شكل جديد لمسرح الشارع تكريما لضحايا «كورونا» بتوقيع الشاعر منصف المزغني العرض الأول لمسرحية «بدن فارغ» للمخرج التونسي معز العاشوري

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: في اليوم العالمي للمسرح، أضاءت تونس الأنوار والأركاح احتفالا بأب الفنون سيما وأن الحياة عادت إلى القاعات بعد الشلل الذي أعاق حركتها بسبب انتشار فيروس «كورونا». وكان مركز الفنون الدرامية والركحية في بن عروس في تونس العاصمة على الموعد ليقدم برمجة استثنائية احتفالا بعودة الحياة إلى المسرح بعد غياب اضطراري، حيث تمّ تنظيم ندوة فكرية بعنوان «المسرح ومقاومة العنف» إلى جانب تقديم العرض ما قبل الأوّل لمسرحية «بدن فارغ» للمخرج معز العاشوري.

في المركب الثقافي علي بن عياد بحمام الأنف اختار المخرج التونسي معز عاشوري ان يعرض مسرحيته «بدن فارغ» نص معز عاشوري ومنصف المزغني، ليكون هذا العرض نتاج مختبر فني مع مجموعة من طلبة المعهد الأعلى للفن المسرحي ومجموعة من الفنانين والممثلين المحترفين بالإضافة إلى صعود الشاعر التونسي المنصف المزغني لأول مرة في تاريخه على ركح المسرح. و«بدن فارغ» باللهجة التونسية تعني الجسد الفارغ، وهي دلالة على حجم المعاناة التي يتركها وباء كورونا عندما يجتاح الأجساد. فالمسرح هو مرآة للحياة والوجود بكل ضجيجها وأنفاسها وفرحها وحزنها وتجاربها المتنوعة، وانطلاقا من ذلك كانت مسرحية «بدن فارغ» هي أيضا مرآة تعكس ما مرّ به التونسيون طوال العامين الماضيين من معاناة مع الألم والمرض والموت بسبب هذا الوباء القاتل الذي تسّلل إلى كل مناحي الحياة وكاد أن يصيب الأعمال الفنية والمسرحية والثقافية بمقتل بعد الاضطرار للتوقف والجمود بسبب فرض الحجر الصحي.
«بدن فارغ» هي الأجساد التي تعاني والأرواح الهاربة في دوامة هذا الوباء الذي كاد ان يسلب من البشرية أنفاس الحياة بحلوها ومرّها.
مسرحية نصفها في الشارع، ونصفها الآخر على الخشبة.
اختار المخرج معز العاشوري أن يقسّم مسرحيته إلى جزأين كبيرين: الأول يكون فضاؤه الشارع ضمن ما يعرف بمسرح الشارع، والثاني مساحته ركح الخشبة التقليدي.
من الشارع تنطلق المسرحية في رصد لهلع الشارع وقد غزته كورونا في سنة 2020 وأصابت البلاد والعباد بالذعر. وأمام المركب الثقافي علي بن عيّاد بحمام الأنف اصطف المارون والعابرون من المكان وقد دفعهم الفضول إلى اكتشاف قصة العرض سيما وقد علّقت يافطة كبيرة على مدخل الفضاء كتب فوقها «مركز كوفيد -19». ولقد نجح المخرج معز العاشوري في رصد ردة فعل التونسيين المختلفة عند اللحظة الحرجة وهم يستمعون إلى أنّ نتيجة تحاليلهم كانت إيجابية. وما بين الصراخ والاحتجاج والفزع، تنوّعت الحالات النفسية في استيعاب الخبر الصادم بحسب اختلاف الشرائح العمرية والمستويات الثقافية. وحدها جرعات الأوكسجين كانت كفيلة بإخماد احتجاجهم وخوفهم ونوبات سعالهم. وفجأة يأتي ممثل شاب حالم من بعيد ويقف أمام الباب محتارا وقد تفاجأ من تحول القاعة المسرحية التي يتمرن فيها إلى مركز كوفيد! إلا أنه لم يستسلم وبقي يحاول مع الحارس في الدخول، حتى دخل هو وتبعه الجمهور لاكتشاف الجزء الثاني من مسرحية «بدن فارغ» الذي عاد بنا من الشارع إلى الخشبة.
وحتى في الداخل لم تبق «كورونا» حتى على ركح المسرح كما هو، بل حوّلته إلى قاعة إنعاش تأوي المرضى والحالات الحرجة ليتصاعد السعال الحاد وتأوه النفوس العليلة. ومرة أخرى لم يلق الشاب الممثل المنديل أمام غول الداء الفتّاك بل لبس ملابس الشخصية المسرحية واحتك بالمرضى في محاولة لعلاجهم بالفن. فإذا به يدفعه للغناء والعزف والرقص والبوح وإلقاء الشعر.

