللغة الألمانية. ولأنها كانت أوّل مستشار ألماني يلقي كلمة أمام برلمان إسرائيلي، فقد تقصدت ميركل التشديد على الحصة الألمانية في الدفاع عن أمن إسرائيل، وقالت: «المحرقة تملؤنا نحن الألمان بالعار. وهذا يعني أنه بالنسبة إلي، كمستشارة ألمانية، فإنّ أمن إسرائيل غير قابل للتفاوض».
وكانت قبل المجيء إلى الكنيست قد زارت متحف ياد فاشيم المخصص للهولوكوست، وبالتالي لم تتردد في التصريح بالعبارة التالية: «استغرقت ألمانيا أكثر من أربعين سنة قبل أن تقرّ وتتحمل مسؤوليتها التاريخية تجاه إسرائيل. وإنني هنا من دون كل الأماكن، أودّ التعبير بصراحة عن أنّ هذه المسؤولية التاريخية جزء من سبب الوجود بالنسبة إلى بلدي». وأما بخصوص الحقوق الفلسطينية، أو سياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي والممارسات العنصرية، فلم تكون ميركل مفوهة بالمقادير ذاتها، ليس خلال زيارتها تلك فقط بل على امتداد تعاونها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، الأمر الذي تغيّر مع بنيامين نتنياهو حيث أصاب العلاقات الألمانية – الإسرائيلية بعض الفتور.
ومن المفارقات اللافتة أنّ ميركل تتقن اللغة الروسية بطلاقة، وهذا كان عنصراً فعالاً في مفاوضاتها اللاحقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خاصة وأنهما عملا في ألمانيا الشرقية خلال فترات زمنية متقاربة، فكان بوتين ضابطاً في استخبارات الـ KGB السوفييتية في درسدن، وكانت ميركل موظفة تمرّ كلّ يوم بمحاذاة جدار برلين. وبينما شعرت هي بالسعادة عند تقويض الجدار من دون أن تهرع سريعاً إلى الشطر الغربي وكانت لديها شكوك حول مستقبل ما بعد الجدار قبل توحيد ألمانيا، كان بوتين يشعر بالمرارة والإحباط لمرأى الجدار وهو يتداعى خاصة وأنّ قيادة الاستخبارات في موسكو لم تعد تكترث بالردّ على تقاريره أو تستجيب إلى طلباته واستغاثاته.
ومن الطبيعي أن تتوقف المؤلفة، بتفصيل وإسهاب، عند دور ميركل في تطوير الاقتصاد الألماني وتحويل البلد إلى موقع صدارة دولية، وأن تعزو الكثير من خيارات ميركل المتميزة في استقبال اللاجئين إلى المرارة التي عانت منها خلال نشأتها الأولى في ألمانيا الشرقية. وفي تحقيق أهدافها على مستوى القارة الأوروبية وفي الملفات الإقليمية والعالمية، كانت عدّة ميركل الأبرز هي التحمّل الطويل والجلد في المفاوضات والصبر على الحليف مثل الخصم، حتى أنها (حسب المؤلفة) لم تكن أحياناً تميّز مرور أوقات التفاوض إلا من خلال نوعية الطعام الذي يُقدّم، وما إذا كان يخدم العشاء أم الإفطار! وحين سُئلت ذات مرّة عن إسهامها الأهم في الحياة السياسية الألمانية كان ردّها: «امرأة عاشت 35 سنة من حياتها في ظلّ نظام بلا حرّية، وهي بالتالي تدرك القيمة الفريدة للحرّية».
ويبقى أن كتاب مارتون ليس السيرة المثلى التي ترصد مسارات حياة السياسية الأهمّ في ألمانيا العقود الثلاثة الأخيرة، بل يجوز التشديد مجدداً على أن الكتاب ليس سيرة تماماً، ولكنه مع ذلك حافل بالتفاصيل الدالة وذات المغزى في قراءة سلوك ميركل. وهذا لا يمنع بالطبع من انتظار صدور المزيد من المؤلفات الأخرى التي تتناول الأوديسة الفريدة لهذه السيدة المتميزة.
Kati Marton: “The Chancellor: The Remarkable Odyssey of Angela Merkel”
HarperCollins, London 2021
368 pages.