روح القصيدة

في توزيع طريف لمواقع الشخصيات وأدوراها، ظهرت خمس شخصيات على الركح تجلس على كراسيها وهي خائرة القوى تستمد أنفاسها من أجهزة الأوكسجين. وقد برع المخرج معز العاشوري في وضع الممثل القدير كمال اليعلاوي أقصى يسار الركح والشاعر منصف المزغني على أقصى اليمين وما بينهما ثلاثة ممثلين من الشباب. وكأننا بالمخرج يستعين بهذين «الشيخين» كأعمدة صلبة لتركيز عرضه بقوة وثبات. أما مركز الركح فكان محجوزا للممثل والعازف يحي الجزيري الذي أمتع الجمهور بوصلات عزف كمان وغناء وإنشاد، فيما لعب كل الممثلين دون استثناء أدوارهم بمنتهى الإقناع في إدارة محكمة لمعز العاشوري في فن الممثل.
وقد أثار ظهور الشاعر التونسي منصف المزغني على الخشبة استحسان وإعجاب الجمهور الذي صفّق له طويلا وهو يلقي شعره المميز والطريف في مغازلة الممرضة أو التعبير عن وضعية المرض والوجع أو الإعلان عن حتمية الموت.
وعن هذه التجربة تقول الصحافية المختصة في الشأن الثقافي ليلى بورقعة لـ«القدس العربي»: لأول مرة نجح المخرج معز العاشوري في استضافة الشاعر منصف المزغني على ركح المسرح ليروّض تمرده ويجعل منه بطلا لمسرحيته ينضبط إلى نص وقواعد» وتضيف: «لقد انساب نصّ المسرحية الذي جاء بالعربية الفصحى في شاعرية مؤثرة زادتها قراءات منصف المزغني المنّغمة عذوبة ورمزية». وفي نهاية المطاف، يستسلم مرضى كورونا إلى قدرهم المحتوم ويلفظون أنفاسهم الأخيرة. ليبقى الممثل الشاب وحيدا على الركح يناجي طيف الشخصيات الميتة وقد كانت منذ حين ترقص للفن والحياة. ولكنه نجح في إيصال رسالته إلينا ومفادها أن الفنان والطبيب يتشابهان في الأدوار وإن اختلفت الطريقة والتقنيات، فالطبيب يعالج الأمراض العضوية بالدواء والفنان يعالج الأمراض الروحية بالفن. وكلاهما رسول الحياة ومنقذ البشرية.

العلاج بالفن

يتحدث المخرج معز العاشوري لـ«القدس العربي» عن خلفيات هذه المسرحية وفكرتها قائلا: «لم يحدث أن عرفت تونس في زمنها المعاصر فاجعة بحجم وباء كورونا الذي أوقع فيها ضحايا بالآلاف وعزلها عن الجوار وأغلق مسارحها. وفي الوقت التي أضحى فيه موتى كورونا مجرد أرقام في سجل الوفيات، قررنا نحن تكريمهم على طريقتنا حتى لا نكون نحن الفنانين مجرد متفرجين سلبيين على عاصفة كورونا التي اجتثت أمننا وسلامنا وحرمتنا من مسارحنا. وقد اخترنا عنوان «بدن فارغ» لعنونة المسرحية التي تحيل في دلالة عنوانها على الجسد الفارغ والخاوي بسبب انتشار الفيروس اللعين في مفاصله وأوصاله». وتابع بالقول: «لقد حاولنا تقديم شكل فني جديد لمسرح الشارع الذي يقود جمهوره نحو قاعة المسرح بالاعتماد على سحر الخرافة والأداء والموسيقى. وقد تحوّل المركب الثقافي على بن عياد حمام الأنف إلى مركز كوفيد – 19 ما أثار إنتباه المارين والمشاهدين، كما تحولت القاعة إلى مستشفى والركح إلى غرفة إنعاش». وأضاف محدثنا: «هي مساهمة منا لتوثيق سنوات غير مسبوقة من الخوف والفاجعة عاشتها تونس كغيرها من عواصم العالم لنترجم بعضا من وجع البشرية وهي تفقد الأرواح وتحصي الأموات، وكذلك للتذكير بالحاجة الماسة المسرح والفنون عموما في علاج أوجاع الروح والترويح عن النفوس حتى ننشر في مجتمعاتنا ثقافة العلاج بالفن.»

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